حكايات| «أيقونات» القاهرة الخديوية.. ملائكة ووحوش تحرس وسط البلد

«أيقونات» القاهرة الخديوية.. ملائكة ووحوش تحرس وسط البلد
«أيقونات» القاهرة الخديوية.. ملائكة ووحوش تحرس وسط البلد

في زقاق صغير متفرع من شارع يوسف الجدي بمنطقة وسط البلد ستجد شرفات متواجهة تفصل بينها عدة مترات، يحملهما وجهان يبدوان وكأنهما في صراع أحدهما لوحش والآخر لملاك.

 

برسومات وزخارف، نقشت بدقة على جدران مبانٍيها العتيقة، تحفل الكثير من عمارات «وسط البلد» بلوحات فريدة تظل فنًا قائمًا بذاته يزين واجهات ومداخل المباني، فهنا «وحوش» تقف على أبوابها حارسة، فيما تطل من فوق شرفاتها وجوه «ملائكية» تبتسم للمارة في الشوارع، وكأنها تحكي في صمت قصص فنانين شاركوا في بناء «باريس الشرق».

 

نهضة معمارية حقيقية لم يسبق لها مثيل، شهدتها القاهرة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحديدًا عقب عام 1867، حين زار الخديوي إسماعيل باريس لحضور معرض عالمي، فطلب أن يصطحب معه المخطط الفرنسي هاوسمان لرسم ملامح مدينة القاهرة الخديوية على طراز باريسي، فحولها بمشاركة فنانين بارعين إلى تحفة حضارية تضاهي أجمل مدن العالم.

 

وحوش تحرس البوابات

في رحلتك من بداية «القاهرة الخديوية» التي تمتد من كوبري قصر النيل، وصولا إلى نهايتها في منطقة العتبة، حتمًا سيلفت انتباهك أيقونات فنية مبهرة، فهنا عند تقاطع شارعي يوسف الجندي وهدى شعراوي، تطل «ضباع» من فوق الشرفات والبوابة الرئيسية للمبنى الواقف على الناصية، المنحوتات تلك التي نقشت بدقة بداية من الفكين المفتوحين عن آخرهما والأنياب الحادة وصولا إلى الجسد في وضع الاستعداد لمهاجمة فريسته، كأنها تعلن أن وجودها ليس فقط كتحفة فنية بل لحراسة المبنى الذي تطوق جوانبه الأربعة.

وإذا قادتك قدماك إلى شارع قصر النيل سترى في المباني المتراصة يمينا ويسارًا بديع صنع هؤلاء الفنانين من نقوشات ومنحوتات لوجوه تبدو بملامح بريئة مألوفة «تسر الناظرين»، وبالمرور يسارا عبر شارع «الشواربي» وصولا إلى شارع عدلي، ستقف أمام الطراز المعماري الفريد للمعبد اليهودي، فضلا عن الأيقونات المتراصة عند الجهة الأخرى على واجهتي عمارتين متجاورتين إحداها تحمل وجوها بشرية «ملائكية» وأخرى لحيوانات مفترسة قبل تقاطعه مع شارع محمد فريد.

فراعنة وملائكة

وعند وصولك يسارًا إلى شارع عماد الدين وتحديدًا عند تقاطعه مع نجيب الريحاني، ستجد رأسًا فرعونية تطل من أعلى المبنى المطل على الناصيتين، تحرسها ثعبانين يمينا ويسارًا، وعلى الجهة المقابلة عند ذات التقاطع على بعد خطوات يسارًا، سترى وجوها نسائية تنتصف الشرفة، تعلوها على الجانبين أيقونات لـ«إنسان الغاب»، فيما يطوق المبنى الذي لا يتجاوز ارتفاعه 3 أدوار من جميع اتجاهاته، العشرات من وجوه الأسود، والحال كما هو في المبنى المرافق له.

الأمر لم يختلف كثيرًا عند الاتجاه يسارًا وصولا إلى ميدان عرابي بحي الأزبكية، فترى بوضوح على واجهة المبنى المطل على الشارع والمصمم بشكل نصف دائري يتناسب مع حركة الميدان، 5 وجوه فرعونية متناسقة تعلو شرفات المبنى الخمس المطلة على الميدان، وكذلك عند الاتجاه يمينا، حيث يستقبلك وجه «ملائكي» يعلو الباب الرئيسي لمبنى عتيق عند مدخل شارع التوفيقية.

 

الكثير من الوجوه بتعبيرات مختلفة ستجدها بطول الطريق بالعودة إلى الوراء عند ناصية عماد الدين وتقاطعه مع شارع رمسيس، مرورًا بشارع كلوت بك وحتى الوصول إلى العتبة، حيث يطل 4 ملائكة يحملون الكرة الأرضية في التحفة المعمارية الشهيرة أعلى عمارة «تيرينج».

 

سر «الأرنيفو»

 

«الأرنيفو»، ربما هذه كلمة السر في انتشار تلك «الأيقونات»، بحسب د. سهير حواس، أستاذ العمارة بجامعة القاهرة، فالأحرف الثمانية تشير إلى طراز معماري عرف طريقه إلى عالم الإنشاءات مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والذي عرف بين المعماريين أيضًا باسم «الفن الجديد» وفي ألمانيا عرف باسم «فن الشباب».

 

كان «الأرنيفو» يسمح بالاستفادة من التماثيل والكثير من الزخارف لتأكيد العناصر الإنشائية، فتجد رجلا مفتول العضلات يحمل «شرفة»، أو حيوان مفترس يحرسها من الجانبين، أو حتى وجه امرأة أو جسدها كاملا يطل من أعلاها أو في مدخل العقار وكأنه يرحب بالضيوف.

 

«فن الشباب» دخل مصر على أيدي المعماريين الأجانب الذين جاءوا لتعمير «مدينة الإسماعيلية» – نسبة إلى الخديوي إسماعيل -، إذ تؤكد أستاذ العمارة بجامعة القاهرة، أن من ضمن الاشتراطات التي وضعت وقتها أن يكون البناء على الطرز المعمارية الغربية لتكون القاهرة «باريس الشرق».

تشير د. سهير حواس، إلى أن الأمر لم يتوقف عند مجرد فن معماري سائد، ولكن في تلك الفترة أو العصور التي أنتجت أيقونات الحضارة العمرانية في مصر، كان يشترط قبل البناء تخصيص نسبة محددة من تكلفة المبنى للأعمال الفنية، وبالتالي نجد أغلب مباني منطقة وسط البلد ارتبط تنفيذها بعمل جمالي راقٍ يربط بين العمارة والفن التشكيلي، وهو ما يظهر بوضوح في الكثير من مباني منطقة باب اللوق وشارع  عماد الدين.

 

قوة وجمال من الخيال

 

أسرار اختيارات أشكال محددة يحتفظ بها صناعها، فلم يُعرف بحسب «حواس» سببًا محددًا أو اسمًا لأصحاب الوجوه البشرية التي تزين العمارات، فأغلب تلك الأعمال ربما تكون مرتبطة في ذهن الفنان بشخصيات عايشها في حياته، إذ كان الخيال يلعب دورًا كبيرًا في تنفيذها سواء رموز للقوة أو الجمال من حيوانات أو وجوه ملائكية.

 

«حواس» اختتمت حديثها قائلة: «فكرة إضافة تمثال كانت هي السائدة، ولكن طبيعة تلك (الأيقونة) كانت تترك لخيال الفنان أو المعماري المصمم، حسب فلسفته هو أو حتى الفترة التي أنشئ فيها المبنى، خاصة أن الفترة التي انتشر فيها ذلك الفن والطراز، شهدت تنوع أجيال المعماريين بين شباب وكبار في السن، وكذلك ثقافاتهم بين فرنسا وإيطاليا والنمسا».

 

ترشيحاتنا