«السوشيال ميديا».. السلاح الأقوى بالحروب السيبرانية

صورة موضوعية
صورة موضوعية

للسوشيال ميديا أوجه عدة، ونفوذ أكثر مما تبدو عليه.. فمنصات مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرت مع بداية تأسيس فيسبوك عام 2004 بدأت بدون أي أغراض أو أهداف سياسية. فقد كان قرار مارك زوكربيرج إنشاء «فيسبوك» بهدف التواصل مع طلاب جامعة هارفارد، وبعد نجاح الموقع في تحقيق أهدافه، طوره ليشمل جامعات أخرى، ثم دول أخرى.


وشهد الموقع الاجتماعي إقبالا من الناس حول العالم، بعد أن وجدوا فيه فرصة للتعبير عن آرائهم والبحث عن أصدقاء قدامى أو التواصل مع زملاء العمل.. وتنوعت أهدف السوشيال ميديا واتسعت مع الوقت وأصبحت أكثر قوة وتأثيرًا، وامتدت لتشمل الكثير من المجالات.. لتتحول مواقع التواصل الاجتماعي، لسجل يحتوي على بيانات الأشخاص من كل مكان في العالم، بيانات يمكن استخدامها لأهداف مختلفة لم يشأ السياسيون تفويت ذلك عليهم.


لعبت السوشيال ميديا مع الوقت أدوار أكبر مما يبدو على واجهتها الرئيسية، وتفجرت أزمة السوشيال ميديا وخطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه سياسيًا مع ما سُمي في الولايات المتحدة بفضيحة «كامبريدج أناليتيكا»، والتي أعلنت عنها عدد من التقارير الإعلامية بصحف مثل أوبزرفر و نيويورك تايمز في مارس 2018.


لغز كامبريدج أناليتيكا


كشفت تلك التقارير إن كامبريدج أناليتيكا استخدمت المعلومات الشخصية وبيانات المستخدمين على موقع فيسبوك خلال الانتخابات الأمريكية التي أقيمت عام 2016 والتي انتهت بفوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. وكانت الشركة قد تمكنت من الحصول على معلومات دقيقة للغاية من خلال الأبحاث التي قامت بالإعلان عنها في الفترة بين 2007 و2014، وهي ذاتها الفترة التي حدث فيها نوع من الاختراق لمعلومات المستخدمين الشخصية من خلال الموقع الشهير.


تفاقمت الأزمة مع استدعاء زوكربيرج في جلسة استماع لمعرفة كيف تم هذا التسريب الغير قانوني.


تأسست «كامبريدج أناليتيكا» عام 2013 و تمكنت مع الوقت من كسب شهره واسعة وثقة الكثير من العملاء، ليس فقط لبراعتها في تقديم خدمات جيده لعملائها حول العالم، ولكن لتدخلها أحيانًا في مجريات الأحداث إذا استدعى الأمر، لتغيير مسار كل شيء لصالحها، حتى وإن كان ذلك بشكل غير قانوني.


لم تكن «كامبريدج أناليتيكا» جديدة عندما تم تأسيسها، ولكنها كانت فرع جديد  (offshore) لـSCL Group، والتي تعتبر  الشركة الأم التي تم تأسيسها منذ عام 1990، وكانت هي المحرك الرئيسي لعدد كبير من الأحداث السياسية حول العالم، وبالتالي فإن كامبريدج أناليتيكا لم تكن سوى شركة جديدة لضمان استمرار خدمات SCL في عدد آخر من الدول حول العالم.


«أناليتيكا» في الحقيقة ليست سوى واجهه للشركة الأمم SCL، والتي كشفت التقارير الإعلامية أنها كانت المُحرك الرئيسي لعدد من الأحداث السياسية منذ إنشاءها، فالانتخابات الأمريكية 2016 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم يكن سوى «القشة» التي حركت كل شيء.


ووفقًا لموقع BBC، فإن شركة التحليلات والاستشارات السياسية «كامبريدج أناليتيكا» لها تأثيرات كبيرة على الأحداث السياسية، حول العالم، الأمر الذي أكده رئيسها التنفيذي «الكسندر نيكس» في تصريحات أدلى بها خلال تحقيق استقصائي للقناة الرابعة البريطانية Chanel 4 والتي تسببت بعد ذلك في إيقافه عن العمل في 20 مارس 2018، حيث تحدث خلالها عن أن «كامبريج أنالتيكا» شاركت في أكثر من 200 انتخابات واستفتاءات سياسية حول العالم خلال الأعوام الماضية، كان من ضمنها انتخابات التشيك.


الأحداث السياسية في أوروبا


وأضاف مارك تورنبال، المدير التنفيذي في شركة تحليل البيانات السياسية أنهم خلال مشاركتهم في الأحداث السياسية المختلفة حول العالم كانوا يستخدمون شركات أخرى لها تواجد في هذه الدول لتنفيذ خطط سياسية «مثالية» وجهت الأحداث تمامًا كما كانوا يريدونها أن تحدث، إلا إنه لم يكن هناك أحد يدري أنهم متواجدين أصلا داخل هذه الدول أصلاً.


ووفقًا لموقع الشركة الإليكتروني فإنها أيضًا شاركت في الانتخابات المحلية لإيطاليا عام 2012 والتي ساندوا فيها حزب سياسي كان نجاحه الأخير عام 1980، حيث اقترحت الشركة البريطانية في ذلك الوقت على الحزب الايطالي القيام بعدد من الإصلاحات التي تتناسب مع التطورات والاتجاهات السياسية الجدية التي أرادها الناس في ذلك الوقت.


ووفقًا لتقرير BBC  فإن الشركة الأم، SCL، - والتي كانت هي المحرك الرئيسي لكل شيء في ذلك الوقت قبل الإعلان عن إنشاء كانبريج أناليتيكا - تمادت لأكثر من مجرد التدخل لتوجيه أحزاب سياسية أو ناخبين؛ ففي عام 2004، لعبت SCL دور رئيسي في الثورة الأوكرانية التي أطلق عليها «الثورة البرتقالية» التي دفعت بفيكتور يوشتشينكو إلى سدة الحكم عام 2004.


كامبريج أنالتيكا في أفريقيا


في كينيا.. ساعدت كامبريج أنالتيكا الرئيس أوهورو كينياتا، للفوز بالرئاسة في مرتين، الأولى عام 2013، والثانية عام 2017.


ولم تقم الشركة البريطانية في ذلك الوقت فقط بتقديم الاستشارات والتحليلات السياسية، لكنها وفقًا للمدير، مارك تورنبال، تدخلت في سياسات الحزب الحاكم وأعادت تغيير سياساته وأعادت له الشعبية وأكسبته ثقة المواطنين، لدرجة أنها كتبت خطابات الحزب في ذلك الوقت.


وبسبب التدخلات الشديدة التي قامت بها «كامبريج أنالتيكا» وشريكتها SCL في السياسات الكينية، طالب الحزب المعارض الرئيسي في البلاد National Super Alliance بإجراء تحقيق فيما حدث خلال الانتخابات، مؤكدًا أن توجيه الناس والتدخل الشديد في سياسات البلاد الداخلية يعتبر «تلاعب حقيقي في الإرادة الوطنية للبلاد».


وفي تقرير أوردته الجارديان البريطانية، أكدت على أن شركة كامبريدج أنالتيكا لعبت دورًا آخر في الانتخابات النيجيرية التي تنافس فيها جودلاك جوناثان والرئيس الحالي محمد بُخاري، ووفقًا للصحيفة فإن الشركة تدخلت في الانتخابات من خلال معلومات حصلت عيها عبر اختراق حسابات الكترونية لسياسيين نيجيريين بارزين وتم استخدامها لصالح بخاري، الأمر الذي على الأرجح لا يعلمه  جوناثان حتى اليوم.


وأشار التقرير الذي نشرته BBC  أن كامبريج أنالتيكا لعبت دورًا بارزًا في الانتخابات التي جرت في دول أخرى مثل المكسيك، والهند، والبرازيل وماليزيا.


ووفقًا للتقرير البريطاني فإن هناك الكثير من الصلات التي تثبت تورط الشركة البريطانية في تغيير مسارات واتجاهات الأحداث السياسية في كل هذه البلدان، ففي ماليزيا على سبيل المثال، اضطر رئيس الوزراء السابق «نجيب رازق» إلى الإدلاء بتصريحات رسمية لنفي وجود أي علاقة أو تعامل تم بينه وبين شركة الاستشارات البريطانية.


وعندما ننظر اليوم للسوشيال ميديا والدور الذي تلعبه يكون من الصعب تجاهل تأثيرها بشكل أو بآخر، والتي يمكنها أن تغير مصير أشخاص، وشعوب دون أن نلحظ دورها إلا في نهاية المشهد.
 

 

 

 

 

 

 

ترشيحاتنا