ثلاث سنوات من المحاولات تنتهي بالاستقالة.. لماذا فشلت خطة ماي للخروج من الإتحاد الأوروبي؟

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي


على مدار ثلاثة سنوات، حاولت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التوصل لاتفاق يحقق رغبة البريطانيين في الخروج من الإتحاد الأوروبي، إلا إنها فشلت خلال ثلاث محاولات متتالية في عرض صفقتها أمام البرلمان الذي واصل ضغطه عليها، وحاصرها من أجل الاستقالة.


اتُهمت ماي بعدم قدرتها على التواصل مع زعماء الإتحاد الأوروبي للحصول على عرض واتفاق مرضٍ للشعب البريطاني، وأن المفاوضات في عهدها اتسمت بالجمود، ومع استمرار فشل محاولاتها، بدأ عدد كبير من النواب البرلمانيين يضغطون عليها من أجل تحديد موعد لاستقالتها، حتى أعلنت في واحدة من جلسات التصويت على اتفاقها مع الإتحاد الأوروبي أنها ستعلن موعد استقالتها في حال وافق البرلمان على خطتها للخروج، إلا إن الأمر لم ينجح.


وفي تصريحات لاحقة، تحدت ماي البرلمان البريطاني إلى حدٍ كبير وأعلنت أنها –عكس ما يضغط الجميع من أجله- لن تعلن أو تحدد موعد لاستقالتها، وقالت إن إعلانها موعد محدد لرحيلها سيعيق خطتها للانفصال عن الإتحاد الأوروبي أكثر من الوضع الحالي، «لأن المنتقدين سيقولون إنه لا حاجه لمناقشة خطتها السياسية إذا كانت ستغادر المنصب قريبًا».


ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة الديلي ميل البريطانية في 11 مايو الماضي، فإن عدد من النواب البريطانيين المحافظين أصروا على عدم التعامل مع ماي بأي شكل قبل أن تعلن عن موعد رحيلها بشكل رسمي، «فهي لا يجب أن تعتقد أنها ستبقى في ذلك المنصب للأبد».


وصلت السخرية بوضع رئيسة الوزراء البريطانية في الفترة الأخيرة إلى حد التهكم عليها من قِبل زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربين، الذي استغل فوز ليفربول التاريخي، في إياب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا على برشلونة برباعية نظيفة، مساء الثلاثاء 7 مايو، في توجيه كلمات قاسية لتيريزا ماي، مفادها أن رئيسة الوزراء يمكن أن تستفيد من المباراة في كيفية التفاوض مع الأوروبيين.
 
وقال كوربين في جلسة داخل البرلمان البريطاني في اليوم التالي، الأربعاء 8 مايو، موجهًا حديثة لرئيسة الوزراء: «في ضوء الأداء المذهل لفريق ليفربول الليلة الماضية، ربما يمكن لرئيسة الوزراء أن تأخذ بعض النصائح من المدرب يورجن كلوب بشأن كيفية الخروج بنتائج جيدة في أوروبا».


وعلى الرغم من محاولاتها المستميتة، إلا إن كل المؤشرات كانت تشير إلى نهاية ماي القريبة، وهو ما أعلنت عنه بنفسها صباح الجمعة 24 مايو، قائلة إنها ستتنحى عن المنصب لتسمح لحزب المحافظين البريطاني أن يختار رئيس وزراء بديل، يتمكن من تحقيق الإرادة البريطانية التي تم التصويت عليها في 23 يونيو 2016.


ولكن ما هي الأسباب الحقيقية التي دفعت ماي للوصول إلى تلك اللحظة؟


عدد من التقارير الإعلامية البريطانية رصدت مجموعة من الأخطاء «القاتلة» التي أوصلتها إلى طريق مسدود فيما يتعلق بمفاوضات الخروج، لعل أهمها كان أن: «ماي لم تستمع لأحد».


وفقًا لما يراه سيمون آشروود، نائب مدير مبادرة «بريطانيا في أوروبا المتغيرة»، وأستاذ السياسة في جامعة سري جنوب لندن، فإن ماي على الرغم مما أبدته من قوة وحزم في بداية توليها للمنصب، الأمر الذي بدا وكأنه إيجابي، فقد تحول بعد ذلك للنقيض تمامًا مع مرور الوقت، حيث ظلت ماي تستخدم شعارات على مدار ثلاثة سنوات متتالية لم تعد مناسبة لرغبة البريطانيين، وظلت تأخذ في قرارات ظهر واضحًا فيها أنها لا تستمع لآراء من حولها ولا تهتم لمعرفة ما تغير من آراء ووجهات نظر.


السبب الثاني الذي رصدته تقارير إعلامية بريطانية كان إن ماي «فشلت في الحفاظ على حلفاءها حتى من داخل حزب المحافظين».


عندما تم انتخاب تيريزا ماي للمنصب، كانت الأغلبية داخل البرلمان البريطاني لحزب المحافظين، ما يعني حوالي 331 مقعد من النواب المحافظين الموالين لماي وخطتها، وهو حوالي 42% من البرلمان مقابل 40% من نسبة مقاعد للمعارضين، لكنها قررت الإعلان عن انتخابات برلمانيه مبكرة في 8 يونيو 2017، بهدف زيادة قوتها في البرلمان، وهو ما وصف بـ«القرار الكارثي».


فقالت ماي في خطاب إن ذلك القرار يأتي من أجل تأمين استقرار المفاوضات في السنوات المقبلة، لكن الحال انتهى بها على عكس ما توقعت، واضطرت لعقد عدد من الصفقات والتفاوض مع أحزاب أخرى لضمان بقاءها في السلطة، وفقًا لـBBC، ففشلت خطة ماي منذ الشهور الأولى لتأمين موقفها، أو كسب حلفاء.


فيما يخص أخطاء التفاوض مع قادة الإتحاد الأوروبي، تم رصد عدد من الاختيارات الخاطئة التي اتخذتها ماي منذ الأيام الأولى خلال اجتماعاتهاـ والتي دفعت المسئولين للتحفظ على كثير مما تقول، وفقًا لمركز أبحاث Institute for Government.

نقل موقع politicshome عن مركز الأبحاث البريطاني، أن رئيس الوزراء القادم سيكون عليه أن يتعلم من أخطاء ماي ويُعين «نائب» متخصص في شئون المفاوضات والعلاقات التجارية بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي.


وأضاف الموقع أن الحكومة الحالية كان عليها إعادة النظر في «النبرة» التي تتم بها المفاوضات التجارية، آخذة في الاعتبار علاقة بريطانيا ببقية الدول الأعضاء داخل الإتحاد الأوروبي، لربما انتهى الأمر بشكل أفضل بكثير من الوضع الحالي.


فمن الواضح- وفقًا لمركز الأبحاث- أن ماي تخطت الكثير من الخطوط الحمراء، ولم تأخذ في عين الاعتبار وجود تكتلات تخطط بشكل معاكس لما تريد، وتسعى لأهداف أخرى.


وأوضح مركز الأبحاث أن قرارات ماي التي اتسمت معظم الوقت بـ«التسرع» سببت إرباكا لدى مسئولي الإتحاد الأوروبي، أدى إلى عدم التوصل لموقف واضح ومتفق عليه فيما ستبدو عليه شكل العلاقات الاقتصادية بين الدول الأعضاء في الاتحاد خلال المستقبل.


وربما يكون أكبر أخطاء ماي تمثل فقط في «عيوبها الشخصية»، فقد ظنت أنها هي بمفردها من تملك القوة الوحيدة والقدرة المطلقة على أن تضع خطة بريطانيا للخروج من الإتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يكون سببًا مقنعًا في حدوث كل الأخطاء التي جاءت بعد ذلك، وفقًا لموقعThe Article .


فقد اعتقدت ماي أنها بشخصيتها الحاسمة ستتمكن وحدها من تنفيذ «ما هو صائب» من أجل الخطة اللازمة، وأصبح واضحًا وجليًا لكل من حولها أن فقدت تعاطفها في التعامل مع الأحداث والأشخاص، وظنت أنها تملك القدرة اللازمة عل الإقناع.


لكن مع الأسف فإن قدراتها على الإقناع أفسدها افتقارها للذكاء العاطفي في التعامل مع من حولها، وعدم قدرتها على إبرام صفقة. فالحقيقية أن كل محاولات ماي لم تتضمن إقامة علاقات ودية مع زملاءها أو حتى إثارة الرهبة من شخصيتها بينهم، أضف إلى ذلك محاولة التقرب إلى الشعب البريطاني ولو كان ذلك على حساب زملاءها من نفس الحزب.


الكثير من العيوب الشخصية والتفاوضية والقرارات السياسية الخاطئة والمتسرعة دفعت ماي لإعلان استقالتها وتسليمها الراية لرئيس وزراء آخر في 7 يونيو 2019.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم