جرس «التزويغ» ضرب| المدرسون : ظاهرة غير أخلاقية.. أولياء الأمور: حالة من الرفض تجاه المدرسة

تجمعات الطلاب أمام المدارس في وقت الدراسة
تجمعات الطلاب أمام المدارس في وقت الدراسة

المدرس احد الركائز الأساسية فى العملية التعليمية، فهو أكثر من يتعامل مع الطلاب وينقل إليهم الرسالة العلمية، فكيف يرى المدرسون المشكلة وأسبابها؟، وما دور المدرسة والمعلم فى معالجتها؟..


يؤكد عبد الرحمن ماهر، مدرس بمدرسة طلائع جابر الأنصارى للغات، أن لكل ظاهرة أسبابها ونتائجها الخاصة، وهروب الطلاب من المدارس اصبحت مشكلة كبيرة منتشرة فى معظم المدارس الحكومية، وهى ظاهرة تهدد التعليم ويمكن أن تكون أحد الأسباب التى تؤدى لتراجع مستواه.. ويضيف: أن أسباب «التزويغ» عديدة، منها الأسلوب المتبع فى المدارس وسياستها، بالإضافة إلى القسوة وسوء معاملة بعض المعلمين للطلاب وأسلوب العنف المتبع فى التعليم فى كثير من المدارس والذى يؤدى إلى خلق حالة من الكراهية تجاه المدرس والعملية التعليمية بأكملها.. بالإضافة إلى المناهج نفسها والتى تحتاج إلى تغييرات كثيرة، وحتى طريقة التعليم نفسها حيث اعتماد الطالب على الحفظ والتلقين فقط دون اتباع أساليب التعليم المستخدمة فى الدول المتقدمة.

 


الدروس الخصوصية


ويشير ماهر إلى أن الدروس الخصوصية من أكبر الأسباب التى تؤدى إلى هروب الطلاب من المدارس، فشعور الطالب بأن المادة التعليمية المقدمة فى المدرسة ليست مهمة وأساسية وأن «السناتر» التى تقدم دروسا خصوصية ذات أهمية أكبر، يدفعه إلى «التزويغ» وعدم الاهتمام بالحضور من الأساس.. ناهيك عن ضعف اهتمام ولى الأمر بالمستوى التعليمى لنجله، وعدم علاج المشاكل التى يواجهها الطالب من إدارة المدرسة وقلة الأخصائيين الاجتماعيين فى المدارس وهى مشكلة كبيرة أيضاً.. ويشدد على أن هناك دورا كبيرا يقع على عاتق المدرسة والمعلم، فالكثير من المدارس لابد أن تغير سياسة التعامل مع المشاكل وطرق حلها، وتستمع لشكاوى الطلاب وتقوم بحلها حتى يثق الطالب بالمدرسة، بالإضاقة لقيام المدرس بالتقرب من التلاميذ ومساعدتهم سواء فى تخفيف صعوبة المناهج أو أى مشكلة أخرى، واتباع سياسة الترغيب بدلاً من الترهيب، وهى من الأمور المهمة التى ستؤثر نفسياً على الطلاب بشكل إيجابى تجاه المدرسة، وسيترتب عليه انخفاض معدلات «التزويغ».

 


مثيرة للشبهات


ويقول أنور جمال، مدرس، إنه يجب أن نعرف معنى «التزويغ» وهو خروج الطالب من المدرسة من دون إذن وبطريقة غير مشروعة كالقفز من فوق السور، أو التعذر بأعذار واهية للخروج من المدرسة والتخلص من التزامات اليوم الدراسي، و»التزويغ» يشير إلى عدم قدرة التلميذ على التكيف مع اليوم الدراسي، وهنا تكمن المشكلة لأن التلميذ الهارب يبحث عن مكان يضيع فيه الوقت الذى كان من المفترض أن يقضيه فى المدرسة، وهذه الأماكن غالباً ما تكون مثيرة للشبهات وتساعد على الانحراف مثل «السيبرات»، فيجد التلميذ نفسه وسط مجموعة من الأحداث قد تجعله خارجا عن القانون.. ويضيف : أن هناك تأثيرات سلبية كثيرة تقع على الطالب نتيجة الهروب من المدرسة مثل ضعف المستوى التعليمى للطلاب الهاربين نظرا لتغيبهم المستمر عن الحصص المدرسية، وامكانية تشجيعهم وحثهم لزملائهم من التلاميذ على التزويغ والانصراف نحو التسلية واللعب، وأيضاً احتمالية التغيير السلوكى والتربوى لهؤلاء الطلبة مما يترتب عليه ممارستهم لأساليب غير أخلاقية كجرائم السرقة والتحرش واحيانا القتل نتيجة المشاجرات.

 


المناخ الأسرى


ويتابع جمال : أن المناخ الأسرى يمكن أن يكون سبباً فى المشكلة بشكل غير مباشر، فعندما لا توفر الأسرة الجو المناسب للتركيز فى المذاكرة والتعلم، ينفر الطالب من مدرسته ولا يحب التواجد بها، وقد يلجأ الآباء للتشاجر أمام الأطفال، فيتأثر التلميذ بالسلب فى حياته التعليمية ويشعر بالفشل وبالتالى يحاول الهروب من المدرسة، فالمعلم لا يتحمل المسئولية وحده.
ويؤكد أن هناك حلولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع لمعالجة المشكلة، فعلى مستوى الأسرة يجب أن يكف أولياء الأمور عن استخدام المدرسة كوسيلة لتهديد الأبناء وإجبارهم على عمل ما يريدون، وينبغى أيضاً مساعدة الطفل على أن يكون له أصدقاء مقربون بالمدرسة، مما يجعله يحب المكان ويكون حريصا على التواجد به، وعلى صعيد المدرسة يجب أن يكون هناك عوامل جذب تجعل الطالب لا ينفر منها مثل الأنشطة الفنية، بالإضافة إلى توجيه المدرسين بأهمية توطيد العلاقة مع التلميذ وبذلك يكون قادرا على مساعدته وحل مشكلاته، ويحسن توجيهه حتى يحب المدرسة.


الأسرة هى حجر الأساس فى تحديد سلوك الطفل، وجانب كبير من المسئولية تقع على عاتق أولياء الأمور باعتبارهم ملزمين بمتابعة تصرفات ابنائهم ووضعهم على المسار الصحيح.. تواصلنا مع عدد من أولياء الأمور لمعرفة ردود الأفعال حول الأزمة، وكيفية التغلب عليها وترويضها..
توضح أمانى عبد الله، ربة منزل، أن هروب الطلاب من المدارس مشكلة قائمة منذ سنوات طويلة، وتحديداً بعد ظهور مصادر الإغواء مثل «السيبرات» وساحات الكرة التى تعمل بجوار المدارس.. وتضيف أن كره التلميذ للمدرسة يؤدى لهروب الطالب منها، خاصة ان معظم المدرسين يتعاملون بأسلوب عنيف مع الطلاب مما يزيد حالة الكراهية.


وتتابع : أن نجلها طالب فى المرحلة الإعدادية، ومنذ عام اكتشفت اعتياده على «التزويغ» من المدرسة، بعد أن شاهده أحد الجيران يلعب كرة القدم فى أوقات اليوم الدراسي، وعندما سألته عن سبب عدم الالتزام فى الحضور بالمدرسة، أجابها أن المدرسة لا توفر المقومات التى تؤهله للارتياح فيها، فأغلب الفصول الدراسية متكدسة بالطلاب، ناهيك عن المعاملة السيئة من بعض المدرسين، بالإضافة إلى عدم وجود الوسائل التعليمية التى تحفزه للتركيز فى الحصة.


وتضيف : أن الحل يكمن فى العمل على إعادة الثقة مجدداً بين الطالب والمدرسة، ووجود تشجيعات للالتزام بالحضور مع تحسين المعاملة مع التلاميذ.

 


العقاب المناسب


بينما ترى أسماء محمود، موظفة، أن غياب العقاب المناسب للتلميذ غير الملتزم يتسبب فى انتشار الظاهرة، خاصة أن هناك حالة من التسيب فى العديد من المدارس التى تكون بلا ضابط ولا رابط، وتشير إلى أن نجل شقيقتها فى احدى مدارس فيصل بمحافظة الجيزة، اعتاد على التزويغ من اليوم الدراسي، وعندما ذهبت الأسرة للاستفسار فى المدرسة ومعرفة الأسباب وجدت حالة من الفوضى وعدم الانضباط فى حضور الحصص من المدرسين أنفسهم، فكيف سيلتزم الطالب فى المدرسة؟.


وتتابع : أن هناك جزءا يقع على عاتق أولياء الأمور بالطبع، فمن الضرورى متابعة نشاط الابناء ووجود رقابة وعقاب عند ارتكاب الأخطاء حتى لا تتكرر، وفى المقابل يجب تشديد الرقابة أيضاً داخل المدرسة ومنع الطلاب من الهروب بمختلف الطرق سواء القفز من الأسوار أو الخروج من الأبواب مع وجود جزاء وتهديدات بالفصل فى حال تكرار «التزويغ».


وتضيف أن نجلها فى الصف الثانى الثانوى ولكنه لم يعتد الهروب من المدرسة، حيث تقوم باستمرار بمتابعة سلوكه حتى لا يتجه لطريق الانحراف فى ظل المستوى الاجتماعى المتدنى خاصة فى المدارس الحكومية، كما أن الاعتياد على التفوق والرغبة فى العلم يكون دافعا لانجذاب الطالب نحو مدرسته.


حالة كره


ويقول هانى عبد اللطيف، محام، إن ظاهرة الهروب من المدارس جديدة على المجتمع المصري، ففى الماضى كانت المدرسة بمثابة المنزل بالنسبة للتلميذ فيكون حريصا على الحضور والحفاظ على نظافتها وغيرها من الأمور الرائعة، ناهيك عن التقدير والاحترام للمدرس، أما فى الوقت الحالى فأصبح الطالب فى حالة كره تجاه المدرسة تدفعه للهروب منها فى ظل المغريات التى يقابلها خارج سور المدرسة مثل «البلايستيشن» أو المقاهى أو المواعيد العاطفية والتنزه وغيرها، فهناك حالة من الفوضى الأخلاقية.


ويضيف : أن من الأسباب أيضاً تراجع مستوى التعليم وضعف مستوى الطالب وخوفه من العقوبات المدرسية، خاصة أن هناك الكثير من المعلمين يقومون بتطبيق عقوبات قاسية، ومن الأسباب أيضاً عدم قدرة الطالب على استيعاب الدروس نتيجة الطرق العقيمة فى توصيل المعلومات مما قد يدفعه لكره المدرسة والنفور منها.


ويشدد عبد اللطيف على أنه من الضرورى القيام بحملات أمنية مكثفة فى المناطق المحيطة بالمدارس لإغلاق الكافيهات و«محلات البلايستيشن» المنتشرة بشدة وتعمل فى أوقات اليوم الدراسى مما يمثل عامل إلهاء وتدفعهم للهروب من المدارس، وأيضاً الرقابة على الكورنيش والسينمات التى تمتلئ بالطلاب فى الفترات الصباحية التى تبدأ من العاشرة صباحاً.

 


الكورنيش والسينمات.. أبرز المغريات

 

التنزه على الكورنيش ودخول السينمات من الطرق المفضلة للترفيه عند المصريين، ولكن الأمر غير المعتاد هو رؤية الطلاب اثناء اليوم الدراسى يتنزهون على الكورنيش ويدخلون العروض الصباحية للسينمات.. خلال جولتنا رصدنا تجمعات كثيرة للتلاميذ بالزى المدرسى فى كورنيش منطقة الساحل بمحافظة القاهرة، بالإضافة لتواجد ملحوظ للطلاب على كوبرى «تحيا مصر» فى مشاهد تؤكد تفاقم المشكلة وانتشارها بشكل كبير..شنطة مدرسية على الظهر، ملامح طفولية لمراهقين لم يبلغوا السن القانونية يطلق عليهم «الاندر ايدج»، ثنائيات تتجول على كورنيش النيل فى العاشرة صباحاً، بدون ضابط ولا رابط.


الفسحة بدرى


«الفسحة بدرى النهاردة»، عبارة ساخرة بدأ بها عبد الله، طالب فى الصف الأول الثانوي، حديثه، فيقول: إن الالتزام فى الحضور حتى آخر اليوم الدراسى غير ضروري، لأن معظم الحصص فى هذا اليوم تكون فارغة وبالتالى قرر الخروج والتجول على الكورنيش وسط المناخ الرائع والمناظر الجميلة للنيل.


ويشير إلى أنه يقوم أسبوعياً بالخروج مع بعض أصدقائه للمرح ولعب كرة القدم ثم الذهاب إلى منطقة وسط البلد، وتكون «الفسحة» فى وقت مبكر حتى يستطيعوا العودة وحضور الدروس الخصوصية التى تفيدهم أكثر من المدرسة، ويضيف أنه فى كثير من الأحيان يقوم بإبلاغ أسرته بخروجه برفقة أصدقائه وبالتالى فهو لا يرتكب خطأ.


يسير بعربة متنقلة يبيع الفطائر والحلوى على الكورنيش.. أغلب زبائنه منذ الصباح الباكر من التلاميذ، على الزناتي، بائع جائل يقول إنه يلاحظ يومياً تواجد الطلاب بالزى المدرسى يتنزهون على الكورنيش فى أوقات من المفترض أن يكونوا فى المدرسة، ويتابع أن التزويغ أصبح أسلوب حياة لدى الطلاب فى هذه الفترة، وذلك يرجع إلى أسباب كثيرة منها غياب دور الأسرة وعدم الانضباط فى المدرسة، كما أن التكنولوجيا الحديثة والإنترنت ساهم فى إلهاء الطلاب عن دروسهم ومدرستهم.


سوء التربية


ويضيف الزناتى قائلاً: أنه فى كثير من الأوقات يرى أطفالا بحقائب المدرسة ومن ضمنهم فتيات أيضاً يسيرون على الكورنيش من الساعة التاسعة صباحاً، ويتساءل حينها أين الأسرة ودور الأب فى الرقابة على أبنائه، فهناك بعض التصرفات الخارجة التى تحدث تكون بسبب سوء التربية فى المنزل من الأساس.


أثناء المرور فوق كوبرى المظلات رصدنا مجموعة صغيرة من الطلاب أسفل الكوبرى يلهون ويقذفون الأحجار الصغيرة فى ترعة الإسماعيلية معرضين حياتهم للخطر، أطفال فى المرحلة الإعدادية قرروا ترك المدرسة فى الصباح الباكر وبدلاً من الجلوس فى الفصول لتلقى العلم، اتجهوا للهو وتضييع الوقت، فما الذى دفعهم لذلك؟


يجيب أحدهم - رفض ذكر اسمه - وعلامات التوتر واضحة على ملامحه، أنه حرص على التواجد فى الحصص الأولى من اليوم الدراسي، ونظراً لعدم تواجد المدرس ألغيت الحصتان الأخيرتان، وبالتالى خرج برفقة اصدقائه مبكراً.. ويتابع أن غياب المدرسين فى كثير من الأحيان يدفع الطلاب «للتزويغ» أو لعب كرة القدم داخل ملعب المدرسة.


سن المراهقة


السينمات أيضاً تحتل مرتبة متقدمة فى أولويات الطلاب «المزوغين» ، فتلقى الحفلات الصباحية للسينمات تواجدا ملحوظا من الطلاب خاصة من هم فى سن المراهقة.. وفى جولاتنا رصدنا تجمعا لبعض التلاميذ بالحقائب المدرسية أمام احد السينمات بمنطقة وسط البلد لحضور فيلم فى العرض الصباحي، وهو ما يتعارض مع أوقات اليوم الدراسي.. ويقول محمد ياسر طالب فى الصف الثانى الإعدادي، انه ينشغل بالدروس حتى فى أيام الاجازات من المدرسة، ولذلك يحرص على الخروج برفقة زملائه فى آخر أيام الأسبوع نظراً لقلة عدد الحصص وغياب معظم الطلاب.. وعن أسباب انتشار «التزويغ»، يؤكد أن المدرسة تفتقر لعنصر الترفيه حتى فى الحصص المخصصة لذلك مثل التربية الفنية وحصة الألعاب التى تكون عبارة عن جولات للطلاب لتنظيف «حوش المدرسة».


 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا