حكايات| حملات التشويه والكراهية ضد «البطاطس» في فرنسا.. تصيب بالجذام والطاعون

اعتقد المواطنون في فرنسا أن البطاطس تسبب الجذام والطاعون
اعتقد المواطنون في فرنسا أن البطاطس تسبب الجذام والطاعون

الجالس في أحد مطاعم الوجبات السريعة، في انتظار عبوة البطاطس المقلية الطازجة ستصدمه السطور التالية، فإنه وبالتأكيد سيرفض العيش في فرنسا وقت أن حرمت تناول وجبته المفضلة.
البطاطس الغنية بفيتامين B  مع الأحماض الدهنية كأوميجا 3 وبعض العناصر الغذائية الهامة التي تساعد على تحسين وظائف المخ والخلايا العصبية، كما تساعد على التخلص من الأرق والقلق والإجهاد والاكتئاب....وماذا أيضا؟، ربما ذلك هو الوصف الدقيق لفوائد البطاطس، لكن وبالرغم من كونها مفيدة، لذيذة المذاق، يجمع على حبها الكثيرون إلا أن أوروبا في الماضي كان لها رأي آخر.

في القرن السادس عشر، غزا الأسبان إمبراطورية الإنكا بأمريكا الجنوبية، ومن ثم عادوا إلى أوروبا بنوع جديد من الخضروات وهي البطاطس، على عكس المتوقع تخوف الأوربيون من هذه الثمرة الغريبة عليهم بدلا من أن تثير فضولهم، قوبلت البطاطس بالذعر ورفض تذوقها.

لكن الإسبان بدأوا تناولها أولاً ثم الإنجليز، وخلال فترة قصيرة أصبح معظم سكان قارة أوروبا يتناولونها خاصةً خلال فترات المجاعة، لكن الأمور كانت مختلفة وأكثر قسوة بالنسبة للبطاطس في فرنسا.

لم يتم تبني هذا المنتج الجديد بسهولة في فرنسا، فقد كان المزارعون في فرنسا بصفة عامة غير موثوق بهم، لذا اعتبرت البطاطس غريبة، ووصل الحد لرفضها إلى إطلاق الشائعات ككونها مسببة للجذام والطاعون والعديد من الأمراض الرهيبة.

ظلت حملات الكراهية تجاه البطاطس تتزايد، ورغم توافرها بكثرة وبصورة شبه مجانية إلا أن الفقراء والمعدمين كانوا يخشون الاقتراب منها وظلت لا تُعطى إلا لحيوانات المزارع.

لم تقف حالة «الفوبيا» من البطاطس عند حد المزارعين والشعب فقط، بل وصل الأمر إلى الحكومة الفرنسية التي أعربت عن قلقها المتزايد بشأن الآثار السيئة للبطاطس لدرجة أن إنتاجها واستهلاكها قد تم حظره في نهاية المطاف من قبل البرلمان الفرنسي عام 1748.  

ظلت البطاطس تلاقي معاملة «غير قانونية» سواء للزراعة أو الاستهلاك في فرنسا لسنوات عديدة حتى تم القبض على ضابط طبيب في الجيش يدعى أنطوان أوجست بارمنتييه خلال حرب الـ7 سنوات مع إنجلترا في عام 1771، وهو الشخص الذي ثار مدافعا عن البطاطس وهادما لكافة الأفكار المغلوطة بشأنها.

أُسر أوجست بارمنتييه خلال الحرب في بروسيا، والتي كانت تعتمد في نظامها الغذائي على البطاطس وكانت تقدم له ولزملائه بصفة يومية، وهو الأمر الذي أثار تعجبه فالبطاطس ليست فحسب مذاقها جيد بل إنها لم تصبه لا بالجذام ولا بالطاعون ولا بأية مرض خطير كما كان يزعم الجميع، وكما صدقت الحكومة وأوقفت زراعتها وأكلها.

حين عاد بارمنتييه إلى بلاده، وصار المدافع الأوحد عن النبات الجديد، واستعد لبداية فصل جديد من المفاوضات لإقناع الجميع بأن البطاطس بريئة من كافة الاتهامات الموجهة لها وعن تجربته الشخصية، أصبح يواجه من يدعون بأن البطاطس ليست ضارة بصحة الإنسان فقط بل ضارة أيضا بالزراعة فهي مسؤولة عن سحب الخصائص الغذائية المفيدة للتربة الزراعية.

بعد مجهودات ومحاولات مضنية، سمح الملك لويس لبارمنتييه بزرع حقل من البطاطس في مكان ليس بعيداً عن العاصمة باريس، كان يقوم بجلب جنود ليحمون الحقل المزروع لكنه كان يمنحهم قسطا من الراحة ليلا رغبة منه في تشجيع السكان الفقراء منهم في سرقة كميات من البطاطس، وأكلها وهو الأمر الذي سعى من خلاله في زيادة شعبية هذا النبات وهو ما تم بالفعل.

استمرت شعبية البطاطس في الازدياد بين كافة الطبقات الاجتماعية، فلم تعد نبات الفقراء فقط بل صارت تقدم على موائد الأغنياء أيضا على هيئة العديد من الأصناف.

وفي 1771 ربح بارمنتييه جائزة أطلقتها أكاديمية بينساسون لإيجاد غذاء قادر على إطعام الفقراء خلال فترات المجاعة، وفي عام 1772 قامت كلية الطب في جامعة باريس بإعلان البطاطس قابلة للأكل.

في الـ17 من ديسمبر عام 1813 وعن عمر ناهز الـ76 عاما، توفي أنطوان أوجستين بارمونتيي، ليتم دفنه في مقبرة بير لاشيز بباريس في أرض محاطة بنباتات البطاطس، كما زينت قبره عبارة Merci Pour Les Frites أي "شكراً من أجل البطاطس المقلية".

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا