أكذوبة «الجمعة البيضاء»| خصومات وهمية.. والمواطن «ضحية»

أكذوبة «الجمعة البيضاء»
أكذوبة «الجمعة البيضاء»

- أصحاب المحلات : نقدم أفضل ما لدينا للمستهلك
- خبراء : التجار يتعاملون بـ «الفهلوة» ومطلوب توعية المواطن
- «حماية المستهلك» يحذر المشاركين فى عروض الـ « الوايت فراى داى»

«انتظروا عروض الجمعة البيضاء»..»خصومات تصل إلى 70 %».. «اشترى قطعتين والثالثة مجانا».. جمل تسويقية وعروض وإغراءات جميعها تهدف إلى جذب الزبون وتحقيق أعلى نسب مبيعات فى هذا اليوم،فما بين مستهلك يود الحصول على أفضل العروض وأكثر المنتجات عددا وجودة وبين أصحاب محلات كل ما يسعون إليه هو تحقيق أعلى نسبة بيع والحصول على أكبر ربح..فما بين عروض كبيرة وتخفيضات هائة لكافة المنتجات وبين غياب وعى المواطن يقع المستهلك فى فخ العروض الوهمية والخصومات الكاذبة ليجد أنه ضحية جشع بعض أصحاب المحلات وأنه نادرا ما يحصل المواطن على عرض جاد واستفادة حقيقية وسط الحرب الهائلة والمنافسة الشديدة بين أصحاب المحلات .

 

وعلى الرغم من أن موسم البلاك فراى داى يعد أمريكى الأصل والجنسية إلا أن المجتمع المصرى نجح فى تقليده وتمصيره بالطريقة التى تناسب مجتمعنا وظروفنا الاقتصادية ، ولكن هنا تكمن المشكلة حيث إن المستهلك المصرى يقع فريسة للطمع والجشع من جانب التجار الذين يستغلون الشعارات الوهمية للتخفيضات ولكنها واهية وليست حقيقية وهو ما يضطر الكثيرين للجوء إلى الأسواق الأجنبية.. «الأخبار» رصدت الظاهرة وناقشت المستهلكين وأصحاب المحلات والخبراء لمعرفة ردود الأفعال الخاصة بهذا اليوم.

 

وتعود تسمية الجمعة السوداء إلى القرن التاسع عشر، حيث ارتبط ذلك مع الأزمة المالية عام 1869 فى الولايات المتحدة والذى شكل ضربة كبرى للإقتصاد الأمريكي، حيث كسدت البضائع وتوقفت حركات البيع والشراء مما سبب كارثة اقتصادية فى أمريكا، تعافت منها عن طريق عدة إجراءات منها إجراء تخفيضات كبرى على السلع والمنتجات لبيعها بدلا من كسادها وتقليل الخسائر قدر المستطاع ومنذ ذلك اليوم أصبح تقليدا فى أمريكا أن تقوم أكبر المتاجر والمحال والوكالات بإجراء تخفيضات كبرى على منتجاتها تصل إلى 90% من قيمتها لتعاود بعد ذلك إلى سعرها الطبيعى بعد انقضاء الجمعة السوداء أو الشهر الخاص فى هذا اليوم.


اما وصف هذا اليوم باللون الأسود فهو ليس ناتجا عن الكراهية أو التشاؤم، وقد أعطيت هذه التسمية أول مرة فى عام 1960 من قبل شرطة مدينة فيلادلفيا التى أعطت هذا المسمى، حيث كانت تظهر اختناقات مرورية كبيرة وتجمهر وطوابير طويلة أمام المحلات خلال هذا اليوم المعروف بالتسوق فوصفت إدارة شرطة مدينة فيلادلفيا ذلك اليوم بالجمعة السوداء لوصف تلك الفوضى والازدحامات فى حركة المرور من مشاة وسيارات، يشاع أيضاً أن له مدلولا يدل فى التجارة والمُحاسبة، حيث يدل على الربح والتخلص من الموجود فى المستودعات، بينما يعبر اللون الأحمر عن الخسارة والعجز أو تكدس البضاعة وكساد العمل.


الجمعة البيضاء
وعلى الصعيد الآخر فإنه يطلق عليه فى مصر الجمعة البيضاء وقام التجار بتفعيلها على مدار كل جمعة من شهر نوفمبر وليست آخر جمعة فقط ، من أجل استمرار عملية رواج البيع ، بالإضافة إلى الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعى وعروض للتوصيل المجانى وتخفيضات كبيرة على مختلف المنتجات ، ولكن هناك بعض من التجار يقومون بعمل تخفيضات وهمية تحافظ على هامش الربح الخاص بهم ، وهو عكس ما يحدث بالخارج.


ولا تتوقف التخفيضات على المحلات والمولات التجارية فقط ، بل امتدت أيضا لتشمل المواقع التسويقية حيث إن المواقع الأمريكية تحديدا تقوم بنشر تخفيضات وهمية ولا تعد صفقات شرائية جيدة ، بالإضافة إلى تعرض البعض منهم لعمليات نصب لحصولهم على بضاعة مضروبة او ماركات وهمية ، مما خلق نوعا من تذبذب فى المصداقية وانصراف أعداد كبيرة منهم للتسوق على المواقع الأجنبية فى هذا الموسم.
ويقول أحمد هيثم عامل بأحد المحلات إن حركة البيع والشراء ضعيفة نسبيا طوال العام،و الاقبال لم يعد كما كان ولكن مع بداية فكرة تطبيق «الجمعة البيضاء «فى مصر منذ عدة سنوات أصبح الوضع مختلفا لنشهد المحلات التجارية بمختلف أنشطتها من أدوات تجميل،ملابس وأحذية وغيرها حركة رواج وشراء غير مسبوقة فى مثل هذا اليوم،فالمستهلك ينتظر العروض التى نقدمها لأنها تختلف عن أى عروض موسمية أو عن تخفيضات فترة «الأوكازيون».


ويضيف أن المكاسب التى نحققها فى الجمعة البيضاء تعوض خسارتنا وحركة الركود التى تشهدها الأسواق أغلب السنة فنحن ننتظر هذا اليوم أكثر من المستهلك نفسه.


وتؤكد بسنت نبيل عاملة بأحد المحلات أننا كطرفين بائع ومستهلك مستفيدان من هذه العروض فالمستهلك يحصل على ما يريده من تخفيضات وأكبر قدر من المنتجات بأرخص الأسعار ونحن نحقق مكاسب قدر ما يقدمه كل صاحب محل من عروض، ففى النهاية الاستفادة مشتركة، ونحاول خلال هذه العروض تقديم أفضل ما لدينا للمستهلك من جودة وسعر،خاصة أن المنافسة الآن لم تعد بين المحلات وبعضها البعض فقط بل أصبح الشراء «أون لاين « منافسا شرسا لنا وله زبونه الخاص ويعرض منتجات كثيرة مشابهة لما نقدمه.


ويقول منصور كمال عامل بأحد المحلات: نتمنى أن تصبح كل الأيام مثل «الجمعة البيضاء». فالإقبال على المحلات يكون كبيرا وأحيانا تنفد البضاعة على بعض السلع وإن كانت نسب البيع فيه فى السنوات الماضية ومع بداية معرفة المواطنين به فى مصر أفضل من السنة الماضية،مشيرا إلأى أن الأهم بالنسبة لنا هو الدعاية التى تتحقق خلال هذه العروض لأن اسم المحل يتردد من خلال العروض التى يقدمها وهى الفائدة الأولى والأهم بالنسبة لى.


ويؤكد أن التخفيضات تكون أعلى نسبة على الموديلات الأقدم بعض الشىء أما الموديلات الحديثة فنسب التخفيضات عليها تكون أقل بعض الشىء وذلك حفاظا على منتجاتنا.


عروض  مستمرة
وتضيف شروق محمد وتعمل بإحدى الصيدليات أننا بدأنا العروض من منتصف الشهر الحالى وستستمر عروض الجمعة البيضاء حتى آخر الشهر، وجميع المنتجات التجميلية والخاصة بالأطفال تشهد عروضا كبيرة تصل إلى أكثر من 70%.


وتشير إلى أننا نشترك كل عام فى الجمعة البيضاء لما تحققه من مكاسب كبيرة كما أنها تروج لبعض المنتجات التى يصعب بيعها فى الأيام العادية من خلال التخفيضات.


أما المواطنون فكان لهم رأى مختلف عن أصحاب المحلات،فالبعض يرى أن التخفيضات غير حقيقية ويؤكد آخرون أن التجار يخدعون المستهلك بأسعار مضاعفة ومنتجات جودتها رديئة،وأن العروض أصبحت عملية «نصب « ليس أكثر..فتقول رانيا هانى طالبة: عندما بدأ تطبيق فكرة «البلاك فراى داى «فى مصر كنا ننتظر العروض بفارغ الصبر وكان الجميع يتهافت عليها، أما الآن فأغلب العروض أصبحت «زائفة «وقد تعرضت لموقف شخصى فى عروض العام الماضى وقمت بشراء قطعتى ملابس فى التخفيضات لأكتشف بعد انتهاء العروض أننى تكلفت فى سعر القطعة أثناء العرض أكثر من سعرها بدون التخفيض!،وعندما لجأت إلى المحل لأسترد نقودى أبلغونى أن القطع كانت داخل العرض ومدة الاسترجاع خلال 3 ايام فقط.


وتضيف سارة سعيد: دائما ما أبحث عن أفضل العروض التي يقدمه كل محل ولكن مع الخداع الذي يلجأ له أصحاب المحلات من أجل جذب الزبون فقط، لن أكرر تجربة الشراء فى الجمعة البيضاء مرة أخرى فالأسعار التي يتم وضعها على أي منتج بعد التخفيض تكون رقما مبالغا فيه ليكون سعر المنتج الحقيقى هو ما بعد العرض،أى أنها عروض من أجل مصلحة ومكسب أصحاب المحلات فقط، وذلك يتكرر فى معظم المنتجات سواء ملابس أو حتى موبايلات وأجهزة كهربائية.


منتجات رديئة
ويؤكد أحمد فهمى ـ مهندس ـ أن أغلب المنتجات التى تكون نسب العروض عليها كبيرة إما موجودة فى مخازن المحلات ويتم عرضها على أنها جديدة ليكتشف المستهلك الخدعة التى تعرض لها بعد الشراء أو أن أصحاب المحلات يضاعفون المبلغ الموجود على المنتج لتحقيق مبلغ مضاعف.
ويؤكد أن على المستهلك أن يكون لديه الوعى الكافى حتى لايقع فريسة لأصحاب المحلات والعروض الوهمية وأن يتأكد من سعر المنتج قبل العروض وبعدها.

 

«منطق الفهلوة»

أكد خبراء الاقتصاد أنه ليس هناك أى وجه مقارنة بين عروض وتخفيضات «الجمعة السوداء « فى الخارج وبين كذبة «الجمعة البيضاء» فى مصر.


ويقول د. صلاح الدسوقي، خبير اقتصادى، أن هناك فرقا كبيرا بين الوضع التجارى فى الدول الأوروبية ومصر خاصة فى «البلاك فريداى» التى تكون فى شهر نوفمبر من كل عام، وذلك لأن فى الخارج يكون الهدف من التخفيضات عند نهاية الموسم هو الرغبة فى تصريف جميع السلع المتبقية بشكل كامل لتوفير نفقات التخزين والحفظ وتحسين الوضع المادى أكثر، ناهيك عن أن التجار فى الخارج على معرفة تامة أن تلك التخفيضات ستعود بالنفع والفائدة الكاملة عليه، وليس خسارة من الإيرادات بالنسبة له بل هو إضافة له لأن بمقابل هذا الخصم سيوفر مصروفات أخرى كالتخزين والأشياء المتراكمة التى من الممكن أن تنتهى صلاحيتها.


ويضيف الخبير الاقتصادى أن العكس تمامًا يحدث فى مصر حيث إن معظم التجار يستخدمون مبدأ الفهلوة ويستغلون ذلك الحدث من كل عام لأجل زيادة الأسعار وعمل تخفيضات وهمية، ولا يفكرون فى أن الخصومات ستفيدهم بل هم يريدون الاستفادة أكثر وأكثر، لذلك لا نجد تخفيضات حقيقية بل تكون وسيلة لجذب المستهلك والتغرير به، وعندما يحدث ذلك يجعل مثل هذه العروض تلقى عدم مصداقية لدى المستهلك وبالتالى الإقبال عليها يكون محدودا، على عكس بداية ظهور «الوايت فرايداي» فى مصر كان الإقبال كبيرًا ولكن بعد اكتشاف التخفيضات الوهمية مرة بعد أخرى بدأ الإقبال فى الانخفاض ويكتشف المستهلك التلاعب فى الأسعار.

 

ويؤكد الدسوقى أن التاجر يظن أنه يستفيد بشكل فورى ولكنه لا يعلم أنه لن يستفيد على المدى البعيد حيث إنه لن يستطيع الحفاظ على العميل بعد ذلك، علاوة على أن بعض المواقع الإلكترونية للبيع بدورها أيضًا تستغل تلك التخفيضات الوهمية وذلك يدل على وجود درجة كبيرة من الجشع المبالغ فيه من جانب التجار وعدم وجود ممارسة تجارية سليمة، لافتًا إلى أنه لابد من تدخل حكومى فى ضبط الأسواق والتخفيضات الوهمية وأن تخضع لرقابة حقيقية لأن التلاعب فى هذا الأمر يُعتبر غشا تجاريا الذى يعاقب عليه القانون ويجرم مثل تلك الممارسات.


ومن جانب آخر يوضح د. وائل النحاس، المحلل المالى والخبير الاقتصادى، أن كل عام فى نفس الوقت يكون هناك تخفيضات ولكن تكون وهمية، ولكن هذا العام يوجد حالة من الركود فى السوق لذلك أى فرصة ربحية لتحريك السوق سيستفيد بها سواء التاجر أو الموزع، وستصبح فرصة جيدة للتجار للتخلص من الركود وعمل تخفيضات حقيقية لبيع جميع البضائع المكدسة.

 

ويشير النحاس إلى أن هذا العام من المتوقع أن تكون هناك أسعار حقيقية وعدم وجود التمويه الذى يحدث كل عام للتخلص من أكبر كمية ممكنة من البضائع، لافتًا إلى ضرورة وجود رقابة على الأسواق فى تلك الفترة، إلى جانب رفع درجة وعى المواطن الذى من المفترض على علم بسعر السلعة الحقيقي.

 

«حماية المستهلك» يحذر

حذر جهاز حماية المستهلك جميع الشركات التى تعلن عن تخفيضات خلال ال « بلاك فراى داى» من عدم الالتزام بالضوابط القانونيه وسياسة الاستبدال والاسترجاع وأن تكون العروض حقيقية وبعيدا عن خداع المستهلكين، ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للمساءلة القانونية.


وأكد د.راضى عبد المعطى رئيس جهاز حمايه المستهلك أن هناك إجراءات استباقية ينفذها الجهاز لضمان عدم تعرض المواطنين للخداع والغش، حيث تم رصد الشركات التى أعلنت مشاركتها فى موسم التخفيضات وتم الاجتماع بها ضمن خطط الجهاز الاستباقية لضبط الأسواق والحفاظ على مصالح المستهلكين.


وشدد عبد المعطى خلال اجتماعه مع عدد من كبرى الشركات المشاركه فى عروض ال «بلاك فراى داى» أن الجهاز سيقوم بشن حملات مكثفة على الأسواق وبشكل مستمر للتأكد من التزام التجار بالإعلان عن تخفيضات حقيقية فى الأسعار والتصدى للإعلانات عن أى تخفيضات وهمية تؤدى إلى خداع المواطنين.


وأكد عبدالمعطى أن على الشركات ضرورة الالتزام بحقوق المستهلكين بشأن عمليات الشراء خلال فترة العروض وإعلام المستهلكين بكافة البيانات الخاصه بالمنتجات وإصدار الفواتير والابتعاد عن الإعلانات المضللة.
كما شدد رئيس الجهاز على ضرورة الابتعاد عن أى تخفيضات وهميه والتأكيد على إعلان التجار المشاركين بالتخفيضات عن السعر قبل العرض والسعر الحالى بشكل واضح لايحدث لبسا لدى المستهلك.
وعلى جانب آخر وجه رئيس الجهاز رسالة أخرى للتجار ومقدمى الخدمات بضرورة الالتزام بالضوابط المنصوص عليها بقانون حماية المستهلك رقم 181 لسنه 2018، وتقديم السلع والخدمات للمواطنين بجودة عالية ومنحهم فاتورة واضحة مدونا بها كافة بيانات السلعة باللغة العربية والامتناع عن أى ممارسات سلبيه تضر المستهلك.


وقال عبد المعطى إنه فى حالة عدم الالتزام بالقانون يحال المخالف إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها طبقاً لنص مواد قانون حماية المستهلك.


ويهيب رئيس جهاز حماية المستهلك، بجموع المستهلكين ضرورة التأكد من صحة وحقيقة العروض قبل الإقبال على الشراء، ولفت إلى أن الجهاز شكل غرفة عمليات لمتابعة الأسواق والعروض المعلن عنها للسلاسل التجارية والمحال والمواقع الإلكترونية، والتصدى للمخالفين من التجار المتلاعبين والعروض الوهمية المعلن عنها للمستهلكين بغرض تضليلهم.


وأوضح عبد المعطى أن طرق التواصل مع الجهاز متعددة سواء من خلال الخط الساخن19588، أو رقم الواتس آب (المواطن رقيب) 01281661880 وأيضاً من خلال الموقع الإلكترونى للجهاز WWW.CPA.GOV.EG أو على صفحته بالفيسبوك (الصفحة الرسمية لجهاز حماية المستهلك بمصر).

 

 

 

 

 


 

 

 

 

ترشيحاتنا