خادم القوم ليس دائماً «سيدهم»| عاملات المنازل.. مهنة بلا حقوق!

عاملات المنازل يعملن في ظروف صعبة يغيب عنها القانون - تصوير كريم فاروق إبراهيم
عاملات المنازل يعملن في ظروف صعبة يغيب عنها القانون - تصوير كريم فاروق إبراهيم

- يتعرضن للعنف اللفظى والجسدى.. و«القومى للمرأة» يناقش مشروعاً لحمايتهن
- «عفاف» هربت جريحة من منزل سيدة.. و«أسماء» تعرضت للضرب ومنع راتبها


نظرات المجتمع لمهنتهن تنتقص من قيمتهن.. وغياب قانون فاعل لتنظيم عملهن يعرضهن للعنف والاستغلال، إنهن عاملات المنازل اللاتى يخرجن من بيوتهن بحثا عن لقمة العيش وتأمين حياة كريمة لأبنائهن، يتحملن سوء المعاملة والنظرة السلبية بسبب عملهن فى البيوت، بعضهن يتعرضن لابشع صور العنف اللفظى والجسدى والإهانة.. والبعض الاخر يتعرضن للتحرش والاعتداء الجنسى ، وخدش الحياء ، ومنهن يتم تعذيبهن وضربهن ضربا مبرحا لسبب او لاخر ، ومنهن من يزج به فى السجون بسبب اتهامات - منها الحقيقى ومنها الملفق من رب المنزل.. كل ما يتعرضن له بسبب عدم وجود إطار قانونى يحميهن وينظم مهنتهن، مما دفع المجلس القومى للمرأة إلى المبادرة بإطلاق بارقة أمل لهذه الفئة المضطهدة ، ومناقشة مشروع قانون لحماية عاملات المنازل استعداداً لطرحه على البرلمان، بهدف توفير مظلة أمان لتلك المهنة التى ظلت مهمشة سنوات طويلة.


«الأخبار» تفتح ملف معاناة عاملات المنازل والمشاكل اللاتى يتعرضن لها، وناقشت الخبراء حول أهمية وجود قانون ينظم تلك المهنة والضمانات التى يكفلها لحماية حقوق العاملة وأصحاب المنازل.

تبدأ يومها مع أذان الفجر ، تهرول داخل غرفتها الصغيرة لإنجاز مهام أمومتها لتلبية ابسط احتياجات أبنائها.. تتركهم بعد ذلك بمفردهم والخروج إلى البحث عن لقمة العيش، تسرع فى خطواتها لتخرج من باب منزلها.. كل ما يشغل تفكيرها ان تلحق بمكان فى الميكروباص الذى ينقلها من منطقة الاباجية إلى حى المعادى الراقى حيث الفيلات الفارهة والتى تقوم بالخدمة بها.


«ام حسين» مثل المئات من السيدات اللاتى يعملن لمحاولة توفير لقمة عيش ومتطلبات الحياة الكريمة لها ولأسرتها،ارتابها الخجل عند التحدث عن عملها وطلبت عدم تصويرها حيث انها تخفى طبيعة عملها عن أبنائها خوفا على مشاعرهم امام زملائهم..


تعمل «أم حسين» فى خدمة المنازل منذ 10 سنوات بعد وفاة زوجها الذى كان يعمل ارزقى باليومية وترك لها ابنهم الأكبر واخيه الرضيع ، ضاقت بها الحال وعرضت عليها إحدى جاراتها العمل لدى سيدة تحتاج لخادمة فى منزلها، ومنذ ذلك الحين وهى تعمل لديهم وتقوم بتنظيف الغرف وترتيب الاغراض ، بالاضافة إلى شراء الطعام واعداده، وأكدت ان مهنة الخادمة فى حد ذاتها متعبة و»تكسر الحيل»، وتحتاج منها ان تكون نشيطة وسريعة فى حركاتها لتلبية كل متطلبات افراد المنزل.


وأضافت انه رغم أن عائد عملها يكفيها لتوفير متطلبات أبنائها البسيطة، ولكن لها عيوب متعددة ، فهى لا تتمتع بتأمين صحى او اجتماعى ،وليس لديها اجازات حتى عند المرض، بالاضافة إلى عدم وجود إطار قانونى يحميها اذا وقع عليها ظلم او تعدى لفظى او جسدى من قبل اصحاب المنزل.


«محدش من أهلى عارف انى بأشتغل فى بيوت».. بهذه الجملة بدأت منى تروى قصتها مع العمل داخل المنازل لتقول بدأت العمل منذ اكثر من 6 سنوات بسبب تراكم الديون على زوجها عقب طرده من المحل الذى كان يعمل به، وأصبحوا محاطين بالالتزامات والضغوط ومصاريف أبنائهم، وبدلا من أن يزج زوجها فى السجن بسبب ديونه قررت منى أن أقف بجانبه لحماية أسرتها من الضياع وقررت العمل فى المنازل.
وقالت تحدثت إلى شقيقتى التى امتهنت هذه المهنة منذ عدة سنوات وطلبت منها أن تبحث لى عن اسرة اعمل لديها واشترطت عليها الا تخبر أحدا من الاسرة أو الجيران لأن الاغلبية تنظر إلى هذه المهنة على انها عمل متدن ولا ينظرون إلى الاسباب التى دفعتنا إلى اللجوء اليه،و بالفعل عملت لدى العديد من الأسر وكان سبب تركى لأغلبها بسبب المعاملة السيئة ما بين الفاظ جارحة ومعاملة سيئة واحيانا عنف قد يصل إلى الضرب،و من الصعب جدا ان ترتاح لأسرة وتأخذ قرارًا بالاستمرار فى العمل لديها.


وتضيف اذا تم تطبيق قانون لحماية العاملات بالمنازل وتنظيم مهنتهم، سيحفظ ذلك كرامتى وسأعلن للجميع انى عاملة فى المنازل لأنى وقتها سأشعر أنها مهنة كباقى المهن تضمن حقوقى.


ضرب وإهانة


«اكره كلمة خادمة»..بلهجة غاضبة تحدثت اسماء غريب عن مهنتها لتقول انا ام لخمسة أطفال تركنى زوجى دون اى أسباب وترك لى تركة ثقيلة من المسئولية فأنا مضطرة يوميًا إلى تأمين قوت يومهم ومصاريف مدارسهم،عملت بائعة فى احد الاسواق حتى طلبت منى احدى الزبائن ان أقوم بخدمتها فى منزلها وبالفعل وجدت العائد المادى مجزيًا واستمريت فى العمل لديها قرابة العام وفى احدى المرات وقعت مشكلة بينى وصاحبة المنزل كانت نتيجتها انها امتنعت عن اعطائى راتبى الشهرى رغم محاولاتى المستمرة معها ان أحصل على النقود من اجل ابنائى الا انها رفضت منحى اياها ولم تكتف بذلك بل تعدت على بالضرب أيضا وكانت دائما ما تنعتنى بكلمة «خادمة» وكانها سبة أو أهانة حتى جعلتنى اكره هذه الكلمة.


حزن ودموع


كان نفسى من زمان اعرف اخد حقى.. بهذه الكلمات عبرت عفاف عطية عن سعادتها فى التفكير بإصدار قانون لحماية عاملات المنازل، وقالت «العمل فى المنازل ليس سهلاً، فكما يحب أصحاب المنازل باختيار عاملة أمينة ونظيفة وبها المواصفات التى يختارونها فيها،نحن أيضا كعاملات لنا مواصفات لخدمة الأسر ولكن الظروف تجبرنا على عدم تطبيقها واختيار اى أسرة من أجل لقمة العيش.


«لن انسى ما حدث لى ولشقيقتى» ..بنبرة حزن ودموع روت عفاف أزمتها أثناء عملها فى أحد البيوت،وقالت «تعرفنا إلى سيدة كانت تحتاج إلى عاملات فعرضنا ان نعمل لديها ووافقت ولكن قررنا بعد فترة ان نتركها بسبب سوء معاملتها هى وابنتها فدائما ما كانت تستخدم الالفاظ البذيئة وأوقات اخرى العنف حتى اصابتنى بجروح فى احدى المرات ونجوت من بين يديها وشقيقيتى بأعجوبة».

 

«تأمين صحى واجتماعى»


قام المجلس القومى للمرأة برئاسة الدكتورة مايا مرسى بإعداد مشروع قانون للعاملات فى المنازل يهدف إلى تأمين حياة تلك الشريحة وحصولهن على حقوقهن الإنسانية والمهنية.


وأكدت د. مايا مرسى، ان هناك جهودا مكثفة يتم عملها لدعم عاملات المنازل ، فتم عقد جلسات عمل بين المجلس وكل من مصلحة الاحوال المدنية بوزارة الداخلية ، ليتم إدراج المهنة ضمن المهن المرخصة بموجب قرار وزارة القوى العاملة مثل (جليسة أطفال-مديرة منزل-جليسة مريض-رعاية عجز-رعاية ذوى احتياجات-طاهى-معاون منزلي).. وأضافت انه يتم التواصل مع وزارة القوى العاملة لإصدار تراخيص لمزاولة المهنة بموجبه يتم تثبيت المهنة ببطاقة الرقم القومى ليسهل على العاملة التأمين على نفسها للحصول على معاش بحد أدنى 500 جنيه بقسط شهرى 35 جنيهًا..وأوضحت أن التعاون مع وزارة التضامن الاجتماعى يسهل التأمين على تلك الفئة بناء على طلب العاملة لعمل تأمين شخصى لها وتقوم العاملة بتسديد قيمة اقساطه شهريا، واشارت إلى ان هدف المجلس هو حماية هذه الفئة والقضاء على استغلالهن فى ارتكاب الجرائم، وطالب المجلس بتقنين وضعهن وتوفير الغطاء القانونى والتأمينى المناسب لهن.

 

حقوقيون: لا يوجد نص قانونى ينظم عملهن وإنشاء نقابة مهنية ضرورة

 

مهنة غير مسجلة بالإحصائيات أصحابها مهمشين يبحثون عن حقوقهم، ومظلة لتحميهم من العنف والاستغلال والاضطهاد المجتمعى، وضمان توفير بيئة عمل مناسبة تراعى حقوق الانسان.


أكدت إنتصار السعيد رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون عدم وجود إحصائية كاملة وحقيقية لتعداد عاملات المنازل فى مصر وليس لديهن كيان إدارى مستقل بذاته يدافع عنهن او عن حقوقهن بالاضافة إلى انعدام وجود نص قانونى ينظم عملهن او يحميهن من بطش اصحاب المنازل فى مصر.


واوضحت ان مهنة عاملة المنزل لابد من ادراجها تحت بند المهن الخطرة فقد تسقط اثناء اداء عملها بإحدى الشرفات او من أعلى السلم اثناء تنظيف الاسقف وتلقى حتفها ، وحينئذ لن يكون لديها اى حقوق بل انه سيعتبر حادثا عارضا ، ولن يتم اتخاذ اى إجراءات قانونية ضد صاحبة المنزل.


واضافت ان العاملة قد تتعرض لمضايقات من جانب اعضاء الاسرة التى تعمل لديهم ، او يتم التعدى عليها بالضرب او التعذيب او الاغتصاب وما إلى ذلك من اشكال انتهاك لحقوق الانسانية، واذا لم يثبت الفعل بشكل قانونى ويكون مسجلا ومصورا فلا يمكن اتهام اهل اصحاب المنزل بأى تهمة، وأشارت إلى ضرورة إعداد مشروع قانون وتشريعات تخص العاملات بالمنازل بالاضافة إلى إنشاء هيئة مختصة بشئونهم ليكون لديهم إطار قانونى واضح ، بالاضافة إلى عمل نقابة تختص بتنظيم عملهن والمطالبة بحقوقهم والوقوف على متطلباتهن العملية.


وأكد الدكتور صلاح سالم عضو المجلس القومى لحقوق الانسان ان هناك العديد من الشكاوى والحوادث التى يتعرضن لهن العاملات بسبب عملهن فى المنازل وتعرضهن للعنف اللفظى او الجسدى على يد أصحاب المنازل وهذا القانون سيكون بمثابة مظلة امان لهن خاصة ان هذا العمل هامشى وغير مسجلة العمالة به وليس ليدهن تأمينات او ضمانات.


وأوضح وجوب تنظيم عملهن من خلال مكاتب تشغيل معينة تابعة لجهات مسئولة مرخصة ويكون هناك جهاز يقوم بمراقبة اداء هذه المكاتب حتى لا يحدث بها خلل وليجد العاملات مكانا يقصدونه فى حال وجود شكاوى وحتى لا يستطيع احد ان يستغلهم بشكل غير صحيح.

خبراء علم النفس والاجتماع: مشروع القانون يحمى هذه الفئة ويردلها حقوقها 

مهنة عاملات المنازل، عالم ملىء بالعديد من المشاكل والأسرار المحتجزة خلف الأبواب المغلقة، كثير منهن تعرضن للإساءة والعنف الجسدى واللفظى من أصحاب المنازل دون ان يستطعن ان يحصلن على حقوقهن،مما ينعكس سلباً على نفسيتهن وسلوكهن داخل المجتمع.. الأخبار ناقشت خبراء علم النفس والاجتماع حول نظرة المجتمع لعاملات المنازل وتأثير تعرضهم للاضطهاد والعنف على سلوكياتهم ونظرتهم للمجتمع.
فى البداية أكد د. حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بجامعة عين شمس، أن أى فئة من فئات المجتمع يجب أن يكون لها جهة مسئولة عن حمايتها، وتوفير المساعدة الكاملة لها، فذلك يشعرهم بأنهم جزء من المجتمع، وان حقوقهم لن تضيع وبذلك يستطيعون الاستناد إلى جهة معينة تمكنهم من نيل حقوقهم كاملة دون الشعور بالعجز أمام ما يلاقونه من اعتداءات، ويجب التنويه على أن مجموعة من الأشخاص الذين يستخدمون هؤلاء الخدم فى البيوت من أجل أغراض غير الأعمال المنزلية.
وفى نفس السياق أكد د.ماهر الضبع، أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية،أن ظروف الحياة الاقتصادية الصعبة، أدت إلى خروج المرأة إلى العمل وأصبحت الأعمال المنزلية عبئاً كبيراً عليها فلجأت إلى الخادمة، لكن غياب المراقبة خاصة فى تربية الأطفال يدق ناقوس الخطر، فلا خادمة تعتنى بطفل مثل أمه، إذ يجب عليها متابعتها وترك لها بعض الأدوار البسيطة مثل إطعامه أو نظافته تحت إشرافها المباشر، فليس من المنطقى أن تترك الأم الطفل ينشأ على أيدى امرأة بمثل هذه الظروف لتؤثّر فى تكوين عقله وشخصيته، ومن الكوارث أيضاً التى تنشأ عن تربية الخادمات للأطفال إساءة استعمال الطفل من حيث العاطفة وإساءة المعاملة الجنسية سواء كان ذكراً أو أنثى، مما يترك أثراً نفسياً عنيفاً لدى الطفل عند الكبر.
وأضاف أن التباعد الاجتماعى والمادى وعدم التواصل بين الخادمة وربة المنزل يولّدان نوعاً من المقارنة الطبيعية بينها وبين أهل البيت، فيدفعها حقدها إلى جرائم لا يصدقها عقل فى ظل غياب الوازع الدينى وضعف التعليم وبالطبع الفقر وضعف معدّلات الدخل، خاصة أن هذه الفئة أكثر حساسية لشعور الخادمات بفرق المستويات، فتكتم الخادمة غضبها وهنا يكمن الخطر الذى قد ينفجر بحادث بشع فى أى وقت.
واكدت د.سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن مشروع القانون خطوة إيجابية فى حال تم تطبيقه، لأنه سيرد حقوق العاملين بالمنازل، وستشعر هذه الفئة بالتحسن وأن هناك من يحميها ويرد لها حقوقها التى ضاعت لفترة طويلة، وأنه لن يتم التلاعب بهم مرة أخرى، فالبعض منهم لا يأخذ حقوقهم كاملة مما يضطرهم إلى التكاسل والتخاذل عن أداء أعمالهم بشكل صحيح، مما يؤدى إلى وقوع المشاكل بين رب المنزل والعاملين، وفى حال وجود هذا القانون ستختفى هذه المشاكل.
فبيوت كثيرة لا تستغنى عن الخادمة، لكن بقدر الاحتياج إليها تكبر المشاكل التى يثيرها وجود الخادمات فى البيوت، تلك المشاكل التى تصل ببعض النساء إلى استخدام العنف ضدّهن وببعض الخادمات إلى الانتقام بالسرقة أو القتل أحياناً.
وأضافت أن مشروع القانون خطوة جديدة نحو تحسين أوضاعهم الاجتماعية، وفى المقابل يجب أن يعرف العاملون بالمنازل واجباتهم التى يجب أن يقوموا بها، ولا بد أن يلتزموا بتطبيق القانون الجديد، فالمعظم يهتم بالحقوق ولا يعرف واجباته.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم