حكايات| ليت العالم مثلك يا عبود.. إبداع فلسطيني «منزوع الأطراف»

 ليت العالم مثلك يا عبود.. إبداع فلسطيني «منزوع الأطراف»
ليت العالم مثلك يا عبود.. إبداع فلسطيني «منزوع الأطراف»

ما أخطأ من قال إن الأزمة تلد الهمة فمن رحم القهر والمحن يولد الإبداع.. ويل لمن مر يومه دون فائدة، فالحياة لا تعود للوراء أبدا، واليوم حين ينتهي من مسيرة الإنسان ينقص من عمره فإما يكون نقصان بفائدة أو هو والعدم سواء.


 
لم يعد غريبا أن رؤية ذوي همم، ممن فقدوا أحد حواسهم وقد لفت نبوغه الأنظار، فالعزيمة وحدها هي من تصنع الفارق بين الجميع، والإرادة القوية هي اللبنة الأساسية للتميز.

 

بوجه بشوش وضحكة كالشمس، يطل الطفل «عبود غيث»، صاحب الـ9 سنوات، ما إن تقع عينيك على جسده حتى تشعر بالأسف حياله، فأمام تلك الضحكة والإقبال على الحياة جسد بترت أطرافه نتيجة مرض لعين سكنه وأبى تركه وهو في سن صغيرة للغاية، لكن لا ينبغي الشعور بالشفقة تجاهه، فذاك الطفل الفلسطيني يمتلك من الأمل والذكاء ما يفوق به أطفال أصحاء كثر.

 

 

تتحدث والدة عبود بأريحية وإيمان شديدين وتحكي قصة ابنها من البداية وحتى الآن، تؤكد أن ما حدث لابنها ليس من فراغ، فهي وزوجها مؤمنين بأن كل شيء حكمة وسبب من الله ومن هذا المنطلق كان لابد أن يكون لهما دور أمام تلك الظروف.

 

كان لابد أن يصير عبود نموذجا للكثيرين من فاقدي الثقة بأنفسهم أو ممن يشتكون من ضغوط وأزمات الحياة، فإظهار «عبود» أمام الجميع رغم من إصابته بمشكلة جسدية هدفه التأكيد على أن ما حدث له أمر ثانوي، فالنقص الجسدي ليس نهاية الدنيا، وبإمكانه ممارسة حياته بصورة طبيعية؛ بل وصنع المستحيل أيضاً.

 

المرحلة الأصعب

 

تستطرد والدة عبود وتكمل: «أصيب ابني بالتهاب السحايا وهو بعمر الـ9 أشهر، تسبب المرض في مضاعفات خطيرة له، أصعب ما واجهناه كانت لحظة مصارحة الأطباء لنا بخطورة حالته وأنه لن يعيش طويلا، لكن الله وقف بجانبنا واستطعنا تجاوز تلك المرحلة الصعبة، وباستقرار حالته تعرضنا لصدمة أخرى حين صارحنا الأطباء بأنه سيتم بتر أطرافه».

 

 

«بالفعل تم ذلك جلسنا بعدها شهر ونصف نعمل على زراعة الجلد والتنظيف لكنهم اكتشفوا فيما بعد وجود بكتيريا بالعظام وأنه سيتم عمل بتر آخر فرفضنا، وصممت على عدم استكمال البتر، وبالفعل توصلت إحدى الطبيبات إلى إيجاد بدائل».

 

«واجهنا الكثير من الصعوبات فقد مر عبود بـ36 عملية خلال 5 أشهر، من عمر 9 أشهر وحتى عمر سنة وشهرين، كان يدخل لغرفة العمليات مرتين بالأسبوع».

 

وعن بداية مرضه، أضافت والدة عبود: «كنت بعيدة عن أسرتي حين كنت بألمانيا أدرس الماجستير وكان معي عبود أثناء أزمته المرضية تلك وكان ممنوعا من أكلات كثيرة على رأسها الحلويات والسناكس، مع ضرورة الالتزام بالطعام الصحي، كنت كثيرة الوسوسة فيما يخص أكله وصحته، أنا وزوجي متعلمين وعلى قدر عال من الوعي، وكنا مجبرين على التأقلم مع الوضع القائم الجديد، بوصول زوجي لألمانيا ومع تأكيدات الأطباء بأن عبود لن يعيش أكثر من ساعات».

 

 

وتواصل حديثها بمرارة: «كانت أولى كلمات زوجي بأننا لا زلنا شباب، وإذا أراد الله أن تنتهي حياة ابننا فسننجب غيره، كانت تلك محاولاته الدائمة لتهدئتي فهذه إرادة الله ولكن الحمد لله استطعنا أن نقوي أنفسنا وأن نتخطى تلك المرحلة الصعبة، وأراد الله لابننا بأن يعيش».

 

«أنت تريد والله يعطيك ما تحتاج فمهما ركضت ورا الشى وقتلت حالي عليه الله وحده العالم إذا كان في مصلحتي ولا لا، بزعل انه ليش ماخدت ها الشى لكن بعرف بعدين إنه الله إله حكمة، بيعطيني اللي بحتاجه مش اللي بدي إياه»... بلهجتها الفلسطينية تحدثت أم عبود بكل ثقة عن حكمتها.

 

كلمات بررت بها الأم الطموحة قناعتها الدائمة.. «الله لا يعاقب الأهل بأبنائهم، وتجربة ابني كانت اختبارا وابتلاءً كي نقرب منه أكثر، كنا نهتم بابننا كثيرا، صرنا بقناعة أنه ابننا نعمة كبيرة من الله مثلما كان نعمة حين كان سليم وبكامل صحته، أراد الله هذا الأمر كي يعطينا ثواب».

 

تأقلم عبود وتقبله لوضعه

 

فيما يخص عبود، نجحت أسرته في جعله يتأقلم مع وضعه ولا ينظر لنفسه كما لو كان به نقص، عبود الإنسان بقلبه وعقله وليس بأطرافه، هكذا كانت أمه دائما ترسم له جسم إنسان تشاور له على القلب والعقل تؤكد له بأنه عنده زيادة هنا وهنا ولكنه لديه نقص بالأطراف وهي بالجوانب أي اقل أهمية من القلب والعقل.

 

 

«من لا يعرف الحب يا عبود لا يستطيع فعل أي شيء».. هذا التعزيز كان يلعب دور كبير في إكسابه ثقة بالنفس لدرجة رفضه لاستعمال الأطراف الصناعية الموجودة ببيته، كذلك أشارت الأم إلى استعدادها التام لتبرير وضعه، ففي حال سألها عن وضعه تكون الإجابة «بأن الله أراد ذلك لأنه يحبك ويريدك في الجنة، كذلك أراد الله أن تحبك الناس».

 

تعليم وطموحات المستقبل

 

فيما يخص تعليمه، قالت والدة عبود: «بكل أسف لم تقبله المدارس الفلسطينية الخاصة فكانوا يرون فيه صاحب احتياجات خاصة ولا ينبغي تواجده وسط الأطفال العاديين، لكن مدرسة أخرى قبلته تتميز بالاختلاف والتنوع المذهبي فيها العرب واليهود وذوي البشرة السمراء والشقر.. إلخ، وما أدهشني حقا هو تقبل زملاؤه له بل تصارعهم لصداقته والجلوس بجانبه في الفصل الدراسي، مما عزز من ثقته بنفسه».

 

وعن المواقف التي تظهر ذكاء الصغير والتي أدهشت والدته، تروي الأم: «كنا في إحدى الصيدليات بالقدس وكانت تقف خلفنا طفلة إسرائيلية أخذت تحدق به متعجبة من شكله، فأحسست بغضبه وحين سألته ماذا بك سألني لماذا تنظر إلى هكذا؟ فجاوبته قل لها لا تنظري إلي فإنك تضايقيني».

 

 

«فوجئت حينها بقيام ابني بالرد على الفتاة بلغة عبرية سليمة رغم عدم استخدامنا لتلك اللغة في البيت بالطبع وكذلك قلة المدة التي تواجدها في مدرسته فقد كان عمره وقتها 3 سنوات ونصف فقط، وهو ما أدهشني حقا تمكنه من تلك اللغة واستجابة الفتاة وابتعادها عنه».

 

وعن طموحه تؤكد السيدة الصبورة «يود عبود تعليم اللغات للآخرين إضافة إلى درايته بالأمور التكنولوجية، ولهذا السبب قمنا بفتح معهد لغات، لكوني أتحدث 5 لغات وعبود كذلك يحب اللغات لذلك بالمستقبل أتوقع أن يكمل المسيرة، فهو يحب العربي والرياضيات والعلوم، ليس لديه أي مشكلة تجاه أي مواد، خطه جميل وسرعته بالكتابة تزيد بالوقت دون استخدام مساعدة».

 

حياته مع إخوته 

 

وعن إخوته والإنجاب مجددا، تقول والدة عبود: «كنت مترددة بشدة بشأن الإنجاب مرة أخرى، كنت أخاف على مشاعره فكيف سأشتري أحذية وبنطلونات لإخوته وهولا يستطيع ارتداءها، لكنني رأيت أنه لابد من إنجاب إخوة لعبود ليكونوا بجانبه ويساندوه فنحن لن نبقى له، أردت أن أكون نموذجا بأن صاحب الاحتياج الخاص لا ينبغي له الاختباء أو أن يخجل منه إخوته، أنجبنا ولد وبنت آخرين».

 

 

«بالفعل فأخيه الأوسط بحر مركز اهتمامه وحياته عبود لا يستطيع الخروج أو اللعب إلا معه، أقوم دائما بالتركيز على تخصيص مهام لكلا منهم فما يقوم به عبود لا يستطيع أحد غيره القيام به والعكس صحيح كي أشعرهم بأهمية أدوارهم تجاه بعضهم البعض، إضافة إلى قيامي بإشراكهم في مهام البيت، وما ألاحظه بأن عبود أكثرهم نشاطا وأقلهم كسلا، فنحن نكمل بعض ولا يستطيع أحد أن يقوم بشيء من دون الآخر». 

 

خطط المستقبل

 

نوهت الأم قائلة: «برنامج (مش مستحيل)، هو فكرة أعمل عليها ولكنني انتظر أن يكبر عبود كي يكون أكثر نضجا وتعاونا معي، وهدفها هو تشجيع الجميع على البدء من جديد، فعدم اجتياز الاختبارات ليس نهاية الدنيا والمرض ليس نهاية الدنيا، فبإمكان الإنسان بالإرادة والعزيمة اجتياز الصعاب».

 

 

«تجربة عبود جعلتني أشعر بالفخر وزادت ثقتي بنفسي، وافتخر به وبزوجي الذي وقف بجانبي دائما ودعمني».

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا