حروف ثائرة

محمد البهنساوي يكتب: أكتوبر.. والروح الغائبة

محمد البهنساوي
محمد البهنساوي

٤٥ عاماً.. ولازالت نشوة النصر بذروتها.. ولذة الفرح بقمتها.. ودفعة الأمل بكامل قوتها.. واستعادة الثقة والكرامة بتوهجها وزخمها.

٤٥ عاماً وجسد كل مصري وطني ينتفض ويرتعش.. وتتحجر بالعين دمعة كلما جاء ذكر حرب أكتوبر المجيدة.. واسترجعنا بطولة أمة كادت أن تفقد الأمل.. ومعجزات جيش عظيم.. لم يهتز أو يفقد الثقة والتوازن رغم جرح النكسة.

٤٥ عاماً ولازالت أكتوبر حالة مبهجة للشعب المصري مفجرة لكل طاقاته الإيجابية والإعجازية.. ملاذه الأمن عندما تعتل الحالة الوطنية.. ودرعه الحصين عند تهديد وحدة المصريين وسلامهم الاجتماعي.

وهنا لن أعيد في وصف حالة عرفناها جميعا هى حالة أكتوبر.. رغم أن تلك الحالة تستحق أن نجلس عقوداً وقروناً نتسامر فيها ونتدارسها.. وفى كل مرة نكتشف جانبا مضيئاً ومفاجأة مدوية لتلك الحالة التي لازالت تبهرنا.. لكننا نشير إلى نقطة مهمة.. وهى أن حالة أكتوبر تلك لا تكمن في جرأة وجسارة قائد وزعيم.. أو قوة وإعجاز وعلم وثقة جيش وطني عظيم.. أو معدن أصيل لشعب عشق تراب وطنه.. ويموت في اليوم مائة مرة إذا ما مست أقدام نجسة هذا الترب المقدس.. أو حاولت اقتطاع شبر واحد منه.

وفي رأيي فإن حالة أكتوبر هى كل هذا مجتمعا أضف إليه ما شئت من علامات وذكريات وملاحظات ودروس.. تؤكد كلها أن نصر أكتوبر.. ملحمة شعب وجيش وأمة.. وبعد كل تلك السنين.. أرى من الضروري واللازم أن تستغل تلك الأمة بكل عناصرها حكومة وقادة وشعبا حالة أكتوبر.. في السراء لزيادة الطاقة الإيجابية ومضاعفة النتائج.. وفي الضراء لدرء أي خطر يتهدد الأمة.. لابد أن يتعلم الجيل الصاعد كله أكتوبر الصبر والمثابرة.. التريث والثأر.. مصر عندما تنتكس وكيف ترفض وبقوة وعزيمة الانكسار والانهزام.. لتعود وتنتفض من غياهب موت ظنه الجميع دفنًا لتاريخ وحاضر ومستقبل أمة أكثر قوة وصلابة.. تنفض غبار هزيمة عارضة بنصر مبين يرسخ عراقة المصريين وقوتهم في مواجهة الأزمات.

ما أحوجنا الآن.. والآن تحديدا.. لنعرف ماذا فعل المصريون خلال حرب أكتوبر.. فاليوم مصر تخوض حربا ربما أكثر ضراوة وشراسة.. فحرب أكتوبر كانت مع عدو ظاهر معروف.. ندرك ونرصد مكامن قوته وخسته.. داعميه ومعاونيه.. أما الآن فحربنا شرسة أمام عدو حقير له نفس الخسة وربما يزيد.. فئران لا ندرى من أين تأتى وإلى أين تهرب وتختبئ.. لا نعلم على وجه الدقة والتحديد من يدفعها.. ويدفع لها.. وإن كانت الشواهد تقودنا إلى بعضهم.. فمطلوب من الشعب الذي تحمل اقتصاد حرب الكرامة.. ليقتسم الخبز والماء.. وتحمل ظلمة انقطاع الكهرباء.. وقلة - بل وندرة- كل مقومات الحياة كي تحيا بلده وتسترد كرامتها.. فكيف لأحد الآن أن يتذمر من تراجع لكماليات.. أو قلة رفاهية.. أو وجود سلعة لكن بسعر أعلى.. هنا نقول الشعب هو نفسه لم يتغير.. إنما غابت عنه روح وحالة أكتوبر قطعا وهذا مسئولية الجميع.. هذا أهم ما نحتاجه في حربين نخوضهما بلا هوادة.. حرب التنمية والحرب على الإرهاب.

وإذا كنا لن نتحدث مجدداً عن دروس وإعجازات أكتوبر.. فهذا لا يمنع أن نذكر بكل خير وننحني إجلالا واحتراما أمام أبطالها.. بدءًا من أصغر مجند أو ضابط حمل روحه على يده فداء لبلده وشعبه.. وصولا إلى قادتها العظماء الخالدين.. الرئيس البطل الشهيد أنور السادات الذي سبق عصره وتحمل وبجسارة تبعات قرار الحرب.. وخاض وبنفس القوة معركة السلام.. والمشير أحمد إسماعيل وزير الحربية الشريك الأول فى تنفيذ قرار الحرب.. والفريق سعد الشاذلي رئيس أركان الحرب الرأس المدبر للهجوم المصري.. واللواء عبدالغني الجمسي رئيس هيئة العمليات وصاحب "كشكول النصر".. وقادة الأفرع الرئيسية والجيوش والتشكيلات الميدانية.. فلهم جميعا تدين الأمة بفضل استعادة شرفها الذي لا يتخيل أحد بعد أكتوبر 73 أن يضيع منها ثانية بإذن الله ثم بفضل أبطال جيشها الغوار.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم