تبدأ بـ«وسواس» وتنتهي بـ«جريمة»| «مجانين الشوارع».. آلات قتل تهدد المصريين

تبدأ بـ«وسواس» وتنتهي بـ«جريمة»| «مجاذيب الشوارع».. آلات قتل تهدد المصريين
تبدأ بـ«وسواس» وتنتهي بـ«جريمة»| «مجاذيب الشوارع».. آلات قتل تهدد المصريين

- «القومي للبحوث الجنائية»: 8 ملايين شخص.. و60% يفكرون في الانتحار.. و18% ينفذون جرائم

- «هاني»: سبب الجرائم اختلال العمليات الذهنية للمريض ويعيش شخصية غير طبيعته.. وهذا دور الأسرة

- «فرويز»: الأخطر الفصام التشككي والهلاوس البصرية والسمعية والاكتئاب العقلي السودوي والصرع

- «البسيوني»: جمع المشردين وجمعيات خيرية ترعاهم وتأمين المصحات بهذه الطريقة.. أهم الحلول

- طلب إحاطة في البرلمان يحمل «الصحة» المسئولية.. و«التضامن»: تعاملنا مع 9 آلاف حالة


أينما ذهبت عيونك تجد مشردين من المرضى النفسيين والمختلين عقليا في الشوارع، لهم وجوه شاحبة وشعر أشعث وأجساد هزيلة تكسوها ملابس رثة، مستلقين على الأرصفة وجنبات صناديق القمامة، يشاركون الحيوانات الضالة من قطط وكلاب نومهم لتحيطهم الأوبئة والأمراض، قد يرتاد بعضهم المواصلات العامة فينفر الناس منهم، يرتكبون جرائم في مجتمعنا، يختبئون تحت الكباري من تقلبات الجو التي تنهش ما تبقى من أجسادهم المتهالكة، يتسولون من المارة، يهيمون في الشوارع لا يبالون بمن حولهم، يواجهون مصيرًا مجهولا، كثير منهم لا يُعرف له اسم ولا عنوان، خلف كل وجه منهم مأساة يعانيها!

مؤخرًا؛ وقعت جريمة هزت الرأي العام المصري، حين طعن مريض نفسي أمين شرطة في منطقة الزمالك، فقد حياته على إثرها، لتتجدد من جديد أزمة المرضى النفسيين والمختلين عقليا في المجتمع.

بحسب المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، ارتفعت نسبة المرضى النفسيين في مصر، حتى وصلت إلى 14% بين البالغين، لتصل أعدادهم إلى أكثر من 8 ملايين شخص يعانون من اضطرابات نفسية، فيما أشار المركز إلى أن 60% من المصابين بالأمراض النفسية يفكرون في الانتحار، بالإضافة إلى أن 18% ينفذون جرائم، ما يدق ناقوس الخطر حول هذا النوع من الجرائم.

«بوابة أخبار اليوم» ناقشت الخبراء حول جرائم المختلين والمرضى النفسيين، ومخاطرها في المجتمع، والتحليل النفسي لارتكابهم الجرائم، ودور الأسرة في اكتشاف المرض، وكيفية المواجهة، وجهود مؤسسات الدولة من الوزارات والبرلمان في هذا الصدد.

 

لماذا يرتكب المرضى جرائم؟

يقول الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية والطب النفسي، إن الإنسان عندما يصل لمرحلة المرض النفسي يصبح غير مسئول عن أفعاله وتصرفاته، ويحدث له اختلال في العمليات الذهنية، واختلال في العقل والفكر، وبالتالي يمكن أن يصدر عنه أي تصرفات دون وعي أو إدراك منه، مضيفا أن الكثير من الأمراض النفسية تجعل المريض يعيش شخصية غير طبيعته، ويكون غير مسئول عن تصرفاته ومن الممكن أن يؤذي نفسه أو يؤذي الآخرين.

ويضيف «هاني» لـ«بوابة أخبار اليوم»، أن المريض النفسي إنسان غير سوي ويجب أن يخضع للمراقبة المستمرة، والعلاج بالأدوية حتى يخرج من الحالة التي بها، مشيرا إلى أن مريض الاكتئاب الحاد تكون لديه ميول انتحارية ومن الممكن أن يؤذي الناس أو يؤذي نفسه، وكثير من الناس تتهاون مع مريض الاكتئاب ولا يدركون خطورته، ومعظم من ينتحرون بسبب الاكتئاب.

أما الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، فيقول إن 17% من المصريين مصابون باضطرابات نفسية، ما قد تدفعهم لارتكاب جرائم بسبب الضغوط الحياتية والظروف الاجتماعية، والمخدرات أيضًا ساهمت في زيادة نسبة الأمراض النفسية والعقلية، مشيرًا إلى أن المجرم المريض «معذور»، ومن الضروري علاجه وإخلاء مسئولية الجريمة عنه.

ويؤكد "فرويز"، أن انتشار جرائم المرض النفسي معضلة لا يزال يعانى منها المجتمع، مشيرا إلى المرضى الذين يرتكبون جرائم مثل مريض الفصام التشككى، الذى يعانى من ضلالات، فيقدم هو على إيذاء الآخرين دفاعاً عن نفسه، وقد يكون الفصام مصحوباً بهلاوس بصرية وسمعية تأمره بقتل وإيذاء من حوله، ومريض الهوس يقتل أيضاً، ولكن دون تخطيط، فيكون في حالة هياج شديد ويؤذى الآخرين دون عمد.

وأضاف أن مريض الاكتئاب العقلي أو السودوي يعانى من ضلالات أيضاً تدفعه أحياناً لقتل نفسه، أو أحد المقربين، فيشعر مثلاً أن أبناءه ملائكة وبقاءهم في الدنيا خطر عليهم فيقتلهم، كما أن مريض الصرع تنتابه نوبات قد تؤذى من حوله، وبعد انقضاء النوبة يكون تائهاً ويمكن أن يرتكب أي جريمة دون وعى.

ووجه "فرويز"، رسالة إلى كل الأسر المصرية بأن تجعل أعينها كمراقب على الأبناء والزوج والزوجة وملاحظة أي تغيير في السلوك أو طريقة الكلام أو مستوى الإنتاج في العمل أو المذاكرة، وتغير في مستوى التفاعل الاجتماعي والتحول للانطوائية، كل هذه مؤشرات كارثية تدعو على الفور للعرض على الطبيب النفسي، مشيرًا إلى أن كل هذه التغييرات مرآة لمرض نفسي ودق ناقوس لخطر قادم.

 

روشتة أمنية

في البداية يقول اللواء مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير الأمني: «إنني لدي تعليق على نشر الصحف ووسائل الإعلام صفة (مريض نفسي) على من طعن أمين الشرطة في منطقة الزمالك، فمن أين علمت وسائل الإعلام أنه مريض نفسي؟ وحتى لو بيان من وزارة الداخلية لا يجوز إطلاق لفظ مريض نفسي أو مختل عقليا إلا بعد متابعة الحالة متابعة صحية وتقرير طبي، وأخشى أن يكون هناك إدعاء بالمرض النفسي حتى يفلت من العقوبة، فمن الممكن أن يكون سليما ويدعي المرض بسبب كراهيته للشرطة، أو العناصر الإرهابية تغير أساليبها وتستهدف رجال الشرطة ويدعي المنفذ أنه مختل عقليا، أو بسبب خلافات شخصية مع أمين الشرطة!».

وتابع «البسيوني» حديثه لـ«بوابة أخبار اليوم»، بأن الشخص الذي طعن أمين الشرطة مدرك تماما واستطاع تمييز أمين الشرطة بملابسه واستعد له بسكين في منطقة الزمالك، إذن هو استهدفه بقصد، مؤكدا ضرورة ألا نبادر بوصف المتهم أنه مختل عقليا حتى يتم التأكد من ذلك طبيا عبر ملاحظة المتهم ومتابعته لفترة زمنية طويلة وتقرير طبي على أعلى مستوى يثبت ذلك، موضحا أن المريض النفسي لا يظهر بين يوم وليلة، وإنما بالتأكيد يوجد مستندات طبية أنه يعالج في مستشفى أو مصحة.

وشدد على أن مشكلة المرضى النفسيين والمختلين في المجتمع؛ حلولها بأن يوّجه الإعلام كل أسرة بالإبلاغ عن المرضى لديهم بإخطار وزارة الصحة، وأن يخافوا على أنفسهم وعلى الآخرين من ارتكاب جرائم بواسطة هؤلاء، مضيفا أنه إذا تقاعس الأهل عن الإبلاغ فيأتي دور الجيران والأصدقاء فور علمهم بوجود حالة مرضية وإبلاغ الشرطة التي تتخذ إجراءاتها بإحضاره والتأكد من "أهليته" واستدعاء أهله وسؤالهم عن سبب تركه وعدم السيطرة عليه، وبعد ذلك إيداعه مصحة نفسية.

وأكد مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير الأمني، أنه إذا تضافرت الجهود ستقل ظاهرة انتشارهم والجرائم الناجمة عنهم، مشيرا إلى أنه يوجد شخص مريض نفسيا في مدينة نصر وأخوته يتركونه ومقيم وحده ويهذي طوال الوقت بعبارات غير مفهومة، وعندما أبلغ الجيران عن حالته ذهب أخوته للقسم وتعهدوا بعلاجه وتركوه ولم يعالجوه!

وشدد على أن الشخص المريض نفسيا أو المختل عقليا إذا ارتكب أي جريمة فالشخص ولي أمره كالأب أو الأخ يصبح متهما، ويجبروا على التوقيع على تعهد في الشرطة بأنهم إذا لم يدخلوه مصحة نفسية يصبحون مسئولين جنائيا، مؤكدا أن أي شخص في المجتمع معرض للأذى من المرضى النفسيين كاغتصاب الأطفال أو القتل.

وحول هروب المختلين والمرضى النفسيين من المصحات وتواجدهم بالشوارع؛ يذكر اللواء «البسيوني» أن تأمين المستشفيات ليس مسئولية الشرطة وحدها، وضرب مثلا بأن الشرطة تؤمن المدينة لكن كل عمارة لها أمن خاص بها، والشرطة تؤمن المنشآت لكن كل منشأة لها أمن خاص إداري، مشددا على ضرورة أن يكون للمستشفيات أمن خاص، وشركات الأمن الخاصة أصبحت منتشرة، منوها على أن بعض المستشفيات الكبيرة تطلب نقطة شرطة ووزارة الداخلية لا تبخل بذلك.

وطالب برفع مستوى تأمين المستشفيات عن طريق أمن الشركات الخاصة لرفع العبء عن الشرطة، وتركيب كاميرات المراقبة، مشددا على ضرورة أن تخضع شركات الأمن الخاصة لتدريب في الشرطة حيث يصبح فرد الأم الخاص صالح تماما على مستوى السن وصحيا وتدريبا وليس مجرد صورة فقط.

وأوضح مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير الأمني، أن المتسولين في الشوارع منهم مرضى نفسيين أو مختلين أو مُدّعين المرض، فيجب جمعهم من الشوارع والتمييز بين المرضى منهم وعلاجهم أو الذين يتكسبون من التسول ويدعون المرض، فالأمر يحتاج لتضافر كل الجهود من المؤسسات فالشرطة تلقي القبض عليهم وبعد ذلك يأتي دور وزارات الصحة والتضامن للتعامل مع كل حالة على حدة حسب احتياجها، ولابد من إجراءات حاسمة.

وأشار إلى أن يوجد بالدولة جمعيات خيرية تجمع تبرعات لمرضى السرطان واليتيمات المقبلات على الزواج والعمليات الجراحية وكفالة الأيتام، ولكن لا يوجد لدينا جمعيات لرعاية المختلين عقليا، فلابد أن يكون لدينا جمعيات لرعاية هؤلاء المرضى.

 

أزمة المرضى تحت القبة

أزمة المرضى النفسيين والمختلين وصلت لقبة البرلمان، حيث تقدمت إيناس عبد الحليم، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن انتشار الجرائم بالشارع المصري، تحت مسمى "المرض النفسي"، موضحة أن بعضها يتعلق بالقتل العمد والذبح، وأخرى وصلت إلى إشعال الحرائق والاغتصاب.

وأشارت "عبد الحليم" في طلب الإحاطة، إلى ارتفاع أعداد المرضى حسب إحصائية المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، مؤكدة أنه وفق الدراسات فإن 17% من المصريين مصابون باضطرابات نفسية، ما قد يدفعهم لارتكاب جرائم بسبب الضغوط الحياتية والظروف الاجتماعية.

وأضافت النائبة: "هناك بعض المجرمين الذين يتم التأكد من إصابتهم بمرض نفسي ويخضعون للعلاج يتم إطلاقهم في الشارع أو هروبهم من المستشفيات المعنية بما يمثل قنبلة موقوتة في الشارع، حيث امتلأت شوارع مصر بالمرضى النفسيين سواءً من كان خاضعًا للعلاج وأفلت من المستشفى، أو من لم يتم ضبطه وإخضاعه للعلاج".

وحملت النائبة إيناس عبدالحليم، وزارة الصحة مسئولية علاج هؤلاء المرضى النفسيين، والحرص على عدم إفلاتهم من العلاج قبل الشفاء.

واختتمت طلب الإحاطة بالقول: "يجب ألا يكون دور الدولة هو معالجة هؤلاء المرضى النفسيين ولكن المتابعة الدورية معهم، بعد خروجهم من المستشفى وتلقيهم العلاج، حرصا على استكمال الشفاء والتعافي من الأمراض وحماية المواطنين من أي انتكاسة قد تصيبهم".

 

جهود «التضامن»

من خلال التجربة الميدانية مع فرق التدخل السريع التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي؛ فيتم التعامل مع حالات المرضى النفسيين والمختلين من المشردين بمحاولة إقناعهم بترك الشارع والاستجابة لإجراءات الوزارة بتنظيفهم وكسائهم بملابس جديدة وعلاجهم في مصحات نفسية، ومن يرفض الاستجابة للفريق يتم تركه في الشارع.

ويقول الدكتور علاء عبد العاطي، معاون وزيرة التضامن للرعاية الاجتماعية، إن هناك حملة للمشردين تجوب الشوارع لكي تتعامل معهم، مؤكدا أنه تم التعامل مع حوالي 9 آلاف حالة في الشوارع في كل محافظات الجمهورية.

 

الأزمة مستمرة

تبقى أزمة المرضى النفسيين والمختلين عقليا المشردين في الشوارع؛ مستمرة حتى كتابة سطور هذا التحقيق، ولا توجد خطة معلنة لدى الوزارات المعنية للتعامل معهم، فيظل المرضى يهيمون على وجوههم في شوارعنا، مهددين المجتمع بمزيد من الجرائم، ليستمروا كقنابل موقوتة تحتاج لنزع فتيلها قبل فوات الأوان!    

 

 

 

 

 

ترشيحاتنا