حكايات| مآسي ضرب «القفا» في مترو المرج.. تنمر على طريقة «برامج المقالب»

حوادث الاعتداء بـالقفا تقع كثيرا في مترو المرج (صورة أرشيفية)
حوادث الاعتداء بـالقفا تقع كثيرا في مترو المرج (صورة أرشيفية)

حاول مسرعا اللحاق به، لكنه حين عبر البوابات الحديدية ذات اللون الفضي أغلقت الأبواب وأيقن أنه سينتظر مع آخرين مثله دقائق تفصله عن رحلته اليومية إلى حيث أراد، بمجرد أن شعر بقدومه من بعيد تجهز وغيره من المصطفين على الرصيف، دلف بقدميه إلى الداخل لكنه لا يعلم أنه سيتعرض حتما لموقف محرج ربما يكون الموقف الأوحد في حياته بذلك الشكل وتلك الهيئة.. أنت هنا في مترو المرج.

 

إذا كنت من مرتادي التعامل مع خط المترو الأول الذي يبدأ من محطة «المرج الجديدة» حيث محافظة القليوبية التي تفصلها عن الدخول في حدود العاصمة القاهرة محطة واحدة هي «المرج القديمة» في رحلة يعبر القطار فيها 35 محطة بالتمام والكمال حتى يصل إلى محطة حلوان، فقد يسوقك القدر إلى موقف ربما لم تحمد عقباه أو رد فعله من نفسك التي بين أعضائك أو المحيطين بك في العربة المستطيلة الشكل ذات المقاعد المصفوفة على جانيها بين الأبواب التي عندما تبدأ في الإغلاق تبدأ معها مأساة أحد ركابها.

فيديو متداول يظهر طريقة الاعتداء..
 

«القفا» ضحية العبث 


استقر على مقعده وفي إحدى المحطات قبل أن يغادر المترو قضبان المحطة، ومع صفير إنذار إغلاق الأبواب لا يعلم أنه صفير إنذار لشيء ما يتعرض له قد يكون جللا على نفسه تقبله، ومع تلك الأجواء يشعر بجسم ثقيل سريع الحركة يهبط على مؤخرة عنقه فيلفح صفحة «قفاه»، ومع ذهوله حينها تتعدد المواقف ورد الفعل.. تلك ظاهرة بدا مستقلو مترو الخط الأول يتحدثون فيها، بل ربما حدثت مع بعضهم أو رأوها بأم أعينهم،  ووثقت بعضها مقاطع فيديو تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي.  

 

الضحايا يفضلون الصمت

 

قصص عديدة توالت على «بوابة أخبار اليوم» منذ أن فتحت الحديث عنها، لكن أصحاب تلك المواقف رفضوا الحديث عنها، أما من كانوا شهود عيان عليها فروى مأساتها التي تعرض لها الكثير خلال رحلاتهم اليومية على خط المترو الأول بين محطتي المرج الجديدة وحلوان، خاصة القطارات القديمة التي لا تزال تدق القضبان تحت عجلاتها رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تصنيعها، أما القطارات الجديدة المطورة فيصعب معها حدوث مثل تلك المواقف لتأمين نوافذها بصورة جيدة.  

 

«العطار»: الحذاء أنقذني


من تلك المواقف المحرجة المخجلة، «يقول عمر العطار- 40 عاما»: «رأيت ذلك الموقف وأنقذني الله من مثله، أما الأول فتعرض له رجل خمسيني، فبمجرد أن أغلق المترو الأبواب وهم في الانطلاق فوجئ الرجل وجميع الركاب بشاب ربما لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره لفح الرجل على قفاه، وقهقة الشاب وانطلق القطار مع اليأس في اللحاق بالفاعل، فما كان من رد فعل الضحية إلا أنه تحسبن وتحوقل وقد بدت الدموع تفارق عيونه إلا أنه الركاب حاولوا التخفيف عنه».

 

«العطار» وهو موظف بإحدى الجامعات روى الموقف الذي تعرض له، والذي أنقذه الحظ كما يصف من الوقوع في الحرج والخجل بين الركاب، فيقول: «كالعادة حينما أغلق المترو أبوابه مد شاب لم أتمكن من التقاط ملامحه لاستهداف قفاي، لكني في تلك اللحظة هبطت برأسي لأوثق رباط حذائي فجاءت الضربة على طرف كتفي، ومن بعدها قد أخذت قرارا على نفسي ألا أجلس في المقاعد المحاذية لرصيف الركوب أبدا حتى أجلس مطمئنا دون خوف من عبث المراهقين».  

  

عقاب قد ينتهي بالقتل 


موقف كان صدمة للشاب العابث وركاب أحد عربات المترو الذي كانوا شاهدين ينظرون في ذهول من مشاهد الموقف، هنا يروي المهندس عمر عبدالعليم - 44 عاما كيف أنقذ نفسه من الاعتداء والعبث بهيبته أمام الناس كما يقول: «سمعت كثيرا عن هذا العبث والاعتداء على هيبة الركاب وإحراجهم أمام الناس، فكنت دائما متحفزا عندما أجلس خلف النوافذ المحاذية لرصيف استقلال القطار، لمحت بيد تقترب مني فأمسكت بها وتعلق صاحبها بين نافذة القطار والهواء.

 

المهندس عمرو يروي الصدمة التي أصابت الركاب من مشهد تعلق الشاب بنافذة القطار من الخارج، يقول: «انطلق القطار وهو على هذه الحالة، حتى غادر محطة عزبة النخل متوجها إلى عين شمس، ومع اعتذاراته وترجيه أن أطلق سراحه، وكذلك مناشدات الركاب حتى لا أتسبب في أذى له قد يؤدي إلى مقتله، تركته بعد أن هدأت سرعة القطار، وبعد ذلك الموقف لاقيت إشادات كثيرة من الركاب».

 

أذى العسل الأسود 


مشهد آخر تجاوز حد الاعتداء إلى التوغل في الأذى يرويه «حامد عبدالعليم- 34 عاما»، فيقول: «كنت مستقلا قطار المترو متجها إلى جهة عملي، وفجأة حدثت جلبة من بعض الركاب الذين تحلقوا حول أحدهم بعضهم يتحسبن وآخرون يوجهون السباب لشاب مجهول، فحينما اقتربت منهم وجدت شابا عشريني في حالة من الاضطراب واللخمة، وجهه وثيابه ملطخين بالعسل الأسود، فقال أحد الركاب من رفقائه إن أحد الشباب العابثين ألقاه عليه من خارج المترو في لحظة إغلاق الأبواب وتأهب المترو للانطلاق».   


 
الجاني طفل


مصدر أمني بمحطة عزبة النخل، تحفظ على ذكر اسمه لعدم التصريح له بالحديث إلى وسائل الإعلام، قال: «إن ذلك الموقف لا يحدث سوى في القطارات القديمة فقط للمترو، وخلال الأيام الماضية تمكنوا من الإمساك بفتى لا يتجاوز عمره الـ15 عاما فعل هذا الموقف، فحررنا مذكرة واحتجزناه حتى جاء والده لاستلامه، أما إن كان شابا بالغا فلن نتركه ووقته سيتم ترحيله إلى قسم الشرطة المختص مع تحرير محضر وتوجيه تهمة التعدي بالضرب إليه».

 

«جمال»: كاميرات المراقبة الحل

 

أحمد جمال صحفي حر، أكد أنه شاهد كثيرا من تلك المواقف خلال استقلاله مترو «المرج حلوان»، من بين تلك المواقف شاب ثلاثيني، دخل في حالة هيسترية بعد تعرضه لذلك الموقف المحرج، ووجه سبابا كثيرة لم تصل للمعتدي الذي حال انطلاق القطار دون الإمساك به، وحاول بعض الركاب تهدئة الضحية، بينما شاركه آخرون في توجيه في السباب إلى الشاب المعتدي، وفي نهاية حديثه نوه الصحفي الحر أن تلك المواقف تقلصت بعد تركيب كاميرات مراقبة في العديد من الأرصفة.

 

«ضرب القفا» جريمتان


في إحدى المحطات الرئيسية التي يمر فيها مترو «المرج حلوان» أحد مسؤوليها الأمنيين وهو ضابط برتبة عميد، لكنه تحفظ على ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام: «إن قوات شرطة المترو حين تتمكن من إيقاف أحد هؤلاء الشباب يتم في الحال احتجازه وتحرير محضر توجه فيه تهمة التعدي بالضرب، وحال تمكن رجل الشرطة من تعطيل المترو لأخذ أقوال المجني عليه توجه له تهمة أخرى وهي تعطيل مرفق عام».

 

عقوبة تصل لـ3 سنوات

 

الخبير القانوني أحمد صلاح قال لـ«بوابة أخبار اليوم»: «إنه في حال توجيه تهمتي التعدي بالضرب وتعطيل مرفق عام للجاني، فهناك ربط معنوي بين الجرائم، حيث تعددت صور الإجرام في واقعة واحدة، فتكون فيها العقوبة أقصى العقوبتين، فالتهمة الأولى تصل عقوبتها إلى 3 سنوات والثانية كذلك، طبقا للمادة 32 من قانون العقوبات، كما أن القضية تحتمل شقا مدنيا في حال مطالبة المجني عليه بالتعويض طبقا للمادة 163 من القانون المدني الذي ينص على أنه كل من أحدث خطأ تسبب في ضرر يلزم التعويض».   

 

خبير نفسي: نوع من التنمر


الظاهرة لها شق نفسي واجتماعي تحدثت عنها الدكتورة إيمان عبدالله خبيرة علم النفس والعلاج الأسري لـ«بوابة أخبار اليوم»، فقالت: «هذه السلوكيات تعد تفريغا نفسيا بسبب الفراغ الفكري لهؤلاء الشباب وقلة الوعي، وهي من السلوكيات الشاذة التي تدل على الحماقة والاستهزاء والتمرد، وتعد نوعا من التنمر الجسدي والاجتماعي التي تشمل الضرب والبصق وغيرهما لإشباع غزائز واحتياجات بطرق سخيفة، فهي أزمة أخلاق أفرزت أشخاصا سيكوباتيين معادين لمجتمعهم بقيمه وثقافته ودينه».


برامج المقالب في مرمى الاتهام

 

سبب تلك الظاهرة أرجعته الخبيرة النفسية إلى فقدان هؤلاء الشباب التوازن النفسي والاجتماعي فأصبح مقلدا لنماذج غير سوية فاقدة للاستقرار الأسري، وقد يجد ذلك الشاب ضالته من خلال عالم الفضائيات والبرامج التي تعتمد على المقالب، فيقوم بتقليدها، وبدلا من أن يساعد الشاب الأشخاص في تأمين غلق باب المترو أو مساعدة كبار السن أصبحت يده ممدودة للناس بالعنف والإهانة، وهذا يدل على تراجع دور المؤسسات التربوية والأسرة وتدني التربية الدينية والإيجابية، فلابد من زرع قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فالإنسان إن فقد أخلاقه فلا يكون إنسانا».


  

ترشيحاتنا