«ليلة القدر»| أستاذ أزهري يوضح فضلها وسبب تسميتها وأبرز علاماتها

الشيخ أحمد تركي
الشيخ أحمد تركي

«ليلة القدر خير من ألف شهر».. في العشر الأواخر من شهر رمضان، ينتظرها المسلمون بالصلاة والتضرع والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.

وقال الشيخ أحمد ترك، مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف، إن ليلة القدر امتازت دون غيرها من ليالي شهر رمضان بالعديد من الفضائل؛ منها:

 

 (1) فضّل الله تعالى هذه الليلة بأن أنزل فيها القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الأولى، قال تعالى:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"[البقرة: 185].

 

فامتدح الله شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينها لإنزال القرآن العظيم، بل ورد أن صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل أنزلت أيضا في رمضان، فقد أخرج أحمد في مسنده بسند حسن، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ".

 

( ٢ ) أنها ليلة مباركة، حيث يزيد الخير والبركات خاصة في هذه الليلة.

 

قال تعالى:"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"[الدخان: 3-6].

 

 ومعنى:"فيها يفرق كل أمر حكيم": أي في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وغيرها.

 

(3) يرتفع فضلها، ويعلو شأنها، ويتضاعف الأجر فيها بما يزيد على الألف شهر، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).

 

أي أن العمل الصالح في ليلة القدر خير منَ العمل في غيرها ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

 

(4) تتنزّل الملائكة في هذه الليلة لتحفّ المسلمين :قال تعالى في القرآن الكريم: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)..

 

 قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " أَيْ: يَكْثُرُ تَنزلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَيُحِيطُونَ بحِلَق الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ.

 

وَأَمَّا الرُّوحُ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَقِيلَ: هُمْ ضَرْبٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ"..

 

(5) تخلو هذه الليلة من الشرور، فيعمّ السلام والطمأنينة والرّاحة، وهي كما ورد في الآية الكريمة: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

 

 (6) أن فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل.

 

أخرج الشيخان في صحيحيهما، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

 

سبب التسمية؛ وأوضح أنه لم يتم الاتفاق على سبب التسمية، وتعددت الآراء كالتالي:

 

 (1) قيل: لأنه نزل في هذه الليلة كتاب قدير، يحمله مَلَك قدير إلى رسول قدير، لأمّة ذات قدر عظيم، قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).

 

 (2) وقيل: القدر يعني التعظيم، وهو بالاستناد إلى ما ورد في الآية الكريمة من القرآن الكريم: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

 

 (3) وقيل: ليلة القدر تعني التقدير، ففيها يُكتب قدر كل الناس بغض النظر عن مكانتهم ومستواهم، من مطر، ورزق، وحياة، وممات، وغيرها، قال تعالى في كتابه العزيز: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).

 

(4) وقيل: في ليلة القدر يكثر عمل المسلم، فيصير ذا قدر ومكانة عالية عند الله تعالى. 

 

(5) قيل: إنما سُمِّيت ليلة القدر؛ لأنَّ الأرض تضيق بالملائكة؛ لكثرتهم فيها تلك الليلة؛ من "القَدْر"، وهو التَّضييق.

 

وقت ليلة القدر 

 

وأشار إلى أنها هي إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".

 

وهي في الأوتار أقرب من الشِّفَاع، وتكون آكَدَ في السبع الأواخر؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ".

 

وفي رواية للشيخين، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ".

 

وأخرج مسلم في صحيحه عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا".

 

والراجح كما بيَّنه ابنُ حجر في الفتح، أنَّ ليلة القدر تنتقل كلَّ سنة في ليلةٍ من الوِتر في العشر الأواخر؛ وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى".

 

ومعنى: "تاسعة تبقى": أي ليلة الحادي والعشرين.

 

سبب إخفاء وقت ليلة القدر:

ولفت إلى أن الله أخفى وقتها تحديدا لنجتهد في طلبها في الشر كله، أو في العشر الأواخر، أو على الأقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر، فلو علم المسلمون وقتها تحديدا لضعفت عزائمهم طوال شهر رمضان، واقتصر جهدهم وقيامهم بإحياء هذه الليلة، وعليه، فإنّ إخفاء وقتها تحديداً يُعتبر حافزاً مُشجّعاً لقيام الليل والمداومة على العمل الصالح طوال الشهر كله، ومن ثمّ مضاعفة هذا العمل في الليالي العشر الأواخر، ومثله كثير ؛ مثل إخفاء ساعة الإجابة يوم الجمعة.

 

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد أكثر في العشر الأواخر ، ويعتكف في المسجد التماسا لليلة القدر.

 

علامات ليلة القدر:

 

 ذكر أن من العلامات التي تُعرف بها ليلة القدر؛ ما جاء في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا".

 

 وقيل : والمقصود أنه لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به، سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها".

 

وأما غير ذلك من العلامات، فلا يثبت فيها حديث، ككونها ليلة ساكنة، لا حارة ولا باردة، فما ورد من هذا القبيل ضعيف.

 

 وما يقال إن الأشجار تسجد على الأرض ثم تعود إلى مكانها، وأن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وأن الكلاب لا تنبح فيها، وأن الأنوار تكون في كل مكان، فهذه العلامات لا أصل لها.

 

الدعاء في ليلة القدر

ولفت إلى أنه يستحبُّ الدعاء فيها والإكثار منه؛ فقد أخرج الترمذي- وغيره- بسند صحيح، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ 

 

قَالَ: " قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".

 

ولكن يستحب الدعاء فيها بكل ما يريده المسلم ، ويستحب الإكثار من الدعاء العام الذي يرجع أثره على الأمة كلها.

 

وقال النووي: "ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين"

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم