ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: قوة الردع المصرية في منطقة مضطربة..!

ياسر رزق
ياسر رزق

«هدف القائد الأعلى للقوات المسلحة، هو رفع قدرات الجيش المصري، تسليحاً وتدريباً وجاهزيةً للقتال.. ليس من أجل الحرب وإنما لمنع الحرب»


في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، كنا نطالع بين الحين والآخر، تقارير إعلامية غربية، تتحدث صراحة عن رغبة الولايات المتحدة في أن تستأجر من مصر شبه جزيرة رأس بناس بمنطقة برنيس على ساحل البحر الأحمر جنوب شرق البلاد، لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية عليها.

وذهبت بعض التقارير إلى حد القول بأن الولايات المتحدة حصلت بالفعل على «رأس بناس» وشرعت وفي بناء منشآت قاعدتها الجوية البحرية..!

النفي الرسمي المصري في ذلك الحين، لم يجد صدى ولا تصديقاً لدى قطاع كبير من الرأي العام المصري والعربي، لاسيما أن السياسة الخارجية المصرية في تلك الفترة كانت تقتفي خطوات السياسة الخارجية لإدارة ريجان في مواقع عديدة على طول وعرض خريطة العالم..!

ولم تجد الأجهزة الرسمية بدا من تنظيم زيارات ميدانية لصحفيين كبار مصريين وعرب إلى موقع القاعدة الأمريكية المزعومة، ليتأكد الجميع من كذب التقارير.

حقيقة الأمر أن الإدارة الأمريكية طلبت من الرئيس الراحل أنور السادات إنشاء قاعدة عسكرية لها في رأس بناس، في أعقاب توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وتدشين علاقات تعاون عسكري مصري أمريكي واسعة. لكن السادات رفض تماماً.

تكرر العرض الأمريكي في بدايات عهد الرئيس الأسبق مبارك، غير أن مبارك لم يشأ أن يخرج على السياسة المصرية الثابتة الرافضة للأحلاف وإنشاء قواعد عسكرية على أرضها منذ خروج آخر جندي من قوات الاحتلال البريطاني في عهد عبدالناصر. راوغ مبارك الإدارات الأمريكية، وتمسك – للإنصاف - بألا تقام على أرض مصر قاعدة عسكرية أجنبية.

 

< < <

 

الأهمية الجيوسياسية لمنطقة برنيس وشبه جزيرة رأس بناس، أنها تقع في منطقة وسطى بين مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر، وقناة السويس أهم مجرى ملاحي للتجارة العالمية وأهم ممر بحري استراتيجي في نقطة تلاقى أوروبا بأفريقيا بآسيا.

كان هدف البنتاجون من إقامة هذه القاعدة في برنيس، أن تكون مقراً ميدانياً متقدماً للقيادة المركزية الأمريكية، التي أقيمت منشآتها الإدارية في منطقة «تامبا» بولاية فلوريدا الأمريكية على مسافة نحو 9 آلاف كيلومتر من الشرق الأوسط.

وكانت منطقة برنيس هى الموقع الأمثل لهذه القيادة، حيث إنها أقرب بقعة من خارج شبه الجزيرة العربية، إلى حقول النفط واحتياطياته الهائلة في الخليج.

وفي ذلك الحين.. كان الصراع على أشده بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من أفغانستان التي كانت مستنقع استنزاف للقوات السوفييتية إلى إيران التي تسلط عليها حكم الملالي المعادي للغرب في أعقاب ثورة 1978، إلى إثيوبيا التي كانت أهم مواقع النفوذ السوفييتي في القرن الأفريقي في عهد الديكتاتور منجستو هايلي ماريام.

وكان تقرير البنتاجون أن حصوله على رأس بناس لإقامة قاعدة عسكرية جوية/ بحرية كبرى، سوف يكسبه ميزات إستراتيجية هائلة في الحرب الباردة بينه وبين السوفييت.

فهذه القاعدة - إن أنشئت - ستكون رأس مثلث قاعدته ذات رأسين، أحدهما هو جزيرة «دييجو جارسيا» فى المحيط الهندي، والثاني هو قاعدة «إنجرليك» الأمريكية على الأرض التركية، ومن ثم سيكون بمقدور البنتاجون أن يوزع قطعه البحرية وقاذفاته بعيدة المدى، وفق أفضل توزيع استراتيجي في نصف دائرة تطل على منطقة الخليج.

 

< < <

 

ظلت رءوس المثلث، فكرة في خطط البنتاجون والقيادة المركزية الأمريكية، لم تجد طريقها إلى النور.

بقيت القاعدة العسكرية الأمريكية في دييجو جارسيا جنوب غرب المحيط الهندي، منطلقاً للقاذفات الأمريكية في عملية عاصفة الصحراء، عام 1991، وفي غزو العراق عام 2003.

وظلت المقاتلات والقاذفات والجنود الأمريكيون في قاعدة «إنجرليك» على الأرض التركية، عنوانا لسيادة منقوصة لنظام حكم يريد أن يتمدد على أراضي ومياه الغير.

بينما صارت منطقة برنيس موقعاً لأكبر قاعدة جوية/ بحرية في أفريقيا، لكنها قاعدة مصرية أرضاً وجنداً وقاذفات وقطعاً بحرية.

 

 

< < <

 

منذ 30 شهراً تحدث الرئيس السيسي عن إنشاء 3 قواعد بحرية جديدة منها اثنتان على البحر المتوسط هما «جرجوب» في أقصى غرب الساحل الشمالي المصري، وشرق بورسعيد غرب الساحل الشمالي لسيناء، والقاعدة الثالثة في برنيس على ساحل البحر الأحمر.

وكان ذلك أثناء افتتاحه قاعدة محمد نجيب العسكرية البرية التي تعد الأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ومنذ 10 أيام.. افتتح السيسي قاعدة برنيس الجوية/ البحرية، ويسير العمل على قدم وساق من أجل افتتاح قاعدتي «جرجوب» و«شرق بورسعيد» على ساحل البحر المتوسط.

إن اختيار مواقع تمركز التشكيلات التعبوية المصرية، والقواعد الجوية، وكذلك أماكن إنشاء القواعد البحرية الجديدة على ساحل البحر المتوسط أو ساحل البحر الأحمر، هو عملية تخضع لدراسات دقيقة تتعلق بالتنظيم الأمثل للقوات المسلحة، والأوضاع الأنسب للتشكيلات البرية والجوية والبحرية، تجاه مصادر المخاطر أو التهديدات المحتملة، بما يحقق الردع أو سرعة الاستجابة والانتقال والتعامل معها إذا لزم الأمر.

وبنظرة سريعة على خريطة تموضع التشكيلات التعبوية البرية على الأرض المصرية في الاتجاه الشمالي الشرقي، وفي الاتجاه الشمالي وفي الاتجاه الغربي وفي الاتجاه الجنوبي، وكذلك توزيع القواعد البحرية والجوية، وتمركز الأسطولين الشمالي والجنوبي بالبحرين المتوسط والأحمر ونوعيات وطرازات القاذفات والمقاتلات الجاهزة للانطلاق في القواعد الجوية، لابد أن نلمس أن القيادة العليا والقيادة العامة للجيش المصري، كانت لهما نظرة استباقية لسبل تأمين البلاد وثرواتها ومصالحها الحيوية داخل وخارج الجمهورية، تستشرف المخاطر والتهديدات والتحديات، وتضع لهما المزيج العسكري/ الاستراتيجي الكفيل بردع الخطر والتهديد والتغلب على التحديات.

 

< < <

 

لست ممن يهوون متابعة تصنيفات بعض المواقع العسكرية العالمية لجيوش الدول على حسب عدد الأفراد وعدد الطائرات والقطع البحرية، برغم أن مصر تقع في أغلب التصنيفات في المركز العاشر بين دول العالم وهو مرتبة رفيعة الشأن يجعل من مصر واحدة من القوى العالمية في المجال العسكري.

يقيني أن مصر في حقيقة الأمر تحتل مرتبة أرقى من المركز العاشر، ذلك أن تلك التصنيفات لا تراعي نوعيات طائرات أسلحة الجو، أو القطع البحرية، ولا تضع ضمن معاييرها الاستعداد القتالي للقوات وكفاءتها القتالية وجاهزيتها من حيث الروح المعنوية وخبراتها الحربية وتحالفاتها السياسية/ العسكرية وهذه الاعتبارات والمعايير أكثر أهمية من حسابات الكم، ولا شك أن حرب أكتوبر 1973، خير دليل على ما أقول.

وأعلم يقينا أن هدف القائد الأعلى، حينما كان قائداً عاماً للجيش المصري، أن يرتفع بقدراته التسليحية والقتالية وجاهزيته في زمن قياسي ليصبح القوة الخامسة بين أقوى جيوش العالم.

.. ليس من أجل الحرب، إنما من أجل الردع.    

قلت وأقول إن صلب فكرة الردع هو منع الحرب، فأنت لا تستطيع أن تجبر الآخرين ممن يرغبون في الاعتداء عليك أو المساس بأرضك أو مصالحك على التراجع عن نواياهم، إلا إذا كنت قوياً قادراً على إيذائهم بدرجة لا يستطيعون احتمالها.

الضعف يغرى الآخرين بالعدوان عليك، والقوة ذات القدرة على الردع تقيك من التعرض للعدوان وبالتالي تجنبك احتمالات الحرب.

 

< < <

 

في الثاني عشر من أغسطس عام 2012، تولى الفريق أول عبدالفتاح السيسي منصب القائد العام للقوات المسلحة في فترة عصيبة من تاريخ البلاد، وفترة حرجة تمر بها القوات المسلحة.

كانت مصر قد خرجت لتوها من أتون ثورة أحرقت أصابعها وأذابت مفاصلها، لتسقط كثمرة ناضجة بين يدي مرشد الإخوان وعصابته الذين قفزوا على ثورة 25 يناير وامتطوا صهوة جوادها الجامح.

وكان الجيش المصري يعاني.    

يعاني من آثار 20 شهراً أمضاها في الشوارع بالعاصمة والمحافظات، يحفظ الأمن ويردع جماعات السطو والتخريب.

ويعاني من خطط تحديث تأخرت، ومشروعات تطوير تأجلت، وبرامج تسليح لم يجرؤ أحد على التفكير فيها أو تبنيها!

كانت مهمة السيسي الأولى أن يضع القوات المسلحة في شرنقة شفافة، تقيها ڤيروسات السياسة وميكروبات التدخل، ولا تمنع عنها في نفس الوقت رؤية ما يجرى على أرض البلاد..!

وكانت مهمته الثانية هى إعادة الانضباط ورفع مستوى التدريب والاستعداد القتالي لتشكيلات القوات المسلحة.

كذلك تنفيذ برامج التسليح على ضوء الخبرات المكتسبة والتهديدات المحتملة.

أهم خبرة مكتسبة أن الارتكان على مصدر واحد للتسليح خطيئة في حق الجيش وفي حق البلاد.. وهو ما تأكد فيما بعد حينما قطعت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما عن مصر باقي صفقة المقاتلة «إف-16» والهليكوبتر «أباتشي»  عقاباً لشعب مصر على قيامه بثورة 30 يونيو التي أسقطت حكم الإخوان حلفاء أوباما..!

 

< < <

 

ودون دخول في تفاصيل خاصة ببرامج التسليح، نجد أن السيسي تعاقد مبكراً على الفرقاطة الفرنسية «فريم» وعلى تصنيع الفرقاطات الفرنسية طراز «جوويند»، وعلى شراء حاملتي الهليكوبتر طراز «ميسترال»، بعد أن استشرف التهديدات المحتملة على مصالح مصر في حقول الغاز بالبحر المتوسط والصراع المحتمل على تعيين الحدود البحرية بمنطقة شرق المتوسط، وكذلك التهديدات المحتملة على مضيق باب المندب ومنطقة الخليج والمصالح المصرية في القرن الأفريقي.

كما تم التعاقد على غواصات ألمانية طراز «209» وجرى تدشين اثنتين منها لتحقق للقوات البحرية المصرية قدرة الردع في أعماق البحرين المتوسط والأحمر وخارجهما.

وبالنسبة للقوات الجوية.. جرت عملية تحديث هائلة، شملت الحصول على 24 قاذفة متعددة المهام فرنسية طراز «رافال» طويلة المدى، تستطيع تأمين مصالح مصر العليا خارج أراضي البلاد غرباً وجنوباً وشرقاً حتى الخليج، والحصول على 49 مقاتلة روسية طراز «ميج-29» المعدل التي يمكنها التزود والتزويد بالوقود جوا، والحصول على 20 مقاتلة أمريكية متعددة المهام طراز «إف-16» تلوك 52 الحديثة.

وكذلك 49 هليكوبتر هجومية روسية طراز «كاموف».

وربما نرى في هذا العام وصول دفعات جديدة من مقاتلات نمتلكها، أو صفقات جديدة من طائرات فائقة التطور نمتلكها لأول مرة.

ولعل هذا التحديث الهائل الذي شهدته قواتنا الجوية، هو الذي يدفع بمسارات الأحداث في المنطقة وما يصحبها من تهديدات للمصالح المصرية، نحو التهدئة والحلحلة، في اتجاه يرتدع بالقوة المصرية ويراعي تلك المصالح.

ولا يقل ما شهدته القوات البرية من تطور عما جرى لسلاحي الجو والأسطول المصريين من تحديث شامل.

بينما يكفي أن نقول إن حائط الدفاع الجوي المصري صار جدرانا تحمي الاتجاهات الأربعة للأرض المصرية قادرة على بتر ذراع من يحاول الاقتراب من الأجواء المصرية.

 

< < <

 

ربما ندرك مما سبق لماذا تستهدف قواتنا المسلحة بحملات الكذب والتضليل والإساءة.

وربما ندرك من موقف الجيش المصري المساند للشعب في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، والحافظ للدولة المصرية وبقائها، سر رغبة قوى خارجية وأذنابها من أنصار جماعة الإخوان، في إقصاء الجيش المصري عن القيام برسالته في حماية الدستور والدولة المدنية.

لعلنا نذكر أنه في مثل هذه الأيام منذ تسع سنوات، كان البيان رقم (1) للقيادة العامة للقوات المسلحة الذي صدر في الأول من فبراير وأعلن تفهم الجيش لمطالب الشعب المشروعة وأنه لم ولن يطلق رصاصة واحدة على أبناء الشعب، هو الذي أعطى الأمان للمتظاهرين بأن الجيش لن يقمع التظاهرات.

ولعلنا لا ننسى أن تدخل الجيش ببيانه الثالث من يوليو عام 2013، لإنفاذ إرادة الشعب التي عبر عنها في ثورة 30 يونيو، هو الذي جنب البلاد مصير حرب أهلية محتومة، وأعاد الأمور إلى نصابها الذي ارتضاه الشعب.

من يريد أن يعرف سر هذا البلد عليه أن يقرأ تاريخ الجيش المصري وحاضره..!
 

 

 

 

 


 

 

 

 

ترشيحاتنا