حكايات | «شانتي» الهندية.. عائدة من العالم الآخر

شانتي
شانتي

منذ ذلك اليوم أدرك والدا شانتي بأن ما تقوله ابنتهما هو أكثر من مجرد قصص أطفال خيالية وقبل أن يغادر “كيدرناث“ منزلها كان على يقين بأن روح زوجته الميتة حلت فعلا في جسد "شانتي"؛ حيث كانت تخبر أمها عما كانت تملكه في حياتها السابقة من ثياب.

 

جلست الطفلة ذات الأربع سنوات لتتناول العشاء تتأمل الصحن الذي أمامها لدقائق دون أن تنطق أي كلمة، وسط استغراب الأب الذي بادرها الكلام وسألها عما إذا كانت لا يعجبها الطعام، لترد أنها كانت تضع أنواعاً أخرى من التوابل للطعام لزوجها وأطفالها كما أنها كانت تعده بطريقة مختلفة عن تلك الطريقة، نظر الأب لأبنته التي لم تكمل عامها الرابع في استغراب موجهاً كلامه هذه المرة لزوجته سائلاً عما تقوله شانتي، لحظات من الصمت تعم المكان، تتلكأ الأم في ردها لتؤكد للأب أن  الخيالات والهلوسة أمر عادي لدى جميع الأطفال في هذا السن.

 

كانت "شانتي" تخبر أمها عما كانت تملكه في حياتها السابقة من ثياب، و تسهب في الحديث عن عائلتها السابقة مؤكدة أن زوجها يعيش في “موترا” إحدى مدن الهند وأنه يملك محلا لبيع الملابس بالقرب من احد المعابد الهندوسية.

 

 كانت "شانتي" تصف زوجها بانديت كيدرناث فقد كان وسيماً يضع نظارة طبية على عينيه ويمتلك متجرا صغيرا لبيع الملابس ويعيش في مدينة موترا وقد تزوجته في عمر العاشرة.

 

كانت أحاديث شانتي ديفي تبث الهلع في قلب والديها، خصوصا عندما كانت تتحدث عن موتها .. نعم موتها … فقد كانت عيونها تدمع وهي تقص قصتها، وتسهب في وصف تلك  الحجرة الصغيرة البيضاء وعن بكاء رضيعها الذي ولدته تواً ، ثم فارقت الحياة.

 

أول القصيدة رعب


 رغم انتظار والدي “شانتي” كلام ابنتهما بفارغ الصبر إلا أن كلام الطفلة أدخل الرعب إلي قلوبهم وقلوب كل من سمع قصتها، فما قالته الطفلة لوالديها بعد أن انطلق لسانها كان عجيبا،  أخبرتهم بأن اسمها” لوغدي” وأنها متزوجة ولها أطفال!!. 

 

 

ظن والديها في البداية أن ما تقوله” شانتي” ما هو إلا دعابات أطفال، فمعظم من في سن ابنتهم عادة ما يتحدثون إلى أنفسهم بصوت عال عن الخيالات التي تدور في عقولهم الصغيرة، أو أنهم يتقمصون شخصيات أثناء لهوهم ثم يتركون هذه العادة تدريجيا كلما تقدمت بهم السن، إلا أن إصرار “شانتي“ على أنها أم ولديها أطفال يزيد مخاوف الأبوين.

 

اصطحب الوالدين ابنتهما الصغيرة إلي أحد الأطباء وأخبروه بما تقوله، إلا أن  الطبيب هدأ من روعهما وبدد من مخاوفهما واخبرهما بأن الخيالات والهلوسة أمر عادي لدى جميع الأطفال، وأخذ الطبيب يتحدث إلي “شانتي“ التي كانت تتحدث بكل ثقة عن أمور يستحيل لطفلة في عمرها أن تدركها، لتكرر على مسامع الطبيب قصة زواجها وموتها بسبب عملية قيصرية أثناء ولادة أبنها، كان الذهول مخيما على وجه الطبيب، الذي هز رأسه ثم اخبر والديها بأنه لا يجد أي تفسير علمي لما تقوله ابنتهما.. فكيف يمكن لطفلة في سن شانتي التي كانت تبلغ ست سنوات وقتها أن تتحدث عن تفاصيل ولادة وعملية قيصرية وموت!؟.

 

كانت “شانتي ديفي” تلح على والديها للذهاب إلى منزلها السابق بمدينة موترا إلا أن طلبها كان دائما ما يقابل بالرفض، حتى بلغت شانتي التاسعة من العمر وأثناء زيارة ”بيشانجاند“ أحد أقارب العائلة والذي كان يعمل معلما استمع إلى أحاديث “شانتي” عن حياتها السابقة ليسألها عن أسم زوجها وعنوانه ثم ربت “بيشانجاند“ على رأس “ شانتي” واخبرها بأنه سيصطحبها إلى موترا لرؤية زوجها، وبالطبع لم يكن الرجل جادا في كلامه لكن الفضول دفعه إلى أن كتابة رسالة إلى زوجها المزعوم في موترا وشرح فيها كل ما قالته “شانتي“ طالبا منه القدوم إلى دلهي للتحقق من ادعاءاتها.

 

الرد الصادم


لم يكن “بيشانجاند“ يتوقع أن يصله رد لكنه تفاجأ ببرقية من مدينة موترا من زوج “شانتي “ مؤكداً صحة  كل ما جاء في رسالته السابقة حول حياة شانتي السابقة، وأن أحد أقاربه في دلهي سيزور عائلة الفتاة لرؤيتها والتأكد مما تقوله، أصيب “بيشانجاند“ وعائلة “شانتي “صدمة كبيرة بعد استلام البرقية، وبدأ الجميع ينظرون إلى الفتاة كمعجزة حقيقية.


 
أيام قليلة حتى طرق باب “ شانتي”  رجلاً غريباً تعرفت عليه “ شانتي” على الفور وقالت انه ابن عم زوجها، وسط ذهول الجميع، وطلب الرجل من “ شانتي “ أن تخبره بالمزيد من الدلائل للتأكد من  صحة مزاعمها، لم تتردد “شانتي”  لتخبره بالتفصيل عن شكل منزلها السابق في موترا وعن أوصاف زوجها وعمله و أسماء أبناءه وأقاربه وأصدقاءه.

 

لحظات من الصمت الرهيب يخيم على منزل “ شانتي”  فجميع ما ذكرته شانتي كان مطابقا للحقيقة، لقد اقتنع الجميع بقصتها وتأكد له بأنها تجلي حقيقي لروح لوغدي التي توفيت منذ عشرة أعوام.

 

غادر الرجل منزل “شانتي ديفي“ عائداً إلي موترا وتوجه على الفور إلي منزل كيدرناث ليخبره بضرورة زيارة دلهي ليتأكد بنفسه من صدق الرواية.

 


 

رحلة اليقين .. والعتاب

 

بصحبة ابنه نافنيت وزوجته الثانية غادر “ بانديت كيدرناث” موترا متوجهاً إلي  دلهي وتوجه مباشرة من محطة القطار إلى منزل عائلة شانتي، لازال الشك يراود الرجل رغم ما أكده له ابن عمه حول مزاعم الفتاة.

 

 أراد “ كيدرناث “ أن يمتحن “ شانتي”  بنفسه فزعم عند وصوله إلى منزلها بأنه ليس كيدرناث بل شقيقه، لكن شانتي انحنت له كما تفعل الزوجات الهنديات مع أزواجهن وسط تعجب الأب، لتبتسم الفتاة وأخبرت أباها بأن الرجل الواقف أمامه هو زوجها “كيدرناث “وليس شقيق زوجها.

 

نظرت “ شانتي”  إلى ابن “كيدرناث “ فترقرقت الدموع في مقلتيها وارتمت عليه تحتضنه وتقبله وسط دهشة والحضور، أخذت شانتي تناديه "ولدي" رغم أنها اصغر منه سنا!! … هرولت “ شانتي” إلى غرفتها وأحضرت ألعابها لتضعها أمامه أبنها تطلب منه بأن يأخذها لأنها لا تملك شيئا أخر لتمنحه له.

 

نظرت” شانتي” إلى زوجه “كيدرناث” الجديدة موجهة كلامها لزوجها: “لقد وعدتني  بأن لا تتزوج بعد موتي“ فأطرق رأس الرجل  خجلا،  ثم طلبت شانتي من أمها بأن تعد طعاما للضيوف وحين سألتها أمها ماذا تعد لهم أخبرتها بأن كيدرناث يحب البطاطا المهروسة وسط تأييد الرجل كلامها بتعجب.

 

وقبل أن يغادر “كيدرناث“ منزل “ شانتي”  كان على يقين بأن روح زوجته الميتة لوغدي قد حلت فعلا في جسد” شانتي ديفي” ، تعلقت شانتي بيد “كيدرناث” وتوسلت إلى والدها بان يدعها تذهب معه لكنه رفض.

 

رحلة العودة إلى منزل الزوجية


آمن المهاتما غاندي بقصة شانتي ديفي وقام بتشكيل لجنة من 15 رجلا بينهم برلمانيون وقادة أحزاب لدراسة قصة الفتاة وتفصيل وقائعها، التقت اللجنة بالفتاة واستمعت إليها طلبت من عائلتها السماح اصطحابها  إلى مدينة موترا للتأكد من مزاعم الفتاة.

 

وصلت “ شانتي “ إلي موترا في حالة سعادة غامرة، و أخضعها أعضاء اللجنة  لأول اختبار عندما طلبوا منها اصطحابهم  إلى منزل زوجها ، لم تتردد الفتاة وسارت بصورة مباشرة وواثقة وسط الحشود التي اكتظت بها الشوارع، كانت الفتاة تخبر أفراد اللجنة من حين لأخر عن بعض التغييرات  التي طرأت على المدينة منذ أن رأتها أخر مرة قبل موتها  أثناء طريقها  إلى منزل “كيدرناث”.

 

 توقفت “شانتي”  فجأة وانحنت باحترام لرجل من بين الحشود وحين سألها أحد أعضاء اللجنة عن هوية الرجل أخبرته بأنه شقيق زوجها الأكبر وسط ذهول الحاضرين، ثم ما لبثت أن انحنت مرة أخرى لرجل عجوز وقالت بأنه والد زوجها،  كما تعرفت أثناء مسيرها إلى منزل كيدرناث على الكثير من الأشخاص الذين كانت تعرفهم وذكرت أسماءهم.

 

وصلت شانتي إلي المنزل و اجتازت الباب ودخلت بكل ثقة ،  أرادت زوجة كيدرناث الجديدة امتحانها فسألتها عن مكان غرفة الضيوف في المنزل فأشارت شانتي إلى المكان بدقة، بل وأشارت إلي المكان الذي كانت تنام فيه قبل موتها.

 

قابلت “شانتي”  بين الحشود عددا من صديقاتها السابقات فحيتهن وذكرتهن ببعض الأمور التي جرت لها معهن ليصدقن على كلامها.

 

الوداع 


أمضت شانتي ديفي  أياماً في “موترا” قبل أن عودتها إلى منزلها في دلهي، كان الوادع مؤثرا، أصدرت اللجنة التي شكلها غاندي تقريرا بتفاصيل الرحلة ، وهو التقرير الذي  نشرته جميع الصحف الهندية  مسلطة  الضوء على قصة الفتاة.

 قصة شانتي أتخذها مؤيدو نظرية تناسخ الأرواح دليلاً قوياً على صحة اعتقادهم  فيما زعم المشككون  بأن القصة بأسرها مختلقة، بل وذهب بعضهم إلى ابعد من ذلك بالادعاء بأن شانتي ديفي هي شخصية خيالية لا وجود لها .

 

رغم اختلاف الآراء حول حقيقة قصة “ شانتي ديفي “ إلا أن عددا كبيراً من الباحثين والصحفيين قاموا  بإجراء لقاءات صحفية معها في ثمانينات العقد الماضي ، بل إن احد الباحثين قام بتنويمها مغناطيسياً لاستدراجها وإثبات كذبها إلا أنه لم يستطع يثبت إلا صدق روايتها.

 

أحد الكتاب من الجنسية السويدية كان يصر على أن القصة بكاملها ملفقة، فسافر إلى الهند والتقى بشانتي ديفي  لكشف زيف قصتها، لكن اللقاء غير حياة الرجل كليا لأنه خرج منه وهو من اشد المؤمنين بواقعية قصة شانتي، بل وقام بتأليف كتاب حول قصتها.

 

ربما يكون أكثر ما يميز قصة شانتي ديفي عن غيرها  هو دقة تفاصيلها، فهناك العديد من حول العالم يزعمون بأنهم يتذكرون بعض الأشياء عن حياتهم السابقة، لكن تلك الأشياء لا تتعدى في اغلب الأحيان مجرد أحلام أو تجليات خاطفة وأطياف مشوشة غير واضحة.

 

 

 

 

 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا