محمد داود يكتب: ما الحاجة إلى الدين في عصر العلم؟

د.محمد داوود أستاذ علم اللغة بجامعة قناة السويس
د.محمد داوود أستاذ علم اللغة بجامعة قناة السويس

في سلسلة مقالات للدكتور محمد داوود أستاذ علم اللغة بجامعة قناة السويس، يسلط الضوء على قضية الإلحاد، من خلال الرد على تساؤلات وردت بالفعل، ننقلها لكم يوميًا.

عمل «داوود» في البداية على نشر هذه التساؤلات عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، تحمل اسم «الملحدون يعترفون»، ثم أشار عَليه بعض أصحابه بسلسلة تجمع خلاصة هذه الحوارات في كتاب لتكون متاحة لمن لا زالوا يفضلون النسخة الورقية للكتاب على النسخة الإلكترونية.

وإلى اللقاء الجديد


.. لماذا لا نكتفى بالعلم الذى قدَّم لنا الحضارة والتقدم، ونترك الدين الذى يتسبب في الصراعات والإرهاب؟!
أ.د/ محمد داود
عزيزى...
أُقدم وأُمهد للإجابة بأساس مهم فى التفكير العلمى، الدين له وظيفة والعلم له وظيفة، والخلط بين وظائف الأشياء المختلفة ليس عقلًا وليس علمًا.
فمثلًا قد تأتى امرأة وتقول: عندى ثلاجة وأنت عندك فرن، فهل يستطيع فُرْنُك أن يثلج الأشياء مثل الثلاجة؟ فهذا لا يُعقل، فكلٌّ له وظيفة ودور يختص به، ولا يمكن الخلط بين هذه الوظائف.
ـ   فالدين له وظيفة.. فهو يبحث فى الإجابة عن السؤال: لماذا؟
ـ   والعلم وظيفته البحث فى الإجابة عن السؤال: كيف؟
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: 20]
والسؤال المستحق هنا: هل العلم يصلح أن يكون بديلا عن الدين؟
والجواب: لا يصلح؛ لأن ضابط الاستخدام الآمن للعلم والحياة الطيبة هو الإيمان.. هو الدين، وبدون إيمان فإننا نسيء استخدام العلم فى القتل والتشريد ونحو ذلك, وبالتالى تنقلب الحياة إلى مصائب وكوارث، ففرق بين الاستخدام السلمى للطاقة النووية واستخدامها فى القنابل المدمرة.
وهذه الحقيقة توصَّل إليها وأقرَّها أنبغ العلماء على مر العصور.. 
فها هو ألبرت أينشتاين عالم الفيزياء الشهير يقول: «طبقًا لهذا التجانس والانسجام الموجود فى الكون، والذى يمكننى إدراكه بعقلى المحدود، لا زال يوجد أناس يقولون: (لا يوجد إله) لكن ما يغضبنى حقيقة أنهم يقتبسون من كلامى ليدعموا آراءهم هذه».
وكذلك فيرنير هايزينبرغ عالم الفيزياء الشهير أيضًا والحائز على نوبل 1932م: «الجرعة الأولى من كأس العلوم تؤدى إلى الإلحاد، لكن فى قاع الكأس الله ينتظر».
فالعلم يقدِّم الحضارة المادية، أما الدين.. فهو منهج حياة، هذا المنهج الذى وضعه الخلاق العليم ، فبيَّن فى القرآن أُسس علاقة الإنسان بربه ومولاه، وهو أن يعبده ولا يشرك به شيئًا، هذا حق الخالق، {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، ويبين القرآن علاقة الإنسان بنفسه فيقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10].
ويوضح الله تعالى فى القرآن الكريم علاقة الإنسان بالكون... أن يتأمله وأن ينظر ليهتدى إلى الخالق، ويرى فى عظمة المخلوق دليلًا على عظمة الخالق، ويستفيد بهذا الكون حين يتعلم الكيفيات فى كل كائن حى، يعنى عندما يدرس الطيور وكيف تطير يصنع طائرة، وعندما يدرس الأسماك وكيف تغوص يصنع غواصة... إلخ.
والقرآن أمرنا بذلك، قال الله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: 20]، وقال: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101].
وكلمة (انظروا) في القرآن تساوى في التعبير المعاصر: البحث العلمي، والتفكير العلمي، هذا هدى قرآني وجهنا الله إليه، بل إن الدين.. الإيمان جعل صنع الحضارة تكليفًا قرآنيًّا {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، (استعمركم) أي: طلب الإعمار، وليس بالمعنى السلبى الذى شُوِّه بسبب الاحتلال والاستخراب من الدول المعتدية، ووضح الله للإنسان علاقته بالحياة الدنيا أن يتخذها مزرعة للدار الآخرة  {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [البقرة: 201].
ووضح الله في القرآن علاقة الإنسان بأسرته {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
في حين أننا نجد المجتمع الغربي الآن يعانى من التفكك الأسرى، وهذه إحدى الأزمات النفسية التي يعانى منها الغرب.
لقد كتب عن جوانب هذه الأزمة (أزمة الأسرة في الغرب) الدكتور المرحوم عبد الوهاب المسيري في بحث دقيق يتصل بالواقع الأمريكي اتصالًا وثيقًا؛ حيث كان د.المسيري ـ رحمه الله ـ يعيش هناك جزءًا كبيرًا من حياته، وهذا الكتاب بعنوان «التمركز حول الأنثى».
وفى القرآن الكريم جعل الله إكرام الوالدين عبادة، انظر إلى العناية بالأسرة {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]، ووضَّح القرآن علاقة الإنسان بجيرانه وإخوانه، والناس عامة {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ} [البقرة: 83].
 فلا مكان للتعالي، ولا مكان للتكبر، ولا مكان للغرور.
 وفى إطار الإيمان نلحظ أن القرآن يوضح علاقة المسلم بأمته الكبرى.. أمة الإسلام، يغار عليها وينميها بالدعوة إلى الخير، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104]. هذا هو طريق الفلاح،  {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
كما حدد القرآن علاقة الإنسان المسلم بغير المسلمين، ولم يجعلها علاقة صراع فقال:  {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48].
والتعارف ـ يا عزيزي ـ إنما هو بوابة للتعامل والتنافس في الخيرات، من الذى يُعطى أفضل وينفع أكثر ويقدم الأحسن، وليس منطق صراع الحضارات الذى فرضوه تمهيدًا للحروب الفكرية وللحروب العسكرية على مجتمعات العرب ومجتمعات المسلمين.
منهج القرآن منهج خالق الإنسان العليم بالنفس الإنسانية، الخبير بما يصلحها، فهل آن الأوان أن نُفسح المجال لمنهج الله في كتابه الكريم؛ ليصلح ما فسد منا بدلًا من التغريب والانسلاخ والتراجع واستلاب الهوية، هذا هو القرآن، فأين منه العقلاء؟
وما يعقلها إلا العالِـمون..
وما يذكر إلا أولو الألباب..
فاعتبروا يا أولى الأبصار..

اقرأ أيضًا...

محمد داوود يكتب: هل يمكن أن توجد منظومة أخلاقية داخل مجتمع إلحادي؟

«داود» يكتب: «أنا والملحد».. اعترافات وحوار لم ينته

محمد داود يكتب: «أنا والملحد».. صمتًا الكون يشهد

«داود» يكتب «أنا والملحد»..هل الله يغوي خلقه لفعل الشر؟

محمد داود يكتب: لماذا يحاسبنا الله وقد كتب كل شىء؟

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم