اليوبيل الماسي لـ«أخبار اليوم»| صفية مصطفى أمين تتذكر في العيد الماسي

صفية مصطفى أمين
صفية مصطفى أمين

في العيد الماسى لأخبار اليوم.. تتزاحم الصور في خيالي وأكاد اسمع والدي مصطفى أمين وعمي علي أمين وهما يمتلئان فخرا وحماسا، وهما يتحدثان إلينا - صغار الأسرة - عن حلمهما الغالي الذى راودهما من مقتبل العمر، ثم أضحى احتمالا، حتى اصبح حقيقة لا خيالا.

جلساتنا مع والدي مصطفى أمين وعمي علي أمين كانت صحافة في صحافة، ونادرا ما كان يتخللها أحاديث شخصية أو مناقشات عائلية! فمصطفى وعلي أمين كانا صحفيين 24 ساعة في اليوم: يأكلان صحافة ويشربان صحافة ويحلمان صحافة!

من هنا جاء عشقهما لأخبار اليوم، وتعلقهما بكل طوبة وُضعت فيها. والغريب، أن هذا العشق لم يتأثر عندما أُممت ونُزعت ملكيتها.  استمر هذا الحب الجارف وظل ينمو دون توقف حتى إن والدى كان يطلق على أخبار اليوم «ابنتى الكبرى» التى تزوجت وخرجت من بيت أبيها ولكنه ظل يرعاها مدى حياته. لم يتأثر مصطفى وعلى أمين بكونهما لا يملكان الدار، كان كل همهما أن تستمر فى نجاحها وتقدمها، ولم يفكر واحد منهما  فى الانتقال إلى جريدة أخرى، إلا عندما  قرر الرئيس عبد الناصر نقلهما إلى دار الهلال، ولم يستمرا طويلا، رغم ما حققاه من نجاح، وعادا إلى بيتهما الأصلى في دار أخبار اليوم.

ولكى أكون أكثر وضوحا، يجب أن أقول اننا كأسرة تنتمى لهذين العظيمان، لم نستوعب هذا الحب الجارف الذى كانا يحملانه لأخبار اليوم، بل كنا احيانا نغير منه. فالأبناء لا يفهمون الآباء إلا عندما يصلون الى نفس العمر، ويصبحون قادرين على تقدير ظروف الآباء وتقبل اسباب  انشغالهم .

كان وجه مصطفى أمين يضئ وهو يحكى للأسرة عن  قصة صدور أخبار اليوم عام 1944. قال: أشعر كأنه أمس ومازالت أحداثه تدور أمامى مثل شريط السنيما. كانت اخبار اليوم حلمنا أنا وعلي منذ أوائل الثلاثينيات. مكثنا أكثر من عشر سنوات نفكر وندرس ونضع الأفكار. ثم  نعود ونشطب الأفكار التى وضعناها. لم يكن حلمنا فى ذلك الوقت أن نكون صاحبى جريدة.  كانت امنيتنا ان يصدر منها عدد واحد نقول فيه  كل ما حذفته الرقابة منذ عام 1939 حتى يوم صدور أخبار اليوم! وضعنا مشروع الجريدة وكتب علي أمين لصاحبيها محمد التابعى ومصطفى أمين. فشطبت  اسمى وكتبت اسم روزا اليوسف، ولكن التابعى لم يتوقع للجريدة النجاح. عرضنا المشروع على فكرى اباظة ولكنه كان يرى ان المصريين لا يصلحون لان يكونوا اصحاب صحف ولكن محررين فقط. عرضنا المشروع على جبرائيل تقلا صاحب جريدة الاهرام وتوقع ان يخسر المشروع. وبعد فشل كل تلك المحاولات قررنا ان نصدر الجريدة وحدنا  ونتحمل خسائرها. واكمل مصطفى امين: لم اعُد الليلة السابقة لصدور اخبار اليوم الى بيتى الا الساعة الخامسة صباحا. كنت اتنقل بين مطبعة الاهرام فى شارع مظلوم ومطبعة بولاق ومطبعة جريدة المصرى فى شارع ناظر الجيش ومطبعة مصر فى شارع دواووين. كنا نطبع فى اربع مطابع لان مطبعة واحدة لم تكن تستطيع طبع هذه الكمية الهائلة من العدد الاول. كنا نحمل صفحات الحديد من المطابع الى الاهرام حيث كانت تُكبس الصفحات. لم نكن نملك سيارة تحمل الصفحات ولا سعاة يساعدونا. كنا نجد شرفا ان نحمل بأيدينا حديد الحروف ونمشى فى شوارع القاهرة، وعندما رأيت اول نسخة من اخبار اليوم سعدت سعادة الاب الذى يستقبل ابنه البكر.ثم ذهبت مع اخى على امين الى منزلنا فى الروضة واستغرقنا فى نوم عميق.

وفى الساعة التاسعة صباحا ايقظنى عيد حلمى مدير الادارة وقال لى: مبروك!  لقد نفدت جميع نسخ العدد الاول خلال ثلاث ساعات. لم أصدق اننا وزعنا 110 آلاف نسخة، وهو اكبر عدد وزعته  جريدة اسبوعية او يومية فى تلك الايام. فقفزت من فراشى فورا ومررت بسيارتى على احياء القاهرة ولم اجد مع اى بائع نسخة واحدة من اخبار اليوم. شعرت بالخوف، وفكرت انه من المستحيل ان يستمر هذا النجاح فى العدد الثانى. 

بعد ان استهلكنا فى عدد واحد،الورق الذى اشتريناه لشهر كامل،بدأنا نبحث عن ورق لنطبع العدد الثانى واشترينا من السوق السوداء. ضاعفنا جهدنا، كنا نفطر ونتغدى ونتعشى فى مكاتبنا،واحيانا ننام ساعات قليلة على مكاتبنا. لم نشعر بالتعب وكان العمل الشاق ممتعا! خاصة بعد ان عرفنا ان اخبار اليوم اصبحت اوسع الصحف انتشارا فى العالم العربى. ورغم النجاح الهائل   للعدد الاول، الا انه لم  يعجبنا، اكتشفنا اخطاء فى التوضيب واغلاطا مطبعية واستعدينا للعدد الثانى بنفس الجهد والحماس الذى بذلناه فى العدد الاول. ومكثنا سنوات طويلة نصدر كل عدد وكأنه العدد الاول، وكنا نشعر اننا ندخل كل اسبوع امتحانا، قد ننجح فيه او  نسقط !

لم تكن الرحلة نزهة عشنا أنا وعلى أمين  عمرا من العواصف والاعاصير فى اخبار اليوم. كانت القنابل تُلقى عليها والمظاهرات تهاجمها. تعرضت لمحاولات لحرقها ومصادرات مستمرة وتحقيقات لم تنته ومحاكم جنايات وسجون! ورغم هذه الحياة الشاقة كانت ممتعة جدا ومليئة بالتحدى. كنا نتصور  ان كل عدد  يصدرمن الجريدة هو العدد الاخير.  قد تصادر، وقد تغلق، وقد نقتل امام الدار. ورغم كل هذا القلق استطعنا ان نحقق  احلامنا وهى ان نصدر فى مصر جريدة عالمية تدافع عن الحرية فى كل مكان، وتقف مع الضعيف ضد القوى ومع المظلوم ضد الظالم.
 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا