تقرير| النمو القوي للاقتصاد الصيني يجعل "كورونا" أكثر خطرا

كورونا والاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والصين
كورونا والاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والصين

مع نهايات عام 2019 وبدايات العام الجديد 2020، كان الاعتقاد السائد لدى الكثيرون من خبراء الاقتصاد في العالم والمؤسسات الدولية يذهب إلى أن الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والصين والذي وقع في الأيام الأولى من هذا العام سيكون "حدث العام"، وينبئ بأن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة من الرواج والانتعاش خاصة مع تسجيل أسواق المال طفرات ملحوظة، لكن لم يتوقع أحد أن يشهد العام الجديد ظهور وباء قوي سريع الانتشار مثل "كورونا" في الصين التي أصبحت الحصان الأسود للاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.

وتتمثل خطورة فيروس كورونا ليس فقط في سرعة إنتشاره عالميا، ولكن في تأثيره الأكبر على الاقتصاد الصيني (ثاني أكبر اقتصاد على ظهر الكرة الأرضية) والذي بدروه سيكون له تداعيات أكثر خطورة على الاقتصادات العالمية نظرا لتشابك وارتباط الاقتصاد الصيني بالغالبية العظمي من دول العالم وبالمناطق والتكتلات الاقتصادية وحتى بكل الصناعات التي ستجد فيها مدخلا صينيا.

وقاد التفاؤل بالاتفاق التجاري - الأمريكي الصيني - المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي لتوقعات أفضل لعام 2020، لكن، وبعد أقل من شهر من بداية العام..تبدل الحال، حيث سارعت وكالة "موديز" العالمية في الإعلان أن تأثير وباء فيروس “كورونا” الصيني القاتل، على الأسواق سيكون أكبر مما حدث خلال الأزمة المالية العالمية والكساد العظيم في الفترة 2008 – 2009.

كما أن شبكة "سي إن بي سي" الأمريكية رصدت في تقرير لها أن تأثير فيروس "كورونا" الجديد سيكون أكثر وطأة على الاقتصاد العالمي من فيروس "سارس" في 2003، فيما تسابق الحكومات حول العالم الزمن لاحتواء انتشار الفيروس الجديد الذي أصاب الآلاف وأودى بحياة المئات حتى الآن، ما جعل المستثمرون أكثر ترقبا لتداعيات أزمة اقتصادية عالمية جديدة.

وأوضحت الشبكة أن فيروس "كورونا" ضرب الصين في وقت كان اقتصادها ينمو بقوة ليصبح ثاني أكبر اقتصادات العالم وأصبح يمتلك صلات أكبر بالعالم، وهذا يعني أن أي ضغوط على نمو الصين الآن ستؤثر على الاقتصاد العالمي أكثر من أي وقت مضى وبشكل أكثر خطورة مقارنة بذي قبل حتى وقت ظهور فيروس سارس في مطلع الألفية الثالثة.

وكانت نحو 24 منطقة وبلدية - التي يشكل إنتاجها أكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي للصين و90% من صادراتها - قد طلبت من الشركات التوقف عن العمل حتى 10 فبراير الجاري على الأقل، وفقا لموقع "ويند إنفورميشن".

وكان "سارس" قد ظهر لأول مرة في مقاطعة قوانجدونج الصينية قبل أن ينتقل منها إلى بلدان أخرى، وأودى بحياة حوالي 800 شخص في جميع أنحاء العالم وتسبب في تراجع نمو الصين بنسبة ما بين 0.5% إلى 1% ، فيما أرجعت شبكة "سي إن بي سي" تأثير "كورونا" الكبير على الاقتصاد العالمي إلى أن الصين منذ 2003 صعدت من سادس أكبر اقتصاد في العالم إلى ثاني أكبر اقتصاد اليوم خلف الولايات المتحدة، معتبرة أن الصين باتت الآن أكثر تأثيرا في تحريك النمو في جميع أنحاء العالم، حيث يشكل الاقتصاد الصيني نحو 39% من الاقتصادي العالمي عام 2019 بحسب صندوق النقد الدولي.

وقال "تيمور بيج" كبير الاقتصاديين والعضو المنتدب للبحوث في البنك السنغافوري "دي بي إس"،" إن العالم بأسره لم يلحظ بقوة تأثير " سارس" الذي أصاب الصين أيضا قبل أكثر من 15 عاما وذلك نظرا لأن تأثير الاقتصاد الصيني على الاقتصاد العالمي في ذلك الوقت لم يكن بالقدر الذي هو عليه الآن رغم تباطؤ اقتصاد الصين بنحو نقطة مئوية بسبب "سارس".

وأضاف" عندما ظهر سارس في الصين عام 2003 كانت الأمور طبيعية، لكن الآن، تمثل الصين قرابة خُمس النمو العالمي، وإذا سجلت تباطؤا بنصف في المائة سيمثل هذا "زلزالا" على الاقتصاد العالمي".

وتوقعت "سي إن بي سي" أن يؤثر انتشار فيروس كورونا الجديد على إنفاق المستهلكين أولا، فيما رجح بعض المحللين أن انخفاض الاستهلاك هذه المرة قد يكون أشد من عام 2003، خاصة بعد أن أغلقت السلطات معظم المناطق في الصين في محاولة لاحتواء الفيروس.

وأشارت "سي إن بي سي" إلى أن انخفاض الإنفاق الاستهلاكي سيؤدي إلى الضغط على صناعة الخدمات في الصين، والتي تمثل اليوم حصة أكبر من إجمالي الناتج المحلي للبلاد مقارنة بعام 2003، ما يعني أن أية عقبة في الخدمات ستؤثر على الاقتصاد الصيني والاقتصادي العالمي بطبيعة الحال.

ووفقا لمنظمة السياحة العالمية، منذ 2014، أصبحت الصين أكبر مصدر للإنفاق السياحي الدولي، حيث قفزت من المركز السابع في عام 2003، كما أن دخول الصين في اتفاقيات اقتصادية وتجارية مع الكثير من دول العالم في إفريقيا وأوروبا وآسيا وكذلك انضمامها لاتفاقات تجارية دولية مثل اتفاقية الحزام والطريق يجعل أي أزمة للاقتصاد الصيني ذو تأثير أكبر على الاقتصادات العالمية.

وأعلنت كل من شركتي هيونداي وكيا /عملاقا صناعة السيارات في العالم/ تعليق بعض خطوط إنتاجهما في كوريا الجنوبية بعدما فقدت إمدادات قطع الغيار التي كانت تستوردها من الصين، فيما سحبت العديد من السفرات موظفيها من الصين بعد انتشار "كورونا".

وقال "كيلفن تاي" كبير مسؤولي الاستثمار الإقليميين في "يو بي إس لإدارة الثروات" إن فرض حظر السفر وإلغاء الرحلات الجوية المطبق منذ ظهور "كورونا" يمكن أن يحد من الإنفاق السياحي الصيني في الخارج، ما يمثل تهديدا لكثير من الاقتصاديات خاصة تلك الموجودة في آسيا.

وتظهر بيانات منظمة التجارة العالمية أن الصين التي تمتلك قدرات تصديرية ضخمة لمختلف مناطق العالم تعتبر أيضا ثاني أكبر مستورد منذ عام 2009، حيث إن الصين هي أكبر مستورد للسلع مثل النفط وخام الحديد وفول الصويا، وكذلك الأجزاء الإلكترونية مثل الدوائر المتكاملة، ما يعني أن تأثر معدلات الطلب في الصين نتيجة انتشار الفيروس الجديد فإذن ذلك ينبىء بأزمة أكبر على صعيد التجارة الدولية ككل.

من جانبه، توقع المدير المالي لـ "بي بي" "براين جيلفاري" أن يتسبب انتشار "كورونا" في انخفاض مستويات الطلب العالمي على النفط في العام الجاري بنحو 0.5%، بما يتراوح بين 300 ألف برميل إلى 500 ألف برميل يوميا، لافتا إلى أن تأثير فيروس كورونا على الصين بات أوضح، حيث تراجع الطلب هناك بنحو مليون برميل يوميا".

ولفت إلى أن تراجع النشاط الصناعي عالميا، وإلغاء الرحلات الجوية تسببا حتى الآن في خفض ما بين 200 ألف إلى 300 ألف برميل يوميا من الطلب العالمي على النفط.

ويتوقع محللون أن يمتد الأثر الاقتصادي لفيروس كورونا إلى العديد من الدول التي تتداخل مع الصين في علاقات اقتصادية قوية، قبل أن تتحول إلى حالة عامة للاقتصاد العالمي، إذ تتصدر الصين قائمة المصدرين منذ عام 2009، حيث قفزت من المركز الرابع في عام 2003، وفقا لبيانات منظمة التجارة العالمية.

ويضيف "تيمور بيج" كبير الاقتصاديين والعضو المنتدب للبحوث في بنك "دي بي إس" في سنغافورة أن دولا مثل اليابان وفيتنام "لديها قدر كبير من الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية"، موضحا أن تلك الاقتصادات تستورد المواد والأجزاء من الصين لتصنيع منتجاتها الخاصة للتصدير.

وتوقعت مؤسسة "باثيون ماكروإكونوميكس" أن يسجل الاقتصاد الصيني نموا بأقل من 2% على أساس سنوي وسط تفشي فيروس "كورونا" الجديد، والذي كان له أثر كبير منذ بدء انتشاره أواخر عام 2019 على مستويات الإنتاج الصناعي وتوقف الرحلات الجوية.

وقالت "فريا بيميش" كبيرة الاقتصاديين بالمؤسسة إن الصين قد تواجه انكماشا على أساس فصلي خلال الربع الأول، عقب تضمين عواقب الإغلاقات والاقتصاد المتباطئ بالفعل في حساب التوقعات، ما قد يقود النمو إلى نطاق الـ3.8% ثم إلى أقل من 2% على أساس سنوي.

وحذر بنك "نومورا" أحد أكبر البنوك في اليابان من أن تداعيات "كورونا" على الاقتصاد الصيني قد تفوق في خطورتها تلك التي أحدثها وباء "سارس"، الذي ضرب البلاد في الفترة ما بين عامي 2002 إلى 2004، وتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الأول من 2020 بنسبة قد تتعدى 2% أي أعلى من معدل الانخفاض الذي تسبب به وباء "سارس" في الربع الثاني من عام 2003.

 



 
 
 

 

ترشيحاتنا