1919.. ثورة شابة عمرها 100 عام

ثورة 1919
ثورة 1919

لا تقاس أعمار الأمم بالسنين، وإنما بالأحداث العظيمة فى تاريخها.. وبحساب الأحداث الكبيرة، فإن عمر مصر ملايين السنين وليس بضعة آلاف.

فمصر الماضى والحاضر مرت بأحداث جسام، زرعت فى خلايا المصريين خليطا عجيبا من جينات الصمود والثورة والصبر وعشق الوطن.

وبين كل الأحداث الكبيرة والثورات الهادرة، تبقى ثورة ١٩١٩ عنوانا لمصر الحقيقية.. مصر التى تأبى الذل وترفض الاحتلال، مصر التى تتحد ساعة الأزمة فلا تعرف فيها فرقا بين مسلم أو مسيحي.. مصر التى تنتفض فى وجه العاصفة فتسابق نساؤها رجالها فى التصدى للخطر، مصر التى تعيد اكتشاف قوتها فى ذروة الألم فلا تبالى أبدا بما تخسر طالما بقى الوطن.. مصر التى كانت ولا تزال عصية على الانكسار فلا تنحنى إلا لخالقها.

ومن بين كل الثورات الكبيرة فى حياة المصريين، ستظل ثورة ١٩١٩ حية فى قلوب المصريين ووجدانهم الوطني، فهى الثورة التى أعادت اكتشاف الشخصية المصرية بعبقريتها الفريدة، تلك الشخصية التى لم يستطع الغزاة رغم تعددهم وسطوتهم أن يمحوا ملامحها، وكانت دوما هى سر انتصار المصريين على الغزاة والمحتلين، فقد توحدت فى تلك الثورة الدماء والطوائف والأعراق والطبقات.

كانت ثورة ١٩١٩ ثورة المصريين كل المصريين، ثورة من أجل مصر، لم تستطع قوى الاحتلال أن تخترقها بمزاعم التمييز الدينى او الطائفى أو الطبقي، فالكل انصهر فى جسد واحد، هو جسد الوطن، وحتى رغم الزعامة التاريخية للبطل المصرى سعد باشا زغلول ورفاقه من صناع الثورة، إلا أن الزعامة والبطولة الحقيقية كانت للشعب المصرى كله، هكذا أدرك سعد ورفاقه فاستحقوا حب الشعب وتخليدهم لهم.

لن ينسى التاريخ مشاهد البطولة والفداء التى سطرها المصريون فى ثورتهم الخالدة عام ١٩١٩، مشاهد طلبة المدارس والجامعة، وهم يتدفقون كموج هادر هاتفين «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، و«تحيا مصر ويحيا سعد»، ولن ينسى التاريخ مشهد حواء المصرية وهى تتمرد على قيود الخنوع وأغلال المذلة، فتحمى بصمودها إلى جوار الرجل عرين الوطن.

إن الاحتفاء بمئوية ثورة ١٩١٩ ليس إعادة للتاريخ، بل هو إحياء للمستقبل، فتلك الثورة المجيدة أخرجت افضل ما فى المصريين، وحدتهم وتماسكهم وقوتهم وصلابتهم، وأثبتت أنه عندما ينتفض المارد الكامن بداخل المصري، فلا يمكن لقوة - أيا ما كانت-  أن تتحداه.

ثورة ١٩١٩ستظل حية، شابة، متجددة، متدفقة ولو بلغت ألف عام وليس مائة فقط، لأنها ثورة كل مصرى فى الماضى والحاضر والمستقبل، يستعيدها المصريون كلما حاق بالوطن الخطر، ولا أدل على ذلك من انتفاضتهم الثورية وهم يواجهون فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ بقلب واحد لا يعرف التفرقة بين مسلم ومسيحي، الفاشية الدينية وتجار العقيدة، مثلما واجهوا بنفس القلب الاحتلال الإنجليزى ولصوص الأوطان.

إحياء ذكرى ١٩١٩، لا ينبغى أن يقتصر على يوم أو حتى شهر كامل، بل ينبغى أن نستعيد تلك الثورة كل يوم، فهى استعادة لمصر الجميلة، الموحدة، القوية، القادرة، القاهرة، الحرة، الأبية، الشابة، الفتية، وستبقى تلك الثورة هى روح مصر ولو بعد قرون. 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم