رغم قرار وزير التنمية المحلية بتنظيم عمله وترخيصه

«التوك توك».. جريمة على ٣ عجلات !

التوك توك
التوك توك

السائقون: أكل العيش وراء شرائنا له.. الصنايعية: قضى على «الأسطوات»

 

الخبراء: إلزام السائقين بالفيش الجنائى ضرورة

 

صداع مزمن أصاب الطرقات.. كارثة احتلت الشوارع والحوارى.. كابوس استعصت عليه الحلول وفشلت محاولات كثيرة للحد من خطورته.. جرائمه أصبحت على مرأى ومسمع من الجميع ولا تتوقف.

 

طاعون اغتال الحرف والصناعات.. إنه التوك توك «برغوث» الطرقات الذى أصبح يلدغ الجميع مدمرا الأخضر واليابس.. بدأ ظهوره فى مصر عام 2005 بمدينة السنبلاوين التابعة لمحافظة الدقهلية بغرض أن يكون بديلا للمواصلات باهظة الثمن و«الحناطير» التى كانت تلوث المدينة.

 

صغر حجمه واختصاره للأوقات وإنجازه لكثير من احتياجات المواطنين جعله نعمة يتهافت عليها المواطنون وجعل انتشاره فى جميع محافظات مصر سريعا، ومع هذا الانتشار السريع تحولت هذه النعمة لنقمة صانعة لكوارث وجرائم لا حصر لها لإقبال الكثير من أرباب السوابق والمنحرفين عليها.

 

الفاجعة الكبرى أنه أصبح يعمل عليه الأطفال، ومع هذه المصائب وانتشاره السريع انتبهت الدولة لخطورته فتم إصدار قانون المرور رقم 121 لعام 2008 والذى تضمن وجوب ترخيص هذه «التكاتك» وقامت بوضع تعريفة خاصة به، إلا أن هذا القانون لم يكن الحل الأنسب ولم يقدم سوى القليل على الترخيص. فى عام 2014 كانت المحاولة الثانية لحل مشكلة التوك توك بحظر استيراده مؤقتا.. لتأتى المحطة الأخيرة مؤخرا لإيجاد حل لهذا السرطان الذى تفشى ليصدر وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراوى كتابا دوريا ينظم عمله.

 

حوادث كثيرة وضحايا فارقوا الحياة بسبب «التوك توك» فما بين حادثة قتل واغتصاب وتعد، يضعنا ذلك أمام تساؤل هل هو أداة اللصوص من أجل تحقيق أهدافهم الإجرامية أم وسيلة من أجل كسب الرزق وفرصة عمل محتملة، ناهيك عن أن أصحاب التكاتك أنفسهم أيضاً قد تعرضوا للعديد من الحوادث منهم من نجا ومنهم من لقى حتفه وفى ضوء ذلك نرصد فى السطور التالية آخر جرائم التوكتوك.


آخر ضحاياه طفل السلام كما يطلق عليه فى وسائل التواصل الاجتماعى والذى لقى حتفه فى أحد حوادث الكارثة المدعوة «التوكتوك»، والذى توفى نتيجة جرح ذبحى فى الرقبة، حيث تم استدراج الطفل الذى يبلغ من العمر 15 عاماً خلف أحد المبانى، وتم تهديده بترك «التوكتوك» من قبل الشخصين اللذين قد ركبا معه، لكنه رفض فقاما بذبحه بسلاح أبيض وتجريده من ملابسه وسرقا متعلقاته والتوكتوك وفرا هاربين.


والضحية التالية إبراهيم على 16 عاماً وبسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار ترك التعليم وعمل سائق توكتوك باليومية قبل أن يترك العمل مع أحدهم ويشترى التوكتوك الخاص به، كانت بداية الفاجعة أن طلب أحد الأشخاص من ابراهيم توصيله الى الكورنيش، واستدرجوه الى منطقة مقطوعة وتم اجباره على النزول الا انه ابى، وحسب شهود العيان قال ابراهيم «اقتلونى بس مش هتاخدوه منى»، فما كان منهم الا أن قتلوه والقوا به فى منطقة ذات حشائش وبوص كثيف حتى يتستروا على جريمتهم.


لم يكن يوسف محمد يعلم أن يوم ميلاده هو اليوم الذى سيفارق فيه الحياة، يوسف طالب بالمعهد العالى للدراسات التعاونية بالمنيرة استشهد يوم عيد ميلاده، خرج يوسف يوم الوقفة من اجل لقمة العيش ومن اجل توفير المال اللازم لأمه وأخته، فقد كان هو العائل لأسرته قبل أن يستدرجه أحد الأشخاص الذين ركبوا التوك توك معه من اجل أن يوصلهم الى منطقة النزهة، اشهروا عليه سلاحا ابيض لكنه رفض ان يسلم لهم «التوكتوك» لأنه كان مصدر الدخل الوحيد له ولعائلته، فتم ذبحه بدماء باردة، ويقول صديق يوسف إن آخر اتصال تلقاه منه «الحقنى يا عمر»، ثم بعدها سمع صوت يوسف وهو يلقى الشهادتين. 


«الأخبار» فى هذا التحقيق اقتحمت عالم التوك توك لمناقشة هذه القضية.


لقمة العيش


«إيه اللى رماك على المر».. هذه الجملة كانت القاسم المشترك بين جميع سائقى التوتوك، مؤكدين أنهم لم يكن يخطر ببالهم يوما أنهم سيكونون سائقين لمثل هذه المركبات.. خاصة أن بعضهم كان يعمل فى حرف وتركها لقلة الحيلة والإقبال، ناهيك عن أن بعضهم حاصلون على شهادات جامعية ولكن لم يحالفهم الحظ فى الحصول على وظائف تساعدهم على تحمل أعباء الحياة.


فى البداية يقول عبد الهادى الغرباوى، سائق توك توك: إن شراء توك توك والعمل عليه لم يكن يوما جزءا من أحلامه خاصة انه تخرج فى معهد خدمة إجتماعية بتقدير جيد مرتفع وكان يحلم أن يصبح أخصائيا اجتماعيا ويكمل دراسات عليا ويتخصص بعد ذلك فى مجال العلاج النفسى وحل مشاكل المواطنين إلا انه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.


ويوضح انه بعد الخسارة الكبيرة فى أحد المشروعات التى عمل بها قرر أن يستثمر ما تبقى لديه من أموال وبعد فترة من الدراسة توهم ان التوك توك هو الحل السحرى له لأنه ظن انه سيستطيع فقط فى اقل من ساعتين ان يحصل على مبلغ لا بأس به كما كان يرى عندما يستقل هذا التوك توك مع احدهم.


رخص معتمدة للقيادة


«يابيه والله أنا نجار موبيليا بس نعمل إيه فى الظروف الصعبة اللى بنمر بيها وان الزباين مبقتش بتقدر تعمل أوض مصنعية وبتروح للصينى» بهذه الكلمات وبنبرة حزينة غاضبة بدأ محمود حسين حديثه لـ«الأخبار» ويوضح أنه يعانى من تضييقات غير مبررة فى التعامل معه بل ويتم مساواته هو ومن هم مثله ممن التزموا بالقوانين الخاصة بالتراخيص بالآخرين الذين يخالفون القانون ولم يلتزموا بالتراخيص اللازمة.


ويشير إلى ان منع التوك توك من السير فى الشوارع والمدن الرئيسية لن يكون الحل الأمثل للمشكلة لان التوك توك وسيلة للمواصلات شأنه شأن الميكروباصات وسيارات الأجرة بل ان الملايين من الموطنين يفضلونه عن هاتين المواصلتين نظرا لرخص سعره وسرعته فى انجاز «مشاويرهم» لذا فان الحل الأمثل لهذه المشكلة هو بإصدار رخص قيادة خاصة لسائقى هذه المركبات.


ويؤكد اشرف مصطفى، سائق توك توك، أن حال التوك توك فى مصر لا يسر عدوا ولا حبيبا وانه بالفعل تحول الى كابوس مرعب يتسبب فى كثير من المشاكل والجرائم ويضيف انه يتمنى أن تنتهى المعاملة بمبدأ السيئة تعم والحسنة تخص لأن هذه الطريقة فى التعامل مع سائقى «التكاتك» قد تزيد من المشكلة فليس كل من يعمل فى هذا المجال مسببا للمشاكل لذا يجب علينا أولا أن ندرس أسباب تواجد هذه المشاكل حتى نضع حلا عادلا لا يظلم احدا.


مصدر خطر


الغضب شعار رفعه المواطنون ليعبروا عن احتجاجهم على الوضع المزرى الذى نتج عن جرائم التكاتك التى لا تنتهى.. المواطنون أكدوا ان هذه المركبات أصبحت كالسرطان الذى ينتشر فى كل مكان ناشرا جرائمه ومخالفاته بلا رقيب أو حسيب.


يقول مدحت هاشم، محام: إن التكاتك أصبحت كابوسا مرعبا يؤرقنا ويعانى منها الكثيرون بسبب كثرتها التى فاقت الحدود بالإضافة إلى ان الكثيرين ممن يقودونها لا يلتزمون بقواعد المرور بالإضافة إلى ان هناك فئة منهم ليست بالقليلة لا يعرفون عن الأخلاق سوى اسمها فقط.


ويضيف انه قديما كان يستقل التكاتك لرخص أسعارها ولأنها كانت وسيلة مواصلات تنجز الوقت مقارنة بوسائل المواصلات الأخرى أما الآن وبالأخص وبعد ان ازدادت مشاكلها وتحولها إلى وكر يؤوى الكثير من الخارجين عن القانون أصبح يخشى على نفسه وعلى أولاده منها ولا يستقلها.


ويشير إلى ان قرار الوزير الأخير جيد ولكنه يحتاج إلى الشدة فى التطبيق.


«والله احنا بقينا مش عارفين نعمل ايه مانقدرش نقول ان كل التكاتك وحشه بس برضه مشاكلها بقت فوق الوصف ومش عارفين ايه الحل» هكذا بدأ شعبان محمد، موظف على المعاش، حديثه لـ«الأخبار».


ويضيف أن المشكلة ليست فى وجود التكاتك فى حد ذاتها أو أنها تمشى فى الشوارع الرئيسية والمدن ولكن المشكلة أصبحت تكمن فى سائقى هذه التكاتك الذين حولوها من وسيلة مواصلات يفضلها الناس لسرعتها فى انجاز حاجاتهم ناهيك عن رخص أسعارها إلى ملاذ وستار لشهواتهم وارتكاب الجرائم.


وتلتقط طرف الحديث نرمين محمد قائلة: إن التكاتك أصبحت وحشا يخشاه الفتيات خاصة بعد ان أصبح أداة يستخدمها البعض فى جرائم الخطف والاغتصاب وهذا ما ظهر فى الآونة الأخيرة.


الصنايعية


هل أضر التوك توك بالحرف الصغيرة؟!، وهل تسبب وهم المكسب السريع فى ترك «الصنايعية» لمهنهم لقيادة هذه المركبات؟! أسئلة كثيرة احتاجت للتوضيح والاجابة.


«بص يا بيه التوك توك دمر الصنايعية وضيع قيمتنا وقيمة ان الحياة كفاح وخلى كل حاجة سهلة وان الصنايعى بدل ما يعافر عشان ينتج يستسهل الرزق ويسوق البتاع ده وبقينا ولا بنفيد ولا بنستفيد وكمان الاخلاق باظت» بهذه الكلمات المعبرة وبملامح حزينة بدأ حسين ناصر، نجار، حديثه.


ويشير الى انه بعد فترة ليست بالقليلة وجد كثير من «الاسطوات» الماهرين فى الحرف أن صبيانهم الذين فشلوا فى تعلم الصنعة يحصلون على أموال طائلة من التوك توك نتيجة رخص سعر التوصيلة بل إنهم فى الساعة الواحدة قد يتكسبون اكثر من مائة جنيه ومن هنا جاءت المشكلة.


ويكمل ان هؤلاء الحرفيين بعد ان شاهدوا صبيانهم الذين كانوا يتعلمون منهم بل إنهم فشلوا فى التعلم يتكسبون دون عناء بل وان بعضهم استطاع ان يوفر أشياء يظل هذا الحرفى يعمل على توفيرها لفترة طويلة فى ساعات معدودة كانت بداية ترك هؤلاء لحرفهم بحجة «وانا اتعب نفسى ليه انا ممكن اكسب فلوس من غير تعب هو الصبى بتاعى احسن منى».


يؤكد وائل محمد، كهربائى: أن أصحاب الأيدى الماهرة يقل عددهم يوما بعد يوم والسبب التوك توك الذى أصبح حلم الكثير للحصول على مكسب سريع ليس به مخاطرة أو تعب.

 

ويوضح أن السبب فى ترك أصحاب الحرف ان مهنهم ليست دائمة وأنها موسمية بمعنى انه بمجرد ان ينتهى العمل الذى يقوم به ينتظرون عملا آخر يقومون به أما فى حالة التوك توك فهو عمل دائما تستطيع أن توفر منه المال فى اى وقت وبأقل مجهود على عكس أعمالهم الأصلية.. ويشير إلى ان الظروف المعيشية كان لها عامل رئيسى وشريك فى هروب ونزوح الكثير من الحرفيين الى العمل على التوك توك.


مضيعة للوقت


هل سينجح وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراوى فى حل مشكلة التوتوك التى تفاقمت ؟!، وهل سينتهى كابوس هذه المركبات المرعب قريبا؟؟.. سؤال طرحته «الأخبار» على الخبراء لمعرفة المقومات التى يجب ان تتوافر لتنتهى جرائم هذه المركبة التى أصبحت تهدد القاصى والدانى.. 


فى البداية يقول اللواء مجدى الشاهد، الخبير المرورى: إن الحديث عن وضع حلول لمشاكل التكاتك التى أصبحت على مرأى ومسمع للجميع دون دراسة أسباب وجود هذه المشاكل والعمل على حلها أولا عبث ومضيعة للوقت والجهد لان هذه الحلول ستصبح حبرا على ورق غير قابلة للتنفيذ.

 

ويضيف أن ابزر هذه المشاكل هى الثغرات الموجودة فى قانون المرور الحالى والتى تكفى لتدمير اى حل يتم طرحه لان سائقى هذه التكاتك يستغلونها فى الهروب من العقوبات.


ويوضح ان ابرز هذه الثغرات المادة 72 بقانون المرور والتى تنص على ان من يرتكب فعلا مخالفا للاداب العامة من سائقى هذه التكاتك يستطيع ان يتصالح بدفع غرامة قيمتها 250 جنيها فقط لا غير.


 ويشير إلى أن الأمر لم يتوقف عند هذه المادة فقط لان هناك بنودا كثيرة فى قانون المرور يستطيع سائقو التكاتك أن يستغلوها للهروب من طائلة القانون وذلك عن طريق التصالح بدفع نصف الحد الأدنى للغرامة وينتج عن هذا التصالح انه حتى وان لم يلتزم مالكو هذه التكاتك بالترخيص اللازم يستطيعون أن يعيدوا مركباتهم مرة أخرى لتعود لعملها.


قرار صائب


ويؤكد عبدالهادى بعجر، عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، أن قرار وزير التنمية المحلية الأخير والذى يمنع «التوك توك» من السير فى الطرق الرئيسية قرار صائب وتأخر كثيرا لأنه يساعد فى الحد من الزحام المرورى المنتشر فى الشوارع الرئيسية والتى ينجم عنها العديد من المشاكل والحوادث التى تودى بحياة الكثيرين.

 

ويطالب بعجر المحافظين بسرعة تنفيذ قرار الوزير بحصر عدد المركبات خاصة وان هناك بعض الإحصائيات تشير إلى ان أعدادها وصل إلى 3 ملايين مركبة وهذا الرقم خطير جدا إذا ما قورن بالأعداد التى قامت بالترخيص لذا فان الإسراع فى حصر أعدادها أمر ضرورى حتى نلزم المركبات غير المرخصة على الترخيص وتقنين وضعهم وإلا وقعوا تحت طائلة القانون.


أما عن إجراءات مواجهة التوك توك وجرائمه فإن الترخيص وسيلة قوية وفعالة فى ضبط عمل هذه المركبات بالإضافة الى ان أن التوكتوك سيحمل أرقاما مرورية مسجلة بالهيئة العامة للمرور وتمكن الجهات المختصة من تعقب حركة الجريمة والحوادث، وأن تحديد أعداد المركبات سيتم فى كل محافظة من أجل الوقوف على أعدادها.

 

بالإضافة إلى أنه سيتم إعطاء لون «للتوكتوك» حسب المحافظة التابع لها، وستكون هناك عقوبات مشددة تصل الى أغلى من ثمن التوكتوك حتى، بالإضافة إلى أنه لن يتم خروجها من المصانع إلا بعد صدور تراخيص خاصة بها من أجل ضمان عملية الترخيص والسيطرة عليها.


أمر واقع


وتقول دينا عبدالعزيز، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب: إن عدم الجدية والاستهتار فى التعامل مع التوك توك منذ بداية ظهوره سبب رئيسى فى زيادته بصورة عشوائية، بالإضافة إلى أنه نجم عنها ظاهرة اجتماعية خطيرة وهى عمالة الأطفال.


وتضيف ان لجنة الادارة المحلية بالتنسيق مع لجنة النقل والمواصلات يبذلان أقصى جهدهما لوضع حلول لمشكلة التوك توك وهذا ما سيظهر فى القانون الجديد والذى يدعم قرار وزير التنمية المحلية الأخير وتشدد على ان نجاح القانون الجديد فى السيطرة على هذه الظاهرة مقرون بمدى قدرة الجهات المعنية على مراقبة حركة التراخيص الخاصة بالتوك توك، وفرض عقوبات كبيرة على كل المخالفين والتى قد تصل إلى سحب المركبة والسجن المشدد لمن يصر على المخالفة.


 وتوضح أنه سيتم تقليل سن الترخيص من 21 سنة الى 18 سنة من أجل جذب أكبر عدد من سائقى التوكتوك للترخيص.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم