حكايات| رضيع سبق أحمد فؤاد إلى حكم مصر.. «عيّل» على العرش

 رضيع سبق أحمد فؤاد إلى حكم مصر
رضيع سبق أحمد فؤاد إلى حكم مصر

ملوك وولاة وسلاطين ورؤساء.. ألقاب سبقت أسماء حكام تعاقبوا على عرش مصر، بعضهم حفر اسمه بأحرف من نور في سجلات تاريخ "المحروسة"، ونُكبت على يد آخرين طمعًا وسفهًا وطغيانًا، فعذبوها وأهلها وأضحكوهم حد البكاء، ليثبتوا أن حكم مصر ليس ترفًا، وبين هؤلاء وأولئك توقف التاريخ قليلاً ليشهد العديد من الظواهر الغريبة والطريفة في عصر الدولة المملوكية.


في العصر المملوكي الذي امتد طوال 267 عامًا، تعاقب على الحكم فيها نحو 53 حاكمًا، بينهم أطفال اعتلوا العرش ما يزيد عن نصف قرن، إذ كان السلطان يستخلف ابنه على عرشه حتى ولو كان لم يبلغ الحُلم، وبعد وفاته يحكم طفله نحو عام أو عامين.


عيّل على العرش
نحو 17 طفلاً تولوا "عرش" مصر على امتداد الحكم المملوكي، منهم 6 تقل أعمارهم عن العاشرة، فيما لم تتخطى أعمار الباقين 16 عامًا، لكن واحدًا منهم جلس على العرش رضيعًا وعمره لا يتعدى 20 شهرًا.


السلطان الملك المظفر أبو السعادات أحمد، ابن السلطان الملك المؤيد شيخ، خامس سلاطين دولة المماليك البرجية (الجراكسة)، تسلطن يوم مات والده عام 824 هجرية 1421 ميلادية، وكان عمره يوم بويع بالمُلك وجلس على سرير السلطنة سنة و8 أشهر و7 أيام، ليكون بذلك أول "رضيع" يسبق الأمير أحمد فؤاد طفل الملك فاروق إلى عرش مصر، والذي استمر ملكًا رضيعًا تحت الوصاية حتى إعلان قيام الجمهورية في 18 يونيو 1953.


في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، يروي المؤرخ المصري جمال الدين ابن تغري بردي، سيرة أصغر "عيال" المماليك جلوسًا على العرش وحكاية مبايعته وتنصيبه، فبعد وفاة والده طُلب الصغير من الحريم السلطانية فأخرجوه لمبايعته بالسلطنة، فألبسوه ملابس السلطان وركب الفرس، وبدأوا يجوبون به الشوارع، ورغم اعتراض البلاد على جلوس رضيع على عرش السلطنة، إلا أن الأمير "ططر" استمر في إتمام مراسم تنصيب السلطان "الرضيع".


تنصيب على حجر المرضعة
مراسم التنصيب شهدت واقعتين طريفتين بطلهما بالتأكيد السلطان الطفل، الأولى حين خرجوا به إلى الشارع "ممتطيًا جواده" وفي تلك الأثناء هال الصغير ما كان يجري حوله من الغوغاء وشدة الحركة فعلى صوت بكائه، فبدأ من يسير حوله من الأمراء يشاغله بالكلام ويلاطفه باللعب الصغيرة حتى يسكت، فرغم أنه في طريق مبايعته للسلطنة إلا أن براءة الطفولة كانت هي المسيطر الأول على الموقف.


الواقعة الثانية الأكثر طرافة، ذكرها "ابن إياس" في "بدائع الزهور"، وكانت عندما وصل الرضيع إلى القصر السلطاني بالقلعة وأنزل من على فرسه، وحُمل إلى سرير الملك فظل يبكي لأن مرضعته لم تكن بجواره، فاستدعوها، فجلس في حجرها، وكانت العادة إذا تسلطن السلطان وجلس على سرير الملك في القصر الكبير، تدق الكوسات في القصر، وعندما سمع الصوت اضطرب الملك المظفر اضطرابًا شديدًا وأغمى عليه، وأصيب بحول في عينيه جراء ذلك ظل ملازمًا له طوال حياته.


الأمير ططر "لا لا" السلطان
المراسم انتهت بحضور الخليفة "المعتضد بالله"، الذي عارض تنصيب الرضيع لصغر سنه في البداية، ولكن تعصب مماليك الملك المؤيد شيخ لسلطنة ابن أستاذهم، وكانوا آنذاك 5 آلاف من المؤيدين، حالوا دون رفض المبايعة، فقالوا: "الأمير ططر يكون مدبر المملكة إلى أن يحضر الأمير الكبير الأتابكي الطنبغا القرمشي"، فما كان من الخليفة إلا المبايعة، فسلطنوه ولقبوه بالملك المظفر.


في تلك الأثناء، جرت العادة أن يكون الأمير الكبير أتابك العساكر –قائد الجيش- يكون هو الوصي على السلطان إذا كان صغيرًا لم يبلغ الحلم، وغالبًا ما كان الأمير الكبير يتزوج من والدة السلطان الصغير، ويكون "لا لا" له أي مربيًا، وهو الدور الذي لعبه الأمير ططر، الذي كان يحكم من خلف الستار.
قبل دفن الملك المؤيد، دبر "ططر" أمره مع الأمراء، وقبض على أمير السلاح قجقار القردمي، بمعاونة أكابر المماليك، فخشيت الناس وقوع فتنة، ولكن الأمر مر بسلام لعدم وجود حاشية لـ"القردمي" إذ كان أحد المماليك ليس له خشداشية –أي مماليك ينتمون إلى الأمير أو السلطان- وصبيحة يوم الوفاة أُجُلس الملك المظفر على مرتبة السلطنة، وتبادل كلا من "ططر" والأمير "تنبك العلائي ميق" المعزول عن نيابة الشام، تقديم كل منهما للآخر للجلوس على يمين السلطان مكان الأمير الكبير الطنبغا القرمشي، وثلاثتهم أسند إليهم "الملك المؤيد" تدبير أمور مملكة ولده، واستقر بهما الجلوس "ططر" على يمين السلطان مكان الأمير الذي كان قد توجه إلى الشام قبل ذلك بأشهر، وعلى يساره تنبك ميق، في حضور الأمراء.


وبعدما استقر بهم الجلوس، بدأ ناظر الجيش في قراءة كتابه بين يدي السلطان، ولما لم يجد مجيبًا سكت، وعرض "ططر" على "تنبك" الحديث، قائلاً: "أنت أغاتنا، وأكبرنا سنًا ومقامًا، ويجب أن تكون أنت مدبر المملكة ونحن في طاعتك"، فامتنع الأخير وأشار إلى "ططر" بأن يكون هو مدبر المملكة والقائم على أمورها، وهو ما قابله جميع من حضر من الأمراء بالقبول، فامتنع "ططر" قليلاً حتى ألحوا عليه وقبل الأمر، ليستتب أمره بتعيينه "لا لا" السلطان الملك المظفر أحمد، ومدبر أمر مملكته، وانفض المجلس، وأعيد السلطان الرضيع إلى والدته في الحريم السلطاني.


قبضة حديدية
ولما استقر الأمر للأمير "ططر" وسكن قلعة الجبل، بدأ في إصدار مراسيمه بكتابة خبر موت الملك المؤيد، وسلطنة نجله الملك المظفر أحمد، وأرسله إلى الأقطار، ثم تبعه بالعديد من أوامر التخلص من الأمراء المعارضين بخلعهم من مناصبهم، وكانت المراسيم تصدر بتوقيع السلطان الملك المظفر أحمد، إذ كان يمسك "ططر" بيده وفيها قلم "العلامة" –وهو القلم الذي يوقع فيه السلطان على المناشير والمراسيم- وبدأ في توقيع المراسيم والأوامر بحضور الأمراء وأرباب الدولة.


واستمر "ططر" في تثبيت قبضته على الديار المصرية، قبل أن يأتيه خبر عزم الأمير الكبير الطنبغا القرمشي، المجيء إلى مصر بعدما ورد إليه نبأ موت "المؤيد" ليقوم بواجبه في تدبير أمور المملكة كما عهد إليه السلطان قبل وفاته، فأرسل إليه "ططر" بما استقر عليه الأمراء والخليفة وعهدهم إليه بتدبير أمور المملكة، وبعدها عين الأمير تنبك ميق العلائي لقيادة الجيش عوضا عن "الطنبغا"، وجهز للسفر إلى دمشق، وأول ما فعله عقب وصوله هو سجن "الطنبغا" رغم ولاءه بالطاعة له والسلطان الملك المظفر أحمد.


قتله الطاعون
تزوج "ططر" من خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش، أم السلطان الطفل، وبعد الكثير من المعارك التي خاضها في حلب واستتباب الأمر كله بين يديه، عزم على خلع السلطان الصغير بموافقة جميع الأمراء، وفي يوم 29 شعبان من العام 824 هجرية، نفذ خطته وأدخله إلى أمه، ثم طلقها بعد ذلك، وبعد عودتهم إلى قلعة الجبل أرسله هو وأخوه الأصغر إبراهيم في الإسكندرية، وسجنا بها إلى أن مات الملك المظفر بالطاعون عام 833 هجرية، وعمره نحو 9 سنوات تقريبًا، في سلطنة الملك الأشرف برسباي.


دفن "أحمد بن المؤيد" في الإسكندرية، ومعها شقيقه الذي مات هو الآخر بنفس المرض، قبل أن تنقل جثتيهما إلى القاهرة ودُفنا أسفل قبة جامع المؤيدي داخل باب زويلة، وكانت مدة سلطنته من يوم جلوسه على سرير الملك وحتى خلعه 7 أشهر و20 يومًا، ولم يكن للملك المظفر أي تأثير في السلطنة لتشكر أفعاله أو تذم، لعدم تحكمه في الدولة وأيضا لصغر سنه، فلم ينبه من السلطنة غير "الحوّل" الذي أصاب عينيه.

ترشيحاتنا