ياسر رزق يكتب من الصين: وقائع القمة السابعة في بكين

الكاتب الصحفي ياسر رزق
الكاتب الصحفي ياسر رزق

«أنت يا صديقي العزيز تتمنى الخير لعالمنا، وكما يقول المثل الصيني: من يسعى لخير العالم، يستطيع أن يحقق الخير للجميع».. بهذه العبارة، ودع الرئيس الصيني شى چين بينج صديقه الرئيس عبدالفتاح السيسي ليل أمس الأول الخميس في ختام مباحثات القمة التي جرت بينهما بقصر الحكم، عشية افتتاح القمة الثانية لمنتدى «الحزام والطريق» للتعاون الدولي، التي دعا الرئيس بينج، الرئيس السيسي لحضورها والمشاركة في أعمالها ضمن قادة نحو ٤٠ دولة، بينما اختص الرئيس الصيني صديقه الرئيس السيسي بلقاء قمة ثنائي ضمن عدد محدود للغاية من الزعماء الضيوف من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قرر الرئيس بينج أن يلتقيهم على هامش أعمال المنتدى.
لا يعرف الصينيون المجاملة، مثلما لا يعرفون الإسراف في الوعود.
لذلك أسعد كثيراً بمواقف قادة الصين، وكلمات رئيسهم عن مصر وقائدها، كلما جمعتهما اللقاءات في مدن الصين أو القاهرة .
في مستهل مباحثات أمس الأول قال الرئيس بينج لضيفه الكبير: «سيادة الرئيس.. أود أن أهنئكم على نتيجة الاستفتاء الخاص بالتعديلات الدستورية، وعلى نسبة المشاركة الكبيرة من جانب الناخبين، وأرى أن ذلك دليل واضح على نجاح خطوات الإصلاح الذي تنتهجونه، وأيضا نجاح المشروعات التنموية التي تقيمونها على أرض مصر، والتي تفتح الطريق لبلدكم الصديق نحو مزيد من الإصلاح والتقدم من أجل تحقيق حلم الشعب المصري، والانتقال به إلى واقع أفضل.

على مدى ٤٥ دقيقة، ما بين بداية مباحثات القمة وخاتمتها، جرت مداولات القمة بين الرئيسين وسط مودة غامرة وتفاهم، ومشاعر دفء سادت الأجواء داخل القاعة وخارجها.
في الخارج .. كانت الأجواء مشمسة والنسمات منعشة طوال نهار الخميس، كأنها لبلد آخر وفى فصل آخر غير الذي شاهدناه قبلها بساعات.
طوال ليل الأربعاء وحتى الصباح الباكر ليوم الخميس ظلت الأمطار تهطل بغزارة، تقرع أرض الشوارع والطرقات بقسوة وتضرب زجاج السيارات بعنف، وتغرق أردية المارة، بينما كانت الرياح الباردة تهب من كل الأرجاء، تحمل بصمات شتاء يتلكأ فى الرحيل، وتزيح ربيعاً يخشى البقاء برغم انصراف نصف أيامه.
وبدت السماء المغطاة بغيوم كثيفة متلاصقة، وكأنها حبلى بأمطار يصعب الرهان على أوان توقفها.
وسط أجواء المطر والبرد، وصل الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى مقر إقامته بفندق «وانداڤيستا» في بكين، في الساعات الأولى من يوم الخميس.
وفى الصباح الباكر.. تبدل الحال.. سطعت الشمس، وصفت السماء، وتبخرت مياه الأمطار وبقاياها من الشوارع كأن لم تكن، وحل الدفء والهواء المنعش، مكان برودة قاسية تصفع بها الرياح الوجوه والأبدان.

هذه هي الزيارة السادسة للرئيس السيسي إلى الصين. وهذه هي القمة السابعة للسيسي ورئيس الصين.
الزيارة الأولى تمت في الأسبوع الأخير من عام ٢٠١٤ بعد ستة أشهر من تولى السيسي منصبه، ويومها.. قال الرئيس بينج للسيسي في بداية المباحثات: «لقد نجحت زيارتكم يا سيادة الرئيس، حتى قبل أن تبدأ» وكان الرئيس الصيني يؤكد بهذا حرص بلاده على نجاح أول لقاء له مع الرئيس المصري الجديد والاستجابة لكل طلباته.
- الزيارة الثانية.. كانت هي الأخرى في بكين في مطلع سبتمبر عام ٢٠١٥، ويومها أبدى رئيس الصين إعجابه الشديد بمشروع ازدواج قناة السويس.. وقال للرئيس: «إنني أهنئكم على هذا الإعجاز الذي حققته مصر تحت قيادتكم، وهو شق قناة السويس الجديدة في عام واحد، والذي يعد دليلا على سرعة المصريين في العمل وتحقيق الإنجازات».
- الزيارة الثالثة.. كانت لمدينة «هانغجو» التي استضافت قمة مجموعة العشرين في سبتمبر ٢٠١٦، ودعا الرئيس الصيني، الرئيس السيسي للمشاركة في أعمالها تقديرا لروابط الصداقة بين البلدين ولمكانة مصر في منطقتها.
وأمام قادة الدول العشرين، قال الرئيس بينج للرئيس السيسي: «سيادة الرئيس.. إن مصر تحت قيادتكم قد اختلفت، وباتت في صورة جديدة نقدرها».
- الزيارة الرابعة.. كانت لمدينة «شيامن» التي استضافت قمة دول «البريكس»، وحرصت الصين على دعوة قائد مصر للمشاركة في أعمالها في سبتمبر عام 2017، وحرص الرئيس بينج على أن يصف مصر أمام الحضور بأنها قائدة العالم العربي وأفريقيا والدول الإسلامية.
- أما الزيارة الخامسة، فكانت في سبتمبر من العام الماضي، ودعي إليها الرئيس السيسي للمشاركة في أعمال منتدى الصين إفريقيا ببكين. ونُظمت للرئيس زيارة دولة قبيل افتتاح المنتدى التقى خلالها الرئيس الصيني الذي أكد حرص بلاده على تعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية التي تربطها بمصر.
وبين الزيارات الست التي قام بها الرئيس السيسي للصين، زار الرئيس بينج القاهرة في يناير 2016 وشارك مع الرئيس السيسي في الاحتفال بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

في تمام الخامسة من مساء الخميس، بدأت مباحثات القمة المصرية الصينية في قاعة الشعب الكبرى «قصر الحكم» بين الرئيس السيسي والرئيس بينج، بحضور أعضاء الجانب الصيني، والوفد المصري الذي ضم وزير الخارجية سامح شكري، واللواء مصطفى شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية واللواء عباس كامل مدير المخابرات العامة، واللواء محسن عبدالنبى مدير مكتب رئيس الجمهورية، والسفير بسام راضى المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، والسفير أسامة المجدوب سفير مصر في بكين.
أبدى الرئيس الصيني للرئيس السيسي إعجابه بما يجرى على أرض مصر، وقال انه يتابع شخصيا الأحوال في مصر، والخطوات الجادة والقوية التي اتخذتها من اجل الإصلاح، وهى تبشر بنظرة إيجابية للغاية إزاء مستقبل مصر.
وشدد على أن مصر في إطار مبادرة «الحزام والطريق» هي شريك محوري للصين، بوصفها مركزاً إقليمياً لوجيستيا، وكذلك لموقعها الجغرافي ووجود قناة السويس بها، وثقلها السياسي وارتباطها باتفاقات للتجارة مع الدول العربية والأفريقية والأوروبية تعطيها أفضلية في تصدير منتجاتها.
وأكد الرئيس السيسي أن مصر تعول على الصين بتجربتها الناجحة والملهمة في نقل خبرتها لمصر والتعاون معنا في المشروعات التنموية لاسيما في مجالات البنية الأساسية والطاقة والنقل.
وركز الرئيسان على الارتقاء بالعلاقة بين البلدين التي تقوم على تفاهم وتعاون وتنسيق تعززه إرادة سياسية مشتركة.
واستحوذت قضايا التعاون الثنائي على الجانب الأكبر من المناقشات.
وعرض الرئيس السيسي خطوات الإصلاح الاقتصادي والنتائج التي تحققت والفرص التي يمكن اغتنامها بالاستفادة من موقع مصر في محيطها الأفريقي والشرق أوسطى، وركز الرئيس على التعاون بين مصر والصين في مجالات عديدة بالأخص الأمن السيبراني والصناعات المتقدمة والطاقة الجديدة والمتقدمة وتصنيع السيارات الكهربائية، ودعا إلى تحفيز الشركات الصينية للاستثمار في مصر وتوفير التمويل لها من جانب حكومة الصين. وطرح الرئيس رؤيته في إطار ما تمثله أفريقيا من مستقبل واعد، والوجود الصيني في القارة، داعيا إلى التوسع في إنشاء البنية الأساسية بدول القارة بما يهيئ المجال لها لتحقيق تنمية تزيد من الإنتاج والتشغيل وترفع من القوة الشرائية لأبنائها بما يحقق الفائدة لأفريقيا والصين.

قضية الإرهاب، كان لها جانب ملحوظ من التركيز في مباحثات القمة المصرية الصينية، وقال الرئيس بينج إن مصر خطت خطوة كبرى وحققت نجاحا كبيرا في تقويض النشاط الإرهابي، ومصر هي حائط الصد الذي ينبغي دعمه لمواجهة الإرهاب.
واتفق الرئيسان في هذا الصدد على تعميق التعاون الأمني وتبادل المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب.
وقال الرئيس الصيني: إنني أُتابع بإعجاب شديد جهود الرئيس السيسي لنشر التسامح الديني وقبول الآخر.
أما فيما يتعلق بملف قضايا الشرق الأوسط، فقد اهتم الرئيس بينج بالاستماع إلى تقييم الرئيس السيسي لمجريات الأوضاع في ليبيا والسودان، ورؤيته لأزمات المنطقة وقضاياها وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وتحدث الرئيس بشكل مجمل حول كل القضايا الإقليمية كما تناول أيضا موضوع مصالح مصر المائية.
وأبدى الرئيس الصيني دعمه لمسار الحوار والمفاوضات بشأن سد النهضة، وأكد تفهمه لحيوية المصلحة المائية لمصر وضرورة تأمينها.

ومن قاعة الشعب الكبرى بميدان «تيان إن من» أكبر ميادين بكين  توجه ركب الرئيس السيسي ومرافقوه إلى قصر «دياو يوو تاى» للقاء وانج يانج رئيس المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني «الغرفة الثانية بالبرلمان».
وعلى أطباق المأكولات البحرية ولحم الضأن والفواكه الموسمية، امتدت المباحثات في عشاء عمل، وتركزت النقاشات بحضور عدد من المسئولين الصينيين عن التعاون الاقتصادي مع مصر على تفاصيل المشروعات التي سبق الاتفاق عليها والأخرى التي يجرى تنفيذها.
وأشاد المسئولون الصينيون بمناخ الاستثمار في مصر، وأبدى الرئيس حرصه على تذليل أي عقبات أمام الشركات الصينية، وأكد رئيس المؤتمر الاستشاري الصيني تطلع الشركات الصينية إلى توسيع نشاطها في مصر، وحرص بلاده على دعم التعاون مع مصر وتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية وقال: إننا نحقق الآن حلمنا، ونراكم تعملون لتحقيق حلمكم.

خلال أيام هذه الزيارة التي تمتد حتى الاثنين المقبل، يشارك الرئيس السيسي في قمة منتدى «الحزام والطريق» بينما يواصل المسئولون المصريون الذين سبقوا الرئيس السيسي في المجئ إلى بكين، أو تلوه في الوصول مباحثاتهم مع الجانب الصيني لتفعيل الاتفاقات المبرمة وتوقيع اتفاقات جديدة.
ومن أبرز المسئولين الموجودين هنا: الدكتور محمد سعيد العصار وزير الدولة للإنتاج الحربي والمهندس كامل الوزير وزير النقل والمهندس عمرو نصار وزير التجارة والصناعة والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات والفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس والفريق عبدالمنعم التراس رئيس الهيئة العربية للتصنيع.
ويتصدر مناقشات التعاون الثنائي بين مصر والصين، إتمام مشروع القطار فائق السرعة بين العين السخنة والعلمين مروراً بالعاصمة الإدارية و٦ أكتوبر، وخطى المونوريل بالقاهرة الكبرى، والقطار الكهربائي الذي يربط العاصمة الإدارية بالمدن الجديدة، وكذلك إنشاء المنطقة الصناعية الصينية بإقليم قناة السويس وزيادة استثمارات الشركات الصينية بالمنطقة الاقتصادية للقناة، بجانب تصنيع قرابة نصف عربات الخطوط الحديدية الجديدة بمصانع سيماف والتعاون في صناعات الاستينلس ستيل ومكابس القمامة والمصاعد والسلالم الكهربائية.
وخلال هذه الأيام.. تحولت أروقة وقاعات فندق «واندا ڤيستا» مقر إقامة الرئيس والوفد المرافق له والوفد الوزاري المصاحب لزيارته، إلى خلية نحل وعمل دائب ومداولات ومفاوضات بين الوزراء وكبار المسئولين والخبراء بالوزارات وجهات الدولة مع نظرائهم الصينيين ورؤساء وممثلي الشركات الصينية، لإنجاز هذه المشروعات وغيرها وفقا للمعادلة المصرية الثلاثية التي وضعها السيسي: أسرع وقت، أقل تكلفة، أعلى جودة.
 

ترشيحاتنا