هيثم شاكر .. "معرفة قديمة" وأغاني أقدم من اللازم

هيثم شاكر
هيثم شاكر

تعاملك مع تاجر "شهير" لايعني بالضرورة أن يمنحك أفضل بضاعة لديه، هذه المقولة وإن كانت من مسلمات الحياة، فهي منذ سنوات بعيدة قاعدة من قواعد العمل في الوسط الموسيقي المصري، فالأسماء الكبيرة والرنانة في مجال الكتابة والتلحين والتوزيع لم تعد تملك "شهادة ضمان" لنجاح أي مطرب، بل إن هذه الأسماء أصبحت توفر ابداعاتها الحقيقية لتعرضها في "فاترينة" تضمن نجاحها مثل" سوبر ستار" من العيار الثقيل"، أو تُقَيم هذا الإبداع بما سيُدفع فيه من "عملة صعبة" فتمنحة لمطرب خليجي أو لبناني، والأمثلة كثيرة .

هذه المقدمة الطويلة قد تكون ضرورية قبل الحديث عن ألبوم هيثم شاكر الجديد "معرفة قديمة"، العائد به للساحة بعد غياب دام خمس سنوات منذ طرح ألبومه الأخير "أحلى قرار" والذي لم يحقق أصداء قوية.

يقدم هيثم شاكر نفسه للجمهور بعنوان مناسب وهو "معرفة قديمة" وكأنه يعترف بغيابه الطويل، مخاطبًا جمهورًا مازال يتذكر المطرب الشاب الذي انطلق مطلع الألفية بأغنية "أحلف بالله"، والتي حققت نجاحا كبيرًا دفع مكتشفه حميد الشاعري لصناعة ألبوم كامل له هو " خليك جنبي" بعد عام من طرح الأغنية ، وهو الألبوم الذي لن أكون متحاملًا لو اعتبرته أنجح ما في مشوار هيثم الفني !

قد يكون اختيار إسم الألبوم موفقًا، ولكنني لا أعتقد أن هيثم شاكر خطط للربط بين "المعرفة القديمة" وحالة "الرِدة" الموسيقية التي سيطرت على الألبوم، فبعد الأغنية الرابعة أو الخامسة ستظن أنك أمام عمل تم انتاجه قبل عام 2010 رغم الأسماء الكبيرة التي تعاونت معه مثل عمرو مصطفى ووليد سعد ومحمد يحيى وأيمن بهجت قمر وأمير طعيمة، ولكن يبقى السؤال : هل تعامل هؤلاء الشعراء والملحنين مع هيثم باعتباره مجرد "معرفة قديمة" فمنحوه أغنيات قديمة في أدراجهم ؟

دعنا نتحدث بداية عن التوزيع الموسيقي أهم سبب في ظهور الألبوم بهذه الحالة، حيث سيطر الموزع أحمد ابراهيم عليه بتوزيع 8 أغنيات من أصل 13 ، في الحقيقة أحمد ابراهيم موزع يعمل بفلسفة "هذا ماوجدنا عليه آباءنا "، ولهذا تجد بناءه الموسيقي للأغاني تقليديًا، صياغة إيقاعات المقسوم مكررة وقديمة كما هو واضح في أغنيات مثل "ياما ياما" ، " معرفة قديمة" ، "متغيبوش" ، حتى عندما قرر أن يقدم قالب "السوفت روك" في أغنية "مفيش بعد بينسي" استنسخ توزيع قدمه منذ 9 سنوات في أغنية بهاء سلطان " أنا مصمم" ولكن الأغنية الأولى في زمنها كانت جيدة، ولهذا فالمقارنة ظالمة لأغنية هيثم، أما الملحن "الكبير" وليد سعد فمازال مرتديا جلباب بليغ حمدي حتى استنفذ كل "موتيفاته" اللحنية منذ سنوات .. فماذا عن الأن ؟ مازال وليد سعد مرتكنًا إلى شكل الأغنية التي نجحت في التسعينات ومطلع الألفية لهذا تجد اسمه كملحن مرتبطًا بعناوين مستهلكة مثل "مفيش بعد بينسي" التي كتبها محمد رفاعي في الغالب لتناسب ذوق مراهقة تسمع أغاني تامر عاشور في "سايبر" بحي شبرا !

"مفيش بعد بينسي" 

"أنا مصمم" 

هذا بالنسبة لوليد سعد فماذا عن عمرو مصطفى وأيمن بهجت قمر ؟

الثنائي الناجح يمثل علامة استفهام كبيرة في هذا الألبوم، وخصوصا مع انضمام طرف ثالث وهو الموزع شريف مكاوي، والأخير قدم أعمالًا ناجحة من قبل على مستوى الاقتباس الموسيقي الغربي "فقط" .

أغنية "ماتوصونيش" للثلاثي ظهرت في قالب "ريجي تون اليكتريك" على لحن من أرشيف عمرو مصطفى المعروف، وتبقى التنقطة المضيئة في الأغنية هي كلمات أيمن بهجت قمر الذي ينجح دائمًا في صياغة حالة وإفيه على أي لحن مهما كان سيئًا .

يؤكد عمرو مصطفى  نظرية التاجر الشاطر والزبون الخفيف في أغنية "ياحبيبة"، ولكن هذه المرة بمشاركة الشاعر أمير طعيمة الذي يواصل تقديم كلمات نمطية سواء في ألبوم رامي صبري أو ألبوم هيثم شاكر، لحن الأغنية مشتت وكأنه أكثر من لحن منفصل خاصة في جملة "قالو قالو وانا قلبي فيكي داب" ، أما توزيع شريف مكاوي فجاء متسقًا مع هذا التشتت، يكفي أن صولو الأوكرديون قادم رأسًا من أغنية "خد قلبي معاه" التي قدمها عمرو دياب عام 2005 .

أما أغنية "بابي مفتوح" التي قدمها عمرو مصطفى و أيمن بهجت قمر وشريف مكاوي فلا تحتاج لان تتوقف كثيرًا حتى تكتشف انها نسخة من أغاني كثيرة غربية ظهرت في قالب "اللاتين روك" ولا خلاف أن هذا اللحن سمعناه من قبل في عمل اسباني أو تركي.

هناك بعض الملاحظات التي استوقفتني في أغنيات كثيرة ، مثلا أغنية " مش مهم أنا" التي كتبها محمد رفاعي، بدت كخطاب مفتوح بعلم الوصول لحبيبة سابقة، ولكن اللحن في كوبلية "حط ايدك على جرحك" والذي صاغه وليد سعد كان جيدًا، طبعا لن احتاج للتأكيد أن الموزع أحمد ابراهيم فعل كل شيء تقليدي لتخرج الأغنية بشكل مستهلك جدًا!

الألحان التي قدمها محمد يحيى في الألبوم هي الاستثناءات الأفضل، خاصة وأن يحيى قدم ألحانا تنطلق من مقام ثم تنتقل لمقام آخر مثل التنقل بين الصبا والبياتي فبدت مختلفة وبعيدة عن مقام الكرد بتفريعاته واجناسه المختلفة الذي التهمه أغلب ملحني الألبوم.

 أغنية "متغيبوش" التي كتبها سلامة علي ولحنها يحيى، من أفضل أغاني الألبوم وإن بدت كفرع قادم من شجرة العظيمة "وردة" التي استهلت هي وبليغ حمدي ومحمد حمزة أغاني "الخطاب الجماعي" في "مدريتوش" ، و"اشتروني" ، وغيرها من الأغاني الموجهة لـ"ناس كتير أوي" هما مين الله أعلم ؟!

 

أغنية "لحقتيني" واحدة من أجمل أغاني الألبوم على مستوى اللحن والكلمات بغض النظر عن تكرار كلمة "الدفا" بشكل ملفت، ولكن أحمد ابراهيم أيضًا لم يخيب ظني حتى في هذه الأغنية وقدم قالب "فلامنكو" اسباني تقليدي جدًا بلا أي حلي أو موتيفات جديدة .

من أفضل أغاني الألبوم أيضًا أغنية "راحو" للشاعر الكبير بهاء الدين محمد، والملحن السابق ولاعب الكرة الأسبق والممثل حاليًا أحمد صلاح حسني ، والذي نجح في التنقل بين المقامات بشكل سلس بين دخول من مقام الراست ثم انتقال الى البياتي في جملة "وياعيني ياعيني علينا"، كذلك أغنية "كنت مداويني" التي كتبها محمد القاياتي ولحنها محمد يحيى من أفضل أغنيات الألبوم ايضا ، كلمات القاياتي بسيطة وسهلة مثل "يادي التوهة" ، "رابط بيني وبينك" ، وكالعادة تنقل الملحن محمد يحيى بسهولة و"حرفنة" بين المقامات، ولم يخرج الموزع أحمد ابراهيم عن النمطية التي تتصدر كل توزيعاته، وإن قدم صولوا أوكرديون من أجمل ما يمكن في دخول الأغنية .

هيثم شاكر صوت جيد، مر مشواره الفني بعثرات كثيرة بعضها خارج عن إرادته، ولكنها ليست مبررًا لافتقاده النضج الفني والخبرة التي تمكنه من تمييز الأغاني "المنحوتة" من الأغاني المصنوعة له "بضمير"، هل هو افتقاد لدور المنتج الفني ؟ كيف والألبوم يضم اسم منتج فني "كبير" مثل فايز عزيز؟ لهذا يظل "معرفة قديمة" علامة استفهام كبيرة حول حقيقة رؤية صناع الأغنية في مصر لقيمة هيثم شاكر وسط الأصوات المتواجدة على الساحة .


ترشيحاتنا