حوار| د. نجوى البدري: الخلايا الجذعية تعالج سرطان الدم بفاعلية.. وتستنسخ أعضاء بشرية

د.نجوى البدري
د.نجوى البدري

- نتائج بحثية واعدة فى تحديد منشأ الخلايا السرطانية.. وهذه حقيقة علاج الإيدز 

عادة ما تكون نبرة الصوت هبوطا وصعودا مقياسا لحماس الشخص عند حديثه فى موضوع ما، ولكن الدكتورة نجوى البدري، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية، ورغم حماسها الشديد للحوار مع «الأخبار» فى موضوع العلاج بالخلايا الجذعية، حافظت على نبرة صوت هادئة، مكتفية بأن يكون تعبيرها عن الاهتمام بسؤال ما اخراج اجندة مكتبها والامساك بقلم محاولة توضيح ما تظن أنه سيكون من الصعوبة استيعابه بدون شرح. وخلال ساعة ونصف  الساعة تقريبا هى عمر الحوار، أخرجت د. نجوى أجندتها أكثر من مرة لتشرح بعض التفاصيل العلمية لبعض القضايا المتعلقة بالخلايا الجذعية، مؤكدة أن أبحاث هذا المجال تشهد تطورا كبيرا فى مصر، لكنها فى حاجة إلى صدور قانون التجارب الإكلينيكية، كما أعلنت عن أبرز النجاحات التى حققتها مدينة زويل فى مجال علاج السرطان والسكرى بالخلايا الجذعية.. وإلى نص الحوار:


< بداية يبدو لى عندما أتابع اعلاناً لمراكز العلاج بالخلايا الجذعية أننى أمام تقنية ساحرة تستطيع علاج أى مرض، وأحيانا تطالعنا تقارير صحفية بأخبار عن إغلاق بعض تلك المراكز، فما هى حقيقة العلاج بتلك التقنية؟
- تصمت لوهلة لتركيز أفكارها قبل أن تنطلق فى الإجابة قائلة: خلايا الانسان تتجدد باستمرار وهذا هو السبب الذى يجعل صحتنا أفضل، وسبب هذا التجدد هو الخلايا الجذعية التى هى الخلايا الأم فى أجسامنا.. وعندما يصيب الانسان أى مرض مزمن مثل السكرى أوأمراض القلب أوحتى السرطان، فإن العلاجات المتوفرة تعالج الأعراض ولا تعالج المرض من جذوره، ومثل هذه الأمراض المزمنة أصبحت فى المجتمعات كبيرة السن «المجتمعات التى يكون أغلب سكانها من ذوى الأعمار الكبيرة»، تمثل عبئا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا، وهو ما أدى إلى الاهتمام بفكرة العلاج بالخلايا الجذعية، والتى تساعد خلايا الجسم على التجدد فتساعد العضو المريض على أن يعيش بصورة أفضل أو يصل الأمر فى بعض الأحيان إلى قيامها باستبدال العضو المريض بآخر سليم.
< استبدال عضو مريض بآخر سليم ؟! هل هذا ممكن؟
- تبتسم قائلة: هذا أصبح وضعاَ قائماً، فمن العلاجات المعتمدة، والتى تستخدم فيها الخلايا الجذعية لاستبدال عضو مريض بآخر سليم هى علاج اللوكيميا» سرطان الدم « والأورام الليمفاوية، فمصدر الخلايا الجذعية الخاصة بالدم توجد فى النخاع العظمي، لذلك يتم استخدام الخلايا الجذعية لزراعة نخاع عظمى جديد، وبالتالى علاج المرض. ويوجد أسلوب آخر للعلاج من خلال استخدام أجهزة تقوم بأخذ الدم من المريض والقيام بتنقيته عن طريق نزع الخلايا المريضة منه، واستخلاص الخلايا الجذعية وتركيزها وإعادتها مع الدم بعد تنقيته.
< هذا العلاج أصبح متاحا فى الخارج لمرض «اللوكيميا»؟
- بحماس شديد تقول : متاح بالخارج وفى مصر أيضا.
< ولماذا إذن السمعة السيئة التى تكتسبها المراكز التى تعلن عن العلاج بالخلايا الجذعية؟
- لم يفتر حماسها وواصلت المقارنة بين الداخل والخارج قائلة: ليس فى مصر وحدها توجد مشاكل هذه المراكز، فهيئة الغذاء والدواء الأمريكية أغلقت مؤخرا مركزا للعلاج بالخلايا الجذعية لعدم مطابقته للمواصفات السليمة.
< ولماذا تلتصق تلك السمعة السلبية بالمراكز العاملة فى مصر؟
- تطلب الانتظار دقيقة لاستخراج رسالة وصلتها على بريدها الإلكترونى قبل أن تقول: المريض هو المريض سواء فى مصر أو أمريكا يتعلق بأى أمل للشفاء، وهذه رسالة وصلتنى من أمريكا لمريض يعانى من التهابات حادة فى البنكرياس، وهذه مشكلة صعبة ومن الصعب علاجها، ويسألنى ان كان يمكن علاجها بالخلايا الجذعية أم لا.
ومثل هذه الرغبة الشديدة فى الشفاء تجعل بعض المراكز تستغل حاجة المريض فتوهمه بالعلاج باستخدام الخلايا الجذعية، مع انه لم يتم التوصل حتى الآن إلى كيفية استخدامها فى علاج هذا المرض، فما أود أن أقوله أن هناك تقدما كبيراً حدث فى هذا المجال، وكل يوم يحدث جديد، ولكن يجب أن يكون العلاج قائماً على أساس علمى.
< إذا أردنا أن نضع الأمر فى اطاره الصحيح.. هل توجد أمراض معينة ثبت بالفعل علاجها بالخلايا الجذعية؟
- خرجت الكلمات من فمها سريعة قائلة: أمراض الدم والجهاز الليمفاوى تعالج بشكل كبير باستخدام الخلايا الجذعية.
< فقط هذان المرضان؟
- توجد قائمة من أكثر من 40 مرضا تعالج بالخلايا الجذعية منها أمراض الجهاز المناعي، وبعض أمراض الجهاز العصبى، وأمراض شبكية العين وغضروف الركبة، ولكن تستطيع أن تقول أن هناك مراكز تحقق نتائج عالية جدا ومراكز تحقق نتائج أقل، لأن الأمر يحتاج لإمكانيات عالية جدا.
< وما تلك الإمكانيات؟
- بالإضافة الى الإمكانيات العالية للمستشفيات، فهناك إمكانيات تتعلق بالطب الشخصى والتقنيات المتقدمة.. وتشير إلى طابعة متصلة بجهاز الكمبيوتر الخاص بمكتبها قبل أن تضيف: هل ترى تلك الطابعة.. هناك الآن طابعات ثلاثية الأبعاد تستخدم نفس فكرة الطابعة، حيث يتم تزويدها مثلا بالسوفت وير الخاص بطباعة الأذن ويتم استبدال الحبر بمواد بوليمر تكون حاضنة لخلايا جذعية فتقوم بطباعة الأذن فى وجود الخلايا الجذعية فتنمو الأذن.
وهناك تقنية لا توضع بها مواد بوليمر بل تقوم الخلايا الجذعية ذاتها بوظيفة الحبر، ومثل هذه التقنيات تحتاج إلى إمكانيات عالية جدا، وأجهزة بملايين الدولارات، وظروف بالغة الدقة من حيث الحرارة والاكسجين والتغذية الملائمة للخلايا الجذعية، وأى خلل بأى عنصر يمكن أن يؤدى إلى فشل التقنية.. وكل هذه امكانيات وشروط يجب أن تكون متوفرة.
< وهل تمكن تلك التقنية من استخدام الخلايا الجذعية فى طباعة قلب أو مخ مثلا؟
- تجيب على الفور: هناك أبحاث تتم الآن للوصول إلى ذلك، ولكن كما هو معروف فإن القلب والمخ أجهزة معقدة، ولكن يمكن بسهولة استخدامها مثلا فى طباعة جلد، فهذه تقنية عالية وواعدة جدا.
قانون الأبحاث
< وهل مراكز العلاج بالخلايا الجذعية فى مصر والعالم العربى لديها هذه التقنية للطباعة ثلاثية الأبعاد؟
- تخرج الكلمات من فمها سريعة قائلة: كل ما قلته فى مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد لا يزال فى نطاق الأبحاث، ولن نستطيع فى مصر تجاوز هذه المرحلة قبل صدور قانون الأبحاث السريرية.
< ما أعلمه أنكم فى مدينة زويل تتعاونون مع فرق بحثية بالخارج، ولا أظن ان لديهم نفس المشكلة؟
- تبتسم قائلة: نتعاون مع الخارج على نطاق واسع فى مجال الأبحاث، ولكن هناك صعوبات كثيرة تتعلق بتبادل الخلايا والعقوبات شديدة فى هذه المجال.
< إذن ستظل أبحاثكم مقصورة على حيوانات التجارب حتى صدور هذا القانون؟
- تومئ بالموافقة قبل أن تقول: بالطبع لن نستطيع تجاوز مرحلة حيوانات التجارب حتى صدور القانون، ثم ان هناك أموراً يجب أن يتم تفصيلها فى التشريعات فيما يتعلق بمجال الخلايا الجذعية، وهى الجوانب الأخلاقية فى الأبحاث الخاصة بها،وقد ناقشت ندوة عقدت مؤخرا فى أكاديمية البحث العلمى هذه القضية الخطيرة.
< هناك تقارير نشرتها وكالات الأنباء قد تحدثت عن علاج مريض بريطانى من الإيدز باستخدام الخلايا الجذعية.. فما الذى حدث بالضبط؟
- تلتقط أجندة مكتبها للمرة الثانية وتقول بينما تشرح بعض الأشكال التى تقوم برسمها : حالة هذا المريض انه كان مريضاً باللوكيميا ومرض بالإيدز، وكما هو معروف فإن الخلايا الجذعية بالنخاع عندما تنقسم تعطى كرات دم حمراء وبيضاء وخلايا مناعية، ويدمر مرض الايدز واحدة من أهم هذه الخلايا المناعية، ومن ثم فقد فكر الأطباء انه إذا تم علاج هذا المريض من اللوكيميا عن طريق نزع الخلايا المريضة من الدم، ونقل دم سليم يتضمن خلايا جذعية سليمة فقد يؤدى ذلك إلى شفائه من مرض الإيدز، وهذا ما حدث.
< وهل علاج الايدز باستخدام الخلايا الجذعية مقصور على تلك الحالة؟
- هذا سؤال مهم، وتجرى الآن أبحاث للإجابة عليه.
< عودة مرة أخرى للخلايا الجذعية، أود أن أعرف ما توصلتم له فى مدينة زويل بهذا المجال؟
- تستطيع أن تشعر بسعادة د.نجوى بهذا السؤال من الابتسامة العريضة التى ارتسمت على وجهها قبل أن تقول: هناك ثلاثة مسارات لأبحاثنا ووصلنا لنتائج طيبة فيها، فعملنا على الخلايا الجذعية السرطانية، ووجدنا ان الخلية السرطانية تفرز مواد تحول الخلايا المجاورة لها إلى خلية سرطانية جذعية، لها سمات الخلايا الجذعية من حيث التجدد والانقسام لأنواع اخرى من الخلايا، وخلصنا إلى ضرورة أن يوجه العلاج إلى الخلية السرطانية وهذه الخلايا الجذعية السرطانية.
< وهل الأدوية الموجودة بالأسواق تراعى ذلك؟
- للاسف لا.. فأغلبها يتعامل مع الخلايا السرطانية فقط، لذلك نجد أن المريض وبعد أن يعلن شفاءه يهاجمه المرض من جديد.
< وماذا عن المسار الثانى للأبحاث؟
- بدلا من استيراد الخلايا السرطانية من الخارج لعمل أبحاث عليها، يمكن أن نحصل على خلية جذعية من مريض السرطان ونستخدمها معمليا فى تصميم بيئة تشبه البيئة السرطانية وذلك لاجراء الأبحاث عليها، وهذا أفضل من استيراد الخلايا السرطانية من الخارج للعمل عليها، لانها مأخوذة من مريض أمريكى مثلا، وقد تكون الأسباب التى أدت لاصابته بالسرطان غير الأسباب التى أدت لاصابة المريض المصرى.
< هل يمكن توضيح هذا الأمر؟
- قد تكون هناك أسباب مختلفة للسرطان بعضها جينى أو بعضها متعلق بالطعام أو حتى بتعرض الشخص لضغوط قد تؤدى للإصابة بالمرض، وبالتالى يجب أن يتم تصميم علاج خاص بكل حالة، فجميعهم قد يكون مصاباً بسرطان الثدى مثلا، ولكن الإختلاف الجينى بين المرضى يتطلب علاجا يراعى هذا الإختلاف، وهذا ما يطلق عليه العلاج الشخصي، وهو مستقبل الطب الآن.
< وماذا عن المسار الثالث والأخير؟
- يتعلق المسار الثالث باستخدام الخلايا الجذعية فى علاج السكرى من النوع الثاني، وهذه الأبحاث تنطلق من الفهم الصحيح لهذا المرض، فالمريض يكون لديه بنكرياس يفرز الأنسولين بشكل جيد فى بداية المرض، ولكن خلايا جسمه بسبب سوء التغذية تصبح غير قادرة على امتصاصه، ووجدنا أن أفضل النتائج فى علاج السكرى تحققت بالحصول على خلايا جذعية سليمة من النخاع العظمى وحقنها فى الجسم، حيث تعمل على اصلاح الخلايا المريضة، فتتحسن قدرتها على الإستفادة من الأنسولين.
وهناك فرق بحثية أخرى، ولكن ليس فى مدينة زويل تعمل على مرض السكرى من النوع الأول، والذى يكون فيه البنكرياس لديه مشكلة فى افراز الأنسولين، حيث يتم الحصول على خلية جذعية من النخاع العظمى وتحويلها إلى خلية بنكرياس تفرز الأنسولين.


ترشيحاتنا