أخر الأخبار

صدى الصوت

الكتاب المفقود!

عمرو الديب
عمرو الديب

فى أفقها المضئ تألق أعظم شاعرين عرفتهما اللغة العربية على مر عصورها، مع كثرة الشعراء الذين أنشدوا فى أوديتها، وفى أحضانها بلغ الشعر العربى أوجه عبر هذين العبقريين اللذين لم تنجب العربية مثلها من قبل ومن بعد، كما أظن ومعى كثيرون لا يجادلون فى الأمر، لأنه حقيقة ساطعة فى وجدانهم، لذلك أعشق تلك المدينة التى لم تطأها قدماى قط، عشقى للسان العربى الفذ، ولا تنفد أسباب حبى للمدينة التى لم أزرها من قبل، لأنها إحدى النقاط الحصينة التى ظلت تدافع عن حضارتنا العربية الإسلامية على مدى الأزمنة والعصور، فبدت تلك المدينة الحبيبة دوما كالحصن المتصدى للأخطار المندفعة لالتهام عالمنا العربى، ونهب ثرواته، إنها حلب الشهباء كما يحب أن يناديها مواطنوها وساكنوها، أما الشاعران فهما «المتنبى» العظيم الذى تألق فى سمائها، وانتمت روحه إليها مع أنه ليس من أبنائها، والآخر هو شاعر العربية الفذ «البحترى» الذى ولد فى أكنافها وعاش فى أحضانها، وانتسب إليها جسدا وروحا، وقد عاشت تلك المدينة الباسلة التى تذكرك بمدن القناة وسيناء وهى فى حالة استنفار مستمر وفى رباط دائم استعدادا للدفاع عن أمتها، وقد تصدى أحد أبنائها، إلى تخليدها بتتبع تاريخها من المبدأ إلى عصره، حيث حاول «الصاحب كمال الدين بن العديم» المتوفى عام 660 هجرية فى أثره الفريد الحافل أن يضعنا فى قلبها عبر وصف مبانيها وحدائقها ودروبها وميادينها، ولم يكتف بذلك بل توسع فى الأمر، فأرخ للمدينة وما حولها وشمل إقليمها بأكمله، حيث صنع تاريخا حافلا لشمال الشام، وترجم لنجوم سمائها والأفذاذ المنتمين إليها والواردين عليها، وقد سمى «ابن العديم» تاريخه الحافل هذا بعنوان «بغية الطلب فى تاريخ مدينة حلب»، ولكن للأسف ضاع ثلثا الكتاب، ولم يصل إلينا منه سوى عشرة أجزاء من أصل ثلاثين جزءا أو يزيد، وقد طواه النسيان على أهميته، فظل مجهولا حتى تصدت مؤسسة الفرقان للتراث إلى محاولة استعادته عبر نشر مخطوطه فى تحقيق علمى دقيق اضطلع به الباحث الأردنى المهدى عيد الرواضية وصدرت النشرة الجديدة فى 12 مجلدا سعت -باقتدار- لاسترجاع ذلك الأثر الفذ من فم عوادى الدهور، والأمل يتجدد فى العثور على بقية أجزاء الكتاب المفقود