ننفرد بنشر الحوار الصحفي الوحيد مع أسطورة الصحافة إبراهيم سعدة

إبراهيم سعدة
إبراهيم سعدة

إبراهيم سعدة يروي أسرار عشقه للصحافة.. وكيف بدأ رحلته في بلاط صاحبة الجلالة
الكاتب الصحفي الكبير:كانت صدمة كبيرة لي عندما اصطحبني مصطفي شردي الي مكتب علي أمين فتضايق وساله: مين اللي انت جايبه دا؟!
في أول لقاء مع علي أمين أخذني إلى شقيقه مصطفي  وقال له أنتا قماشة كويسة هنفصل منها صحفي كويس
كانت هوايتي وأنا صغير سماع الأخبار.. وكنت أجلس مع إخواني الكبار وأستمع لهم
أصبح أخي الكبير أحمد عندما يدخل البيت يسألني: إيه أخبار رويترز النهاردة؟
بدأت الصحافة بإرسال كتاباتي لمجلة السندباد.. وراسلت " أخبار الجريمة" وأنا تلميذ بالابتدائية
كنت أعشق كتابات التابعي ومصطفي وعلي أمين وأحاول تقليدهم
عندما كتبت عن أزمة الشاليهات ببورسعيد منعت من السفر للخارج .. وهيكل حل المشكلة
ما قاله السادات عني أنني رفضت اغراءات المال وفضلت الوطن .. قصة غير حقيقية
يجب أن تركز الصحافة على ما وراء الخبر أو ما يعرف بالقصة الإخبارية لمجاراة الانترنت
منذ أكثر من 30 عاما لم أكتب بيدى،  ولذلك أصبحت أجد صعوبة جدا في الكتابة باليد


" هذا هو الحوار الوحيد الذي أجراه الكاتب الصحفي الكبير إبراهيم سعدة طوال حياته، لأنه كان يرفض الحوارات التليفزيونية أو الصحفية، وقد احتفظت بتسجيل الحوار علي مدي يقترب من 20 عاما، وتعود قصة هذا الحوار إلى الفترة التي أصدر فيها الكاتب الكبير ملحق " صبيان وبنات" الذي كان يوزع مجانا مع صحيفة " أخبار اليوم" في بداية الألفية الثانية.


وعندما طلبنا منه أن نجري معه حوارا يشارك فيه عدد من الشباب والأطفال، رحب الكاتب الكبير، وعندما تم إعداد الحوار في شكله النهائي رفض نشره قائلا: كيف أنشر حوارا لي في جريدة أترأس تحريرها؟!


ومنذ تلك اللحظة احتفظت بتسجيل الحوار، حتي يكون الوقت مناسبا لنشره، وعندما توفي الكاتب الكبير أول أمس كانت المناسبة جيدة للنشر، خاصة أنه يحكي بنفسه عن كيفية عشقه للصحافة منذ الصغر، حتى التحق بـ" أخبار اليوم " التي كان يتمني أن يكون مراسلا لها في سويسرا، ثم أصبح رئيس لتحريرها ومجلس ادارتها فيما بعد".


-كيف ظهرت موهبتك في الصحافة؟
أجاب  إبراهيم سعدة : الإنسان لا يعرف انه عنده موهبة أم لا ، ولكن وأن طفل كنت أحب سماع  الكبار والصغار بيقولوا إيه، ولم أكن أحب الاشتراك في الحوار، كانت هوايتي وأنا صغير سماع الأخبار، كنت أجلس مع إخواني الكبار وأستمع لهم، وزاد اهتمام بالأخبار يوما بعد يوم، وكانت سعادتي عندما أجد أخا لي لا يعرف ما أعرفه، وبعد ذلك أصبح أخي الكبير أحمد عندما يدخل البيت يسألني: إيه أخبار رويترز النهاردة؟ فكنت أحكى له كل ما سمعته وعملته طوال اليوم، ثم فكرت في كتابة الأخبار التي أعرفها في ورقة، وأعلقها في البيت، كنت أكتب فيها مثلا ماذا سنأكل اليوم، ومن ضرب من، وغيرها من الأخبار، ولا أستطيع أن أقول عن ذلك أنها كانت موهبة، بل كنت أرضي رغبتى في معرفة المعلومات، ثم أنقل نفس المعلومات لمن لا يعرفها.

واستطرد  إبراهيم سعدة: ولما ظهرت مجلة " السندباد" وكان يصدرها الاستاذ والمربي الكبير محمد سعيد العريان، وكانت مجلة شيك جدا وتصدر عن دار المعارف، وكان الفنان حسين بيكار يرسمها، حيث كان يرسم ولدا صغيرا يرتدي عمامة ويمسك منظارا مثل البحار.


فأرسلت لها للمجلة خطابا ففوجئت بنشر ما كتبته في رسالتي، ففرحت بشدة،  خاصة أنهم لم يغيروا او يعدلوا  أي حرف مما كتبته،  ثم بدأت مراسلتها وكنت تلميذا في مدرسة الفرير، وكانوا ينشروا بعض ما أكتبه ولا ينشروا البعض الأخر، ووفي نهاية المرحلة الابتدائية كانت هناك مجلة اسمها " أخبار الجريمة" فأرسلت لهم أطلب ان أكون مراسلا لها، وبدأت أذهب لأقسام البوليس ، ولذلك عندما يأتي أي محرر جديد لأخبار اليوم كنت أرسله لعلمل بقسم الحوادث لأن الضباط يحبون الاعلام ، ويحبون الكتابة عنهم مثل " انتقل العميد فلان الي موقع الحادث" ولذلك يرحبون بالصحفي، بينما عندما تذهب لأول مرة الي وزارة الخارجية لن يرحب احد بك، لأنهم لا يحبون الكلام مع احد، فعندما تسأل الضابط : عندك ايه النهاردة يعطيك تفاصيل الحضر، ولذلك نشرت لي موضوعات كثيرة في " أخبار الجريمة".

-       وهل تظهر الموهبة قبل الدراسة؟ أم تصقلها الدراسة؟

-       أجاب الكاتب الصحفي الكبير: أنا لم أكتب مقالات في البدابة، بل كنت أكتب أخبارا، ولم تكن مرحلة الثقافة والتعليم قد اكتملت لدي، ولم يكن معقولا وأنا طالب في الابتدائي ان أكتب مقالا، لا أستطيع ان أقول انه كانت لدي موهبة الصحافة في تلك السن المبكرة، بل كان لدي استعداد، وكنت أحب القراءة ايضا.

-       وهل تري أن الانترنت أثر علي توزيع الصحف؟

-       أجاب الكاتب الكبير: توزيع الصحف يزيد ولا يقل، صحيح أن الانترنت ينشر اخبارا في كل ثانية، وكذلك التليفزيون، ولذلك أري أنه لا يجب أن نركز علي الخبر نفسه، لن كل الناس تكون شاهدته في التليفزيون ، بل  يجب أن نركز على ما وراء الخبر أو ما يعرف بالقصة الاخبارية، لأن مسئولية الصحافة أصبحت أصعب في مجاراة الانترنت 

-       نعرف انك من أوائل الصحفيين الذين كتبوا علي الكمبيوتر، فهل الكتابة علي الكيبور" لوحة المفاتيح" لها نفس متعة الكتابة بالقلم علي الورق؟

-       أجاب  إبراهيم سعدة : منذ أكثر من 30 عاما لم أكتب بيدى،  ولذلك أصبحت أجد صعوبة جدا في الكتابة باليد ، بالعكس كنت أجد متعة في الكتابة علي الآلة الكاتبة قبل ظهور الكمبيوتر، ثم بوجدت نفس المتعة في الكتابة علي الكيبورد،  وعيبها الوحيد أنى أصبحت اجد صعوبة في الكتابة باليد.

-       وكيف بدأت الكتابة علي الالة الكاتبة رغم ان جميع الصحفيين وقتها كانوا يكتبون علي الورق؟

-       أجاب: كان لي صديق في المدرسة ببورسعيد اسمه مصطفي شردي، الذي أصبح فيما بعد أول مؤسس لجريدة الوفد وكان أيضا رئيسا لتحريرها، ووالده كان صحفيا، وكان مراسلا لجريدة " المصري" في بورسعيد،  وقبل أن التقي بمصطفي كان قد قرأ بعض ما نشر لي في مجلات" السندباد" و" أخبار الجريمة" و " قصتى" وتعرفنا علي بعض وأصبحنا أصدقاء.


وعندما فكرت في السفر للخارج كانت أمنيتي أن أكون مراسلا لـ" أخبار اليوم" من سويسرا لأني كنت طوال عمري مبهور بالأساتذة الثلاثة ومحمد التابعي مصطفي وعلي أمين ، وكنت أتمني أن أتتلمذ علي أيديهم وكنت أقرأ ما يكتبونه وأحاول تقليدهم، فقال لي مصطفي تعالي معي اقدمك لعلي ومصطفي أمين، وحضرت معه من بورسعيد ودخلنا مكتب  مصطفي أمين ثم مكتب شقيقه علي أمين، وكان الاثنان يحبان مصطفي شردي كثيرا، لأنه كان موهوبا جدا، وعندما فتح الباب.


قال له علي أمين : تعالي يا مصطفي، فسحبني من يدى وراءه،  وكان علي أمين يتضايق من أن يحضر له احد شخصا لا يعرفه، دون أن يخبره قبلها، فقال لمصطفي شردي ايه الي انت جايبوا معاك ده؟!  فكانت صدمة كبيرة لي،  فحاولت الخروج، فسحبني شردي من يدي مرة اخري، جلسنا معه، وأخبره شردي بأنني أريد أن أكون مراسلا ل"أخبار اليوم"  في جنيف بسويسرا،  وقال له أنه يحمل معه رسالة كتبها من سويسرا،  فرد علي أمين: رسالة كمان؟! هو راح هناك وعايز يكتب مذكرات أو يوميات، صحافة ايه دي؟! فرد شردي: ممكن يا علي بيه تقرأ الرسالة أولا؟

واستطرد : أنا كتبت رسالة قبل أن اذهب له حتي أستطيع ان أقدم نفسي له، وكانت الرسالة  عن كيفية التقدم لجامعات في سويسرا، لأنه كانت هناك  أزمة في مصر في ذلك الوقت  في دخول الجامعات المصرية، وكانت أحلام الشباب في السفر لخارج للالتحاق بالجامعة، وفوجىء علي أمين بأن الرسالة مكتوبة علي الآلة الكاتبة، ففرح جدا ثم قام من علي كرسيه واخذني الي مصطفي امين  وقال له اسمي وقال له أنني قماشة كويسة هنفصل منها صحفي كويس، وكتب علي الرسالة بالنص:" موسي صبري، ينشر في أول عدد في مجلة الجيل" وهي مجلة شبابية كانت تصدر عن " أخبار اليوم"  وكانت أيضا مجلة " آخر ساعة" تصدر عن " أخبار اليوم" وقتها وحتي الان، وتم نشر الموضوع دون تغيير حرف فيه.

-       وهل كنت تستطيع التفرقة بين الأخوين التوءم مصطفي وعلي أمين؟

-       أجاب: وهم شباب لم يكن أحد يستطيع التفرقة بينهما،  وعندما كان يأتي لأحدهما شخص ولا يريد مقابلته يرسله لشقيقه،  ويكلمه كل منهما علي أنه الأخر.

-       نسمع كثيرا عندما عينك الرئيس السادات رئيسا لتحرير " أخبار اليوم" وأنت شاب قال عنك أنك رفضت إغراء المال وفضلت الوطن، كيف تصف ذلك؟

-       أجاب الكاتب الكبير : لا أحب أن أنسب لنفسي بطولة،  وهذه القصة ليست حقيقية.. ولم استطيع تكذيب ما قاله رئيس الجمهورية، لأنه لم يكن منطقيا ان أفعل ذلك.

-        وكم مرة سببت كتابتك مشاكل لك؟

-    رد:    كثيرا ، فمثلا في أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كانت هناك رقابة شديدة جدا علي الصحف، وعندما عدت من سويسرا في اجازة لبورسعيد،  وكانت هناك أزمة في إقبال الناس الشديد علي  كبائن وشاليهات مملوكة للمحافظة، وسمعت أن رغم الأزمة هناك 4 شاليهات مغلقين من أجل المحافظ، فكتبت ذلك،  وعندما حاولت السفر للخارج وجدتني ممنوعا من السفر أنا ومصطفي شردي، وقالوا علينا أننا نحرض الناس ونثيرهم، ولولا ان الستاذ مصطفي أمين أرسلني للأستاذ محمد حسنين هيكل لما تم اصلاح  الأمر، هذه المشكلة كانت في بدايتي الصحفية، وبعد ذلك سببت لي كتاباتي العديد من المشاكل.

-       كيف تري حرية الصحافة في الوقت الحالي؟

-       أجاب: عندما كنت تلميذا في المدرسة ببورسعيد كنا نصدر مجلة، وكان ناظر المدرسة عبدالحميد حسين رجلا ديموقراطيا جدا،  وكان عم حسين عبدالرازق الصحفي بجريدة الأهالي، وكان رئيس تحرير المجلة مصطفي شردي، وأنا مدير التحرير، وجاء لنا أستاذ فاضل متخصص في اللغة العربية اسمه احمد عبداللطيف بدر ليكون مشرفا علينا، أي رقيبا علينا، ولم يكن يحب أسلوب كتابتنا لأنني كنا نكتب موضوعات سهلة الصياغة.


بينما كان هو يريدنا أن نكتب بالسجع،  فذهبنا الي الناظر لنشتكي المشرف علي المجلة،  فرد علينا: هل انتم قادرين علي تحمل المسئولية؟  فرددنا بالايجاب، فألغي الاشراف علينا،  ومرة كتبت موضوع اسمه " سياط"  وتخيلت نفسي أنني صحوت من النوم ومعى " سوط" وذهبت الي مدير مديرية التربية والتعليم في بورسعيد وأخذت أضربه بالسوط، وأصرخ فيه : انت سايب المدارس مهملة، وصدر العدد ، وفرح الناظر بالعدد، وبالصدفة كان ذلك في وجود مدير المديرية في مكتبه، فـأخذ المدير يتصفح المجلة، وفجاة وجد الموضوع، فثار كثيرا، فقال الناظر لنا: أنتم لم تكونوا على قدر المسئولية، وقرر معاقبتنا بأن نحرس المدرسة ليلا، وأعطي لكل منا مسطرة حديد، وطلب منا أن نقطع بها النسخ، وكل منا قطع بيده 500 نسخة، وسلمهم مقطوعين بالعدد. 

-       وكيف تري النقد لأي سلبيات في المجتمع؟

-       أجاب: أنا مع النقد طالما كان للصالح العام، وليس لأي أغراض أخري.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم