بقلم/ د. طلال أبو غزالة
بعد أن خدمتُ على العديد من المجالس المعنية بوضع المعايير الدولية المهنية، أصبح لدى إيمان راسخ بأن إضفاء الطابع الاحترافى على أى عمل يحقق فائدة كبيرة. وكان هذا استنتاجى الأكيد طوال مدة عملى فى مهام خاصة لوضع معايير الأمم المتحدة كرئيس للجنة الأمم المتحدة لمعايير المحاسبة والإبلاغ، ورئاسة ميثاق الأمم المتحدة، ومجلس خبراء المنظمة العالمية للملكية الفكرية فى الأمم المتحدة، ومجلس خبراء منظمة التجارة العالمية، ومجالس معايير جودة التعليم، والعديد من مجالس المنظمات المهنية الدولية بما فيها الاتحاد الدولى للمحاسبين والهيئة الدولية لمعايير المحاسبة وكثير غير ذلك.
وأنا أرى أن وسائل التواصل الاجتماعى لا بد لها من أن تخضع لمستقبل احترافي، يجعل منها مهنة منضبطة ومنتظمة، ويكون سببًا فى بقاء الشركات المتداولة عبرها عاملة ومزدهرة، بدلًا من أن تسير دون ضوابط ودون حاكمية.
إن لوسائل التواصل الاجتماعى قدراتها وإمكاناتها التى ترتبط بالمعلوماتية، بل على الأصح بالناتج المالى لمعلوماتية هذه الوسائل. وهذا ما حوّل هذه المعلوماتية إلى أثمن الأصول على كوكب الأرض، وجعلها أكثر قيمة من النفط والغاز. وأصبحت قوة أعلى لا غلبة عليها.
أما اليوم فانه ليس هنالك نظام حوكمة عليها للمساءلة حول ما يتعلق بالقدرات الهائلة التى تملكها شركات وسائل التواصل الاجتماعى؛ أو وسائل الإعلام المختلفة الأخرى لانعدام الاحترافية فيها. أما فى ظل النظام الاحترافى فإنك إما أن تكون مجبرًا على الخضوع للمساءلة والالتزام بالمعايير، أو أن تُنبَذ خارج المجتمع.
وفى حين يدّعى البعض أن إخضاع التواصل التكنولوجى للاحترافية سوف يقتل الابتكار، إلا أن الحقيقة هى عكسُ ذلك. إن من المؤكد أن الاحترافية لن تقتل الابتكار؛ بل إن من شأنها تحفيز الابتكار. ان إضفاء الطابع الاحترافى على المجال التكنولوجى الاجتماعى شاملًا شركات التكنولوجيا سيكون نعمة للابتكار. وأنا على ثقة بأن أوضاعنا الحالية التى تعكس مأساة الرأى العام المُسيَّر سوف تتوجه إلى القيام بخطوات الابتكار الحقيقية المفيدة.
وهنا أرجو ألا تفهمونى خطأً: إن وسائل التواصل الاجتماعى هى فى الواقع أدوات رائعة، ولكن فقط عندما تكون فى الأيدى الأمينة، أعنى: أيدى العاقلين الذين يتمتعون بالمسئولية. إن ماهية وجدوى الاحترافية: إنشاء مهنة محترمة فعالة متنامية معترف بها.
إن ما يقلقنى حول مستقبل وسائل التواصل الاجتماعى أن تصميمَها لا يأخذ فى الاعتبار المعايير الإنسانية. وعليه، لا نجد اليوم أية قواعد أو قيم أو أخلاقيات ترسم مساراتها الاجتماعية. وأنا أنادى أنه قد آن الأوان لوضع حجر الأساس لمستقبل أكثر مسئولية وسلامة وإنتاجية وشمولية لوسائل التواصل الاجتماعى، وذلك من خلال المهنة التدريجية لها إلى أن تتحول فيها الموهبة إلى مهنة حقيقية، ذات معايير وقواعد عالمية حاسمة وقابلة للتنفيذ، بعيدًا عن استعمال وسائل التواصل الاجتماعى للإساءة للأشخاص والرموز دون وجه حق.
وهنا يأتى دور القيادات المجتمعيّة لحماية أنفسهم ومجتمعاتهم الخاصة، بل لحماية المجتمع الوطنى والعالمى ككل؛ لأن أى طريق يسلكونه سيؤثر على مجموعات كبيرة من الناس. ولنا القدوة فى الأطباء والمهندسين الذين ساعدوا فى قيادة التغيير عبر مساراتهم الشخصية لأنهم كانوا يعرفون أنه ليس عليهم حماية الأشخاص الذين يمرّون تحت مشرط الجرّاح أو فوق الجسر الذى بناه المهندس فحسب، بل أيضًا حماية الجراحين والمهندسين أنفسهم، من المساءلة المتزايدة لنجاحاتهم.
ولا يتطلب الأمر شجاعة أخلاقية كبيرة أو عبقرية مميزة ليدرك أن زيارة الطبيب فى عام 2019 تختلف عن زيارته فى عام 1875، ولا أحد يأخذ على محمل الجد من يشير إلى أن مجرد انتقالنا من ظروف 1870 يكفى لأن نكون راضين عن وضعنا الحالي، بل نحن بحاجة لبذل جهود هائلة لمعالجة التكنولوجيا من الداخل، كما هو الحال فى قطاع الرعاية الصحيّة على سبيل المثال، حتى بعد إخضاعه لقواعد المهنية.
ولكننا لا نستطيع حتى البدء فى مواجهة تلك المشاكل قبل أن نباشرها بالاحتراف. فلنهاجم التهديد الحقيقى بوضع حلول للمشاكل الحقيقية: الوضع القائم قبل الاحتراف، والمتاح للجميع، يجعل من المستحيل تقريبًا للإبداع الفعلى أن يزدهر. لذا ندعو للتوقف عن إبقاء الأمور على ما هى عليه والتوجّه للابتكار.
احفظوا كلماتى: الاحتراف سيأتى؛ فالمستخدِمون - وفى نهاية المطاف العاملون فى مجال التكنولوجيا أنفسهُم - سيطالبون بذلك. وكلما أسرعنا، توافرت لدينا خارطة طريق للخروج من الخندق الذى أقحم (وادى السليكون) نفسه فيه.
لدينا سوابق للاستفادة منها، وخبراء للتعلم منهم، بما فى ذلك مسيرة مهنة مهنة المحاسبة العامة. لنجعل هذا التحول مستمرًا. لقد حان الوقت لـ (وادى السليكون) أن يتمحور حول ما يصلح للبشرية.
أيها القادة والمنظمات وصنّاع وسائل التواصل الاجتماعى: يمكنكم أنتم أيضًا أن تصنعوا الفرق. وآمل أن تنضموا إلىّ فى هذا الجهد لنضمن معًا أن وسائل التواصل الاجتماعى تعمل من أجل الإنسانية، وليس ضدّها، من خلال الاشتراك فى www.PivotForHumanity.com (محور الإنسانية دوت كوم). وإذا كنتم ترغبون فى القيام بدور نشط فى هذا التحول الذى لا مفر منه، أرجو التواصل لنبحث معًا كيف يمكننا المساعدة.


..لا تكن أبدًا وحيدًا
سلوك المنتخب مشرف
ملعب الوزير





