تحقيق| الإعلانات المخالفة.. خطر فوق الرؤوس!

اللافتات المخالفة تعرض حياة السكان للخطر
اللافتات المخالفة تعرض حياة السكان للخطر

لافتات على أسطح العمارات وزنها مئات الأطنان تنذر بالموت وتتحدى القانون


الأهالى: أرواحنا مهددة.. ونعانى من جشع الملاك


خبير تنمية محلية: القانون فى غيبوبة.. واللامركزية هى الحل


البرلمان: توضع بدون تراخيص.. ونحتاج إلى قانون جديد

 

كتل حديدية ضخمة تحمل إعلانات تجارية مختلفة، تعتلى أسطح عدد كبير من الأبنية والعقارات السكنية المتهالكة.

 

مشهد يسيطر على أغلب المناطق الحيوية بالقاهرة والجيزة بشكل يهدد حياة الكثير من المواطنين من ساكنى هذه العقارات، بعد أن زادت الأحمال عن الوزن الذى تستطيع تلك البنايات تحملها، فى ظل غياب كبير من الجهات والهيئات المعنية بالتصدى لملاك العقارات ممن لا يهتمون سوى بتحصيل الأموال من الشركات المعلنة، بعد أن أصبحت تتهافت عليهم نظراً لوقوع عقاراتهم فى مواقع متميزة.

 

وما زاد الأمر سوءاً هو وصول تلك الإعلانات لأسطح الأبنية التاريخية المنتشرة بمناطق مختلفة بالقاهرة متحدية قرارات إزالتها عن هذا النوع من الأبنية.

 

ومن هنا أجرت «الأخبار» جولة ميدانية لرصد مخالفات بعض المبانى والعقارات المتهالكة التى تضع كتلا إعلانية تهدد حياة السكان وأهالى المنطقة وواجهت المسئولين فى سطور هذا التحقيق.

 

البداية كانت من منطقة الفجالة بمحافظة القاهرة، تلك المنطقة المكتظة دائمة بالسكان وتدب بها الحركة طوال اليوم، فتعد واحدة من المناطق العتيقة بالقاهرة كما انها المركز الأول لتجارة الكتب الدراسية والمستلزمات المدرسية مما يجعلها من أكثر المناطق حيوية.

 

المبانى يظهر عليها عبق التاريخ ويبدو عليها التهالك، التشققات والطلاء المتساقط يتصدر المشهد، ومع ذلك إذا رفعت رأسك قليلا للأعلى تجد العديد من الكتل الحديدية الضخمة تحمل إعلانات تجارية يمكن أن يصل حجمها لأطنان، لتجد نفسك تتساءل كيف يمكن ان يتحمل هذا المبنى القديم أطنان الإعلانات، وإلى متى سيظل صامدا.


طابع تاريخي


جالسا أمام محال تجارى يباشر عملية البيع والشراء، يقول سمير عبد الفتاح رئيس اتحاد شاغلىن بمنطقة الفجالة، أن وضع الإعلانات الضخمة فوق المبانى بالمنطقة أمرا لطالما شكا منه كل القاطنين بالمنطقة، نظرا لأنه يشكل خطرا كبيرا على حياة المواطنين، وعلى الرغم من منع القانون لهذا الأمر باعتبار العقارات بالمنطقة ذات طابع تاريخي، إلا أن القانون لا يتم تطبيقه، ويتابع ان هناك قرارا صدر من قبل بإزالة الاعلانات من أسطح عدد من تلك المبانى ولم يتم تنفيذه حتى الآن.


ويضيف عبد الفتاح أن مالكى العقارات لاينظرون لمصلحة الساكن أو يحرصون على حياته، وإنما كل ما يشغل بالهم هو جمع الأموال وتحقيق أكبر استفادة مادية ممكنة من العقار، فيمكن أن يصل سعر الإعلان إلى 800 ألف جنيه واحيانا مليون جنيه، وهو مايمثل عرضا لايمكن رفضه من قبل صاحب المنزل.

 

يلتقط طرف الحديث إمام إسماعيل، أحد ساكنى المنطقة، ويؤكد أن المبالغ الضخمة التى تعود على مالك العقار نظير وضع الإعلان تجعله يقبل بالتأكيد لأنه لن يستفاد ماديا من المنزل القديم المتهالك ولذلك يلجأ لطرق أخرى مثل وضع الإعلانات..ويشير إلى أن هناك البعض من مالكى المنازل هم من يقومون بالبحث عن المعلن لوضع الإعلانات على أسطح منازلهم حتى يجنوا مالا وفيرا، ويتابع أن هذه الكتل الضخمة يمكن أن تسبب بالتأكيد انهيار العقار، لأن هذه المنازل قديمة والأسس الخاصة بها ضعيفة حيث تم الاعتماد على الألواح الخشبية فى وضع الأساسات مما يجعلها غير مدعومة ولا تتحمل هذه الأحجام الضخمة.


ويناشد إسماعيل المسئولين بضرورة تشكيل لجنة هندسية لفحص ودراسة الوضع، وإزالة المخالفات حتى لا تحدث كارثة لا يحمد عقباها.


أرواح السكان


لم يختلف الأمر كثيرا فى منطقة وسط البلد، من حيث انتشار الكتل الإعلانية الضخمة على أسطح منازل تعانى من ويلات الزمن، فلا تكاد تنهى أحد الشوارع حتى تصادف منزلا من عدة طوابق، له باب خشبى قديم، يضم عددا قليلا من السكان، وعلى سطحه كتلة حديدية ضخمة تحمل لوحة إعلانية لاحدى المنتجات الشهيرة.


تجولنا بالمنطة لرصد هذه المخالفات وفى طريقنا تحدثنا مع عدد من السكان فيقول محمد أبو المجد،أحد سكان المنطقة، وعلى وجهه علامات الضيق والتعجب أنه تفاجأ منذ 4 سنوات بوضع إعلان على سطح المنزل الذى يقيم به مع أسرته، وعلى الفور تحدث مع مالك العقار والذى أكد أن الإعلان ليس له خطورة على سلامة المنزل وانه بكونه مالكا للعقار فيحق له التصرف كما يشاء طالما لن يقع أذى على أرواح ساكنيه.

 

ويضيف أن هناك حالة من التخوف لدى السكان نظرا لحالة المنزل القديمة، والتى يمكن مع الاحوال الجوية الصعبة أو أى هزة أرضية ان تحدث كارثة تودى بحياة الكثيرين.


ويقول عبد الغنى إبراهيم مالك إحدى العقارات بالمنطقة، أن منزله لايحمل إعلانات، لكن إذا عرض عليه وضع إعلان فوق سطح المنزل سيوافق بالتأكيد بعد أخذ الموافقات اللازمة، ويضيف أن مالك العقار سيكون حريصا كل الحرص على سلامة منزله وحقه، ولا يمكن ان يقبل على خطوة من الممكن ان تعرضه للانهيار، كما أن الحفاظ على أرواح السكان يتحمل مسئوليتها مالك المنزل أيضا.

 

ويضيف ان صاحب العقار خاصة القديم يعانى من مسألة الإيجار القديم، فلا يستفيد ماديا من المنزل، ولذلك لايمانع القبول بالاستفادة المادية من الاعلانات طالما لن تضر بمنزله، وهو أمر مقبول ولا توجد به مشكلة على حد قوله.


معايير وضوابط


من جانبه يعلق حمدى عرفة، خبير التنمية المحلية، بأن الاعلانات التى انتشرت فى الفترة الأخيرة يوجد لديها أكثر من جهة مسئولة عنها ـفهناك الاعلانات المنتشرة على الطرق السريعة تكون هيئة الطرق والكبارى هى المسئولة عنها، أما الاعلانات التى توجد فى المدن العشوائية والجديدة تكون إدارة الهيئات والمحافظات والمحليات هى المسئولة عنها، موضحًا أن هناك عددا كبيرا من الاعلانات انتشر فوق المبانى السكنية المتهالكة داخل مناطق عشوائية عديدة دون وجود رقيب، مع العلم أن معظم تلك الاعلانات تكون غير مرخصة.


ويؤكد عرفة أن قانون 119 لسنة 2008 من المادة 26 حتى المادة 37 والذى يطلق عليه «قانون البناء الموحد» ينظم من خلاله مسألة وجود الاعلان فوق المبانى من حيث شكل الاعلان ووزنه والالوان المستخدمة فيه، فكان من المفترض أن يتم تطبيق هذا القانون بكل مواده ويتم توقيع مخالفة مادية على صاحب العقار، ولكنه لايطبق، لذا على الدولة إنشاء جهة واحدة تابعة لكل محافظ ويتم من خلالها تنظيم الاعلانات التى انتشرت بشكل مخيف مما يؤدى ذلك إلى إلحاق الأذى بالساكن.


ويضيف محمد موسي، رئيس حى العمرانية السابق، أن مشكلة الإعلانات على المبانى القديمة قائمة بالفعل بشكل يمثل خطورة على حياة المواطن، ويؤكد أن المسئول عن هذا الأمر هى إدارة الإعلانات التابعة للمحافظة، ويكون رئيس الحى مكتوف الأيدى عن هذه المشكلة فى ظل وجود اللامركزية التى تسيطر على الجهاز الإدارى للدولة.


ويؤكد أن من يريد وضع إعلانات فوق سطح منزله عليه أولا أخذ الموافقة من لجنة المحافظة والتى من المفترض ان تقوم بإرسال لجنة لفحص ومعاينة المنزل، ولكن هناك من يضع الاعلانات بدون أخذ تصاريح، ولذلك لابد من تشديد الرقابة على مثل هذه العقارات المخالفة حتى لا يتعرض المواطنون للأذى.


قابلة للسقوط


من جانبه يوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن الأمر له جانب اقتصادى كبير، فالبيوت القديمة إيجارتها منخفضة للغاية، لذا فإن صاحب العقار يوافق على وجود إعلان فوق المبنى السكنى ليدخل له إيراد إضافي، وبالتالى الاعلانات تعوضه عن الايجار المنخفض من الساكن، مضيفًا أن صاحب العمارة يقوم باستغلال الاعلانات التى تأتى إليه من شركات تجارية كبرى والتى يستفيد منها بنسبة 50 أو 60 ضعف المبلغ الذى يتقضاه صاحب المبنى من الساكن لذلك لا يلتفت لمصلحة المواطن بل يقوم بالبحث عن مصلحتة الشخصية أولاً.


ويضيف رشاد عبده، أن إيراد الاعلان الواحد يبدأ من 10 الاف فأكثر حسب موقع المبنى السكنى، أما من جهة انهيار المبنى فهو ممن مصلحة صاحب السكن حتى يتمكن من بيعه حسب السعر الحالى لذلك لا يهتم بانهيار العقار بسبب الكتل الإعلانية الضخمة من عدمه.

 

ويوضح قائلا» المالك ميهموش مصلحة الساكن الغلبان اللى بيدفعله إيجار 3 أو 4 جنيهات»، ولذلك يجب على الدولة الاهتمام بهؤلاء المواطنين البسطاء من خلال تجديد المبانى السكنية المتهالكة القابلة للسقوط من خلال وجود صيانة بشكل دورى لهذه المبانى والذى يرفض صاحبها القيام بها لعدم موافقته على دفع مصاريف غالية لتصليح العمارة.

 

بالاضافة إلى قيامهم بتزويد عدد أدوار العمارة فعلى سبيل المثال إذا كان العقار مقررا به ثلاثة أدوار فقط فمن الممكن عندما تراها الان فى حدود 11 دورا مما يشكل عبئا على الأساس التى كان من المفترض أنه يسمح بثلاثة أدوار فقط وليس أكثر من ذلك.


قيد البحث


من منطلق ضرورة تكاتف كافة جهات الدولة للتصدى لهذة الظاهرة، يشير علاء والي، رئيس لجنة الاسكان بالبرلمان، إلى أن هناك قانونا قدمته الحكومة للبرلمان بهذا الشأن إلا أنه قيد البحث، ويوضح أن هذا القانون يفيد منع تواجد الاعلانات نهائيًا فوق المبانى السكنية إلا إذا كان هناك تصريح من الحى يؤكد بأن المبنى السكنى يصلح بوضع إعلان مهما كان وزنه، فهذا القانون سيتم تقديمه فى البرلمان خلال دور الانعقاد الثالث.


ويؤكد والي، أنه سيتم الانتهاء منه قريبًا حتى يتم تطبيقه فى أسرع وقت قبل وقوع كوارث لهذه المبانى السكنية والقضاء بشكل نهائى على جشع أصحاب تلك العمارات.


ومن جانبه يوضح ممدوح الحسينى، أحد أعضاء لجنة الادارة المحلية بالبرلمان، أنه لايمكن وضع أى إعلان على المبانى السكنية إلا من خلال تراخيص، ولكن كل الاعلانات المتواجدة فوق المبانى السكنية المتهالكة تعد بالتأكيد بدون تصاريح.


ويؤكد أن كل ما يؤدى إلى انهيار مبنى أو تلفه يعاقب عليه القانون بشكل واضح وصريح، لذا يجب أن يكون هناك تشريع واضح لقانون يجرم وجود إعلانات نهائيًا فوق المبانى السكنية مما يضر بمصلحة المواطن.


ويوضح أنه على جميع الجهات المعنية تشديد الإجراءات لمنع وجود الاعلانات فوق المبانى السكنية المتهالكة والتكاتف من أجل الوقوف ضد أصحاب تلك المبانى الذى يغيب عنهم الضمير ولايهمهم مصلحة المواطن بل مصلحتهم الشخصية فقط.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم