أخر الأخبار

يوميات الأخبار

قناة السويس وتمثال ديليسبس

محمد السيد عيد
محمد السيد عيد

محمد السيد عيد

لماذا لا يعبر المثال المصرى عن عظمة فلاح بلده هو الآخر بأن يضع قدمه فوق رأس ديليسبس؟ أليس من حقه أن يعبر بحرية؟.

فى السابع عشر من نوفمبر 2019 يحق لمصر أن تحتفل بمرور مائة وخمسين عامًا لافتتاح قناة السويس، فهذا الحدث العظيم لم يؤثر فى تاريخها فقط بل أثر أيضاً فى تاريخ العالم. ولاشك أن المصريين يعرفون الكثير عن قناة السويس، فالطلبة يدرسون قصتها فى المدارس ضمن مناهج التاريخ، لكن هناك جوانب أخرى للقصة، كتبت بعضها فى مسلسلى التليفزيونى «على مبارك»، وها نحن نقدم بعضها اليوم.
الافتتاح لن يتم
بعد تحديد موعد افتتاح القناة، والاستعدادات الجبارة التى قامت بها مصر، ووصول الضيوف فعلاً، انتشرت شائعة تقول إن القناة لن تفتتح، وإن بها مشاكل فنية خطيرة تمنع المرور فيها، أخطرها وجود حجارة تعوق السير فى المجرى. الغريب أن هذه الشائعة وصلت للضيوف قبل يوم واحد من الافتتاح. أحس الخديو إسماعيل بالقلق، وكذلك ديليسبس الذى صارت سمعته على المحك. اتفق إسماعيل مع ديليسبس على الدفع بسفينة فرنسية وأخرى مصرية للسير فى القناة للاطمئنان على عدم وجود مشاكل تعوق الملاحة.
خرجت السفينتان. سارتا فى القناة. بعد ثلاثين كيلومترًا من بورسعيد جنحت السفينة المصرية. دخلت مقدمتها فى الشاطئ، أما جسمها فقد انحرف ليسد القناة بالعرض ويمنع الملاحة فيها. أصيب الخديو إسماعيل وديليسبس بالهلع حين سمعا بما حدث. انتقلا فوراً لموقع الحدث. حاولا البحث عن حل فلم يستطيعا. قال ديليسبس: ليس أمامنا إلا أحد أمرين، إما أن نقوم بتعويم السفينة وإبعادها عن المجرى، أو ندفعها لتكون بمحاذاة الشاطئ. وسأله الخديوى: ماذا لو فشلتم فى تنفيذ هذين الحلين؟ صمت ديليسبس. واتخذ إسماعيل قراراً حاسماً، فلا شيء سيعوقه عن تنفيذ هدفه، والافتتاح الذى أنفق فى سبيله أكثر من مليون جنيه مصرى، لكى يقدم للعالم خلاله مصر الجديدة. قال لديليسبس: إذا لم ينجح الفنيون فى حل المشكلة وفتح المجرى فلتنسف السفينة. ولم يتمالك ديليسبس نفسه أمام قرار الخديوى، فاحتضنه وقبله.
ذهب الخديوى بنفسه إلى بورسعيد. جاء معه بألف رجل من رجال الأسطول المصرى، وضعهم تحت تصرف الفنيين. وأخيراً نجح الرجال فى تحريك السفينة الجانحة لتكون بمحاذاة الشاطئ. وأحس الخديوى وديليسبس بالراحة، وفى الموعد المحدد سارت السفن تحمل الضيوف، وحين وصلت السفن بجوار السفينة التى تسببت فى المشكلة قامت السفينة بإطلاق المدافع تحية للضيوف. وأعجبت فكرة إطلاق المدافع ضيوف مصر، فشكروا الخديوى على هذه اللفتة الجميلة، ولم يشعر أحد بما عاناه الرجل لإزاحة هذه السفينة من مجرى القناة حتى يتم الافتتاح فى موعده.
مشكلة الأوبرا
كان الخديوى يعرف شغف الأوروبيين بفن الأوبرا، لذلك قرر أن يقدم لهم عرضاً أوبرالياً بمناسبة الافتتاح، لتبدو مصر قطعة من أوروبا فعلاً، وفكر فى أن يكون هذا العمل الأوبرالى مستلهماً من التاريخ المصرى. ولأن مصر لا تملك داراً لعرض الأوبرا فقد أمر الخديو إسماعيل ببناء دار أوبرا فوراً لتكون جاهزة لتقديم العرض الأوبرالى وقت افتتاح القناة.
استدعى الخديوى المهندس الإيطالى بيترو أفوسكانى فى منتصف أبريل 1869، كلفه ببناء الأوبرا لتكون جاهزة قبل أول نوفمبر. كان الوقت ضيقاً جداً، لكن الخديوى إذا أمر فلابد من تنفيذ أمره. لجأ أفوسكانى لمهندس إيطالى آخر ليضع التصميم. حشد الصناع من أوروبا، وأشرف بنفسه على التنفيذ. وسافر مدير التياترات الخديوية، المسيو درانيت بك، إلى باريس وأقام هناك ليكون مسئولاً عن شراء كل مستلزمات بناء الأوبرا وشحنها لمصر. وتواصل العمل ليل نهار. كان الوقت صيفاً، ودرجة الحرارة مرتفعة، فتوفى خلال العمل أكثر من عشرة رجال، لكن العمل لم يتوقف. وصارت الأوبرا جاهزة لاستقبال العروض فى أول نوفمبر قبل افتتاح القناة بأسبوعين.
خلال البناء بدأ العمل فى إعداد العرض الأوبرالى المزمع تقديمه. وضع الأثرى الفرنسى مارييت الخطوط العامة للقصة، وأعطاها لصديق فرنسى متخصص فى كتابة الأوبرات، اسمه دى لوكل، لكتابتها، وطلب منه أن يفاوض فيردى لتلحينها. رفض فيردى فى البداية، لكنه وافق بعد أن قرأ القصة. عكف على كتابتها مع دى لوكل كلمة كلمة. ثم استعان بشاعر إيطالى لوضع الأشعار، واستغرق هذا كله فترة طويلة، ولم يوقع فيردى عقد التلحين إلا فى يوليو 1870، أى بعد افتتاح دار الأوبرا بثمانية شهور ونصف الشهر. ولم تقدم عايدة على أوبرا القاهرة إلا فى ديسمبر 1871. نتج عن هذا أنه عند افتتاح دار الأوبرا لم تكن لدى الخديوى أوبرا ليعرضها، وكان لابد من تصرف حاسم مهما كلف مصر، وبالفعل استضافت مصر عرضاً أوبرالياً آخر لا علاقة له بتاريخ مصر هو أوبرا ريجوليتو.
وهناك سؤال لم يسأله أحد من قبل، هو: لماذا اهتم إسماعيل بإنشاء أوبرا فى وقت لم يكن فيه أحد فى مصر، ولا فى الشرق كله، يفكر فى هذا الموضوع؟
السبب فى اعتقادى هو أن الخديو إسماعيل حين كان صغيراً أصيب برمد فى عينيه، فأرسله جده محمد على باشا إلى النمسا للعلاج، وبقى هناك لمدة عامين، والنمسا هى بلد الموسيقى، فتأثر بالمجتمع النمساوى العاشق للموسيقى، وبعد هاتين السنتين سافر إلى فرنسا ليلتحق ببعثة الأنجال التى أرسلها جده للدراسة فى المدرسة العسكرية المصرية بباريس. وفى فرنسا واصل اهتمامهً بالأوبرا، وعرف مكانة الأوبرا والموسيقى فى نظر الأوروبيين، لذلك فحين صعد للعرش فكر فوراً فى إنشاء دار أوبرا. وفى أن يكون هناك عمل أوبرالى عالمى مستلهم من التاريخ المصرى. وبعد ستة أعوام فقط من حكمه كان لدى مصر أول دار أوبرا فى الشرق.
رغبات الإمبراطورة
ومن الأشياء التى وضعت إسماعيل فى حرج أمام أوجينى، إمبراطورة فرنسا، أنه صحبها لزيارة الأهرامات، وأثناء الزيارة مرت عربتهما بحفل زفاف ريفى، فانبهرت أوجينى بما رأته، وطلبت منه أن تشاهد حفل زفاف مصريا. فكر الخديوى كيف يخرج من هذا المأزق، وأخيراً هداه تفكيره إلى حل. سيزوج أحد رجال الحرس بإحدى جوارى القصر، وسيتحمل التكاليف كاملة، المهم أن يخرج من هذا المأزق. وفى الليلة نفسها أقيم فى القصر حفل الزفاف على الطريقة المصرية، حتى تستمتع أوجينى بمشاهدة طقوس الزفاف فى مصر.
بعيداً عن المفاجآت
بعيداً عن المفاجآت والأزمات التى سبقت الافتتاح كان لهذا الحدث التاريخى نتائج مهمة، منها بناء القاهرة الإسماعيلية، التى نسميها قلب البلد الآن.
كانت القاهرة القديمة تعانى من مشاكل عديدة، فالبيوت فيها متلاصقة، والشوارع ضيقة، ولا تسمح بدخول الشمس والهواء، وتعانى من العشوائية، وكثرة الانحناءات، أما الحارات والعطف والدروب فأكثرها مسدودة، وتكاد الميادين أن تنعدم فيها، وكذلك الحدائق كادت أن تختفى منها، وتمت محاولات عديدة لتغيير هذا الوضع، قامت بها الحملة الفرنسية، ومحمد على، وابنه إبراهيم، لكن هذا كله كان ترقيعاً فى ثوب قديم، لهذا قرر إسماعيل بناء قاهرة جديدة. بدأ بشراء الأرض من أصحابها، ثم استعان بالمهندس الفرنسى الذى خطط باريس، واسمه هوسمان، وطلب إليه أن يخطط له قاهرة جديدة، فخططها له على غرار باريس. وقدم إسماعيل الأرض مجاناً لراغبى البناء بشرط واحد: أن يتم البناء على الطراز الأوروبى. ولم يغفل الرجل بناء أعظم القصور الملكية فى مدينته الجديدة ليكون مقراً للحكم، فبنى قصر عابدين. ثم جاء بالمهندس الذى خطط حدائق باريس ليخطط حدائق القاهرة، وتكاد تكون الحدائق الموجودة الآن فى القاهرة والجيزة هى الحدائق التى أنشأها إسماعيل، وإن كنا جرنا على بعضها، مثل حديقة الأزبكية، ولم ننشئ حدائق جديدة إلا فى أضيق الحدود. أما ميدان التحرير فقد كان مكانه مقابر، قام على مبارك باشا بنقلها خارج العمران، وأنشأ بدلاً منها هذا الميدان، وسماه ميدان الإسماعيلية، نسبة لسيده إسماعيل باشا.
إن الاحتفال بافتتاح القناة لم يكن كله شراً خالصاً، بل كانت فيه مزايا استفادت منها مصر أيضاً.
تمثال ديليسبس
فى بداية التسعينات استضافت بورسعيد مؤتمر أدباء مصر. كنت أمينه العام. وكنت المسئول عن إدارة الحوار فى الجلسة الافتتاحية. حضر المحافظ سامى خضير حفل الافتتاح، وبعد الكلمات بدأ الحوار. كان الموضوع الوحيد الذى ناقش فيه أدباء بورسعيد محافظهم هو: تمثال ديليسسبس. فما هى حكاية تمثال ديليسبس؟
وضع هذا التمثال وقت افتتاح القناة فى ملتقى البحرين الأحمر والمتوسط، وظل فى موقعه حتى عام 1956، عند وقوع الاعتداء الثلاثى على بورسعيد بعد قرار تأميم قناة السويس، وحينئذ صدرت تعليمات لرجال المقاومة بإزالة التمثال، فقام الرجال بوضع المتفجرات بجانب قاعدته، وسقط التمثال نتيجة التفجير، وانفصلت الرأس عن الجسد، وهو الآن موجود فى مخازن هيئة القناة. المهم أن اللواء سامى خضير، محافظ بورسعيد فى التسعينات كان واحداً ممن شاركوا فى عملية إسقاط التمثال عن قاعدته، لكنه حين صار محافظاً كان يرى إعادة التمثال لقاعدته لأن هناك ضغوطاً من جمعيات أصدقاء ديليسبس، وغيرها فى مصر وفرنسا. أما أدباء بورسعيد، ومعهم أدباء مصر فقد رأوا أن التمثال رمز لفترة استعمارية بغيضة، امتص فيها المغامرون والطامعون دماء المصريين ونهبوا خيرات البلاد.
المهم أن الدعوة لإعادة التمثال لا تتوقف منذ عشرات السنين، وهى تشتعل هذه الأيام مرة أخرى، ولى رأى فى هذا الموضوع، فأنا أرى أن نضع مكان تمثال ديليسبس تمثالاً للفلاح المصرى الذى حفر القناة، ومات من قسوة الظروف التى كان يعمل فيها، لكنى أرجو ألا يكون التمثال المقترح مجرد تمثال للفلاح المصرى، بل لابد أن يصور هذا التمثال الفلاح المصرى وهو يطأ بقدمه رأس ديليسبس، وأرجو ألا يعتبر القارئ العزيز هذا الرأى تطرفاً، بل هو رد على تمثال فرنسى لواحد من أعلام النحت الفرنسيين، يصور فيه شامبليون، الذى حل رموز اللغة الهيروغليفية، وهو يطأ بقدمه رأس فرعون. وفرعون هنا رمز للحضارة المصرية القديمة. إن هذا التمثال العنصرى الذى يفيض باحتقار المصريين وحضارتهم موجود حتى الآن فى الكوليج دى فرانس، وتمت مراسلات مع فرنسا لإزالته، لكنها ترى أن إزالة التمثال ضد حرية التعبير. فلماذا لا يعبر المثال المصرى عن عظمة فلاح بلده هو الآخر بأن يضع قدمه فوق رأس ديليسبس؟ أليس من حقه أن يعبر بحرية؟.