محمد البهنساوي ‎يكتب من نيويورك: ‎مصر أمريكا.. وداعًا للإملاءات والتفريط 

محمد البهنساوي
محمد البهنساوي

‎عشية انطلاق فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة.. كان اللقاء المرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب.. اللقاء الذي حرصت على طلبه الإدارة الأمريكية.. وتم في مقر إقامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بنيويورك..ليست أهمية اللقاء فقط في أنه بين رئيس أقوى وأهم دولة في العالم ورئيس أهم دولة بالشرق الأوسط.. وليس أيضًا لأهمية الملفات التي تناولتها القمة، والتي تحدد مسارات عديدة بإقليم الشرق الأوسط؛ بل والعالم خاصة في جهود مكافحة الإرهاب.. لكن في اعتقادي تكتسب القمة أهمية خاصة لمصر الجديدة التي بدأت خطواتها الأولى لمستقبل منتظر بعد ثورة 30 يونيو.. لنكتشف إلى حد بعيد أين نقف وإلى أين نسير؟؟.. ويرسخ وبقوة التغييرات التي طرأت على مصر بعد 30 يونيو مقارنة ليس فقط بالسنوات القليلة قبلها إنما لسنوات وعقود سابقة عليها.

 

‎فمصر التي بدأت تفقد استقلال قرارها بعض الشيء بعد اندفاعها غربًا إلى القطب الأمريكي بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل.. حتى بلغت حد لا يليق بمصر مطلقًا من شبه التبعية للأمريكان قبل ثورة يناير.. لتبدأ بعدها وبعد سيطرة المرشد وعشيرته على الحكم ومحاولتهم اختطاف مصر وطمس هويتها مرحلة أخطر في العلاقات المصرية الأمريكية تتحول فيها القاهرة إلى حجر زاوية وعمود خيمة لمخطط يستهدف طمس هوية المنطقة كلها وإذابتها شيئًا فشيء ضمن مخطط الشرق الأوسط الجديد، والذي تمثل فيه إسرائيل وتركيا حجر الزاوية ومنطقة ارتكاز له.. لكن جاءت ثورة الـ30 من يونيو لتهدم هذا المخطط تماما.. لتبدأ العلاقات المصرية الأمريكية مرحلة ضبابية أساسها أن واشنطن تحمل مصر 30 يونيو مسئولية هدم مخططها للسيطرة والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.. وإطلاق يد ربيبتها إسرائيل لتدير المنطقة بتعاون استراتيجي مع حلفاء أمريكا بالمنطقة وعلى رأسهم تركيا وقطر.

 

‎وبدأت الإدارة الأمريكية وقتها حربها الثأرية ضد مصر.. محاولات لفرض حصار اقتصادي عليها وعزلها عن العالم.. سعي حثيث لتشويه مصر وإغراقها في المشاكل.. وأصبحت العلاقة بين الدولتين فاترة اقرب للجمود.. ولولا حكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حافظ على شعرة معاوية بين البلدين.. وتغيير هادئ لمنظور الدولة الواحدة في سياسة مصر الخارجية.. لانفرط عقد تلك العلاقة للأبد.

 

‎لم تسقط مصر .. ولم تضل طريقها.. بل بدأت تتحسس الطريق الصحيح نحو المستقبل الذي ينتظره أبناؤها.. وبدأت  علاقاتها الدولية تتوسع شيئا فشيئا وتتمدد شرقا وغربا.. شمالا ويمينا .. وبدأت أمريكا بحكم سياستها البرجماتية تغيير بوصلتها ولو ظاهريا نحو مصر في نهاية حكم الرئيس السابق باراك أوباما.. لكن الباطن تكشفه مواقف غريبة لإدارة أوباما لتؤكد أن التربص بمصر لا يزال خفيا في طيات السياسة الأمريكية من احتواء فلول الجماعة الإرهابية وبعض عملائها دراويش أمريكا من رموز ثورة يناير.. كانت الأمور مرشحة للعودة للبرود في العلاقات إذا ما فازت هيلاري كلينتون بالانتخابات الأمريكية الأخيرة.. لكن فاز دونالد ترامب.. وهو رغم أي خلاف على طريقته في الحكم.. لكنه يبحث عن مصالح أمريكا أولا وأخيرا .. ولا يحمل إرث الثأر من مصر 30 يونيو على دورها في هدم مخطط إدارة أوباما للسيطرة علي الشرق الأوسط .. وعدم وجود خلفية انتقاميه تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قاد مصر بعيدا عن المخطط الأمريكي .. وأعاد صياغة علاقاتها الدولية حول العالم .. ومن أوائل المتنبئين بفوز ترامب ومد معه جسور الصداقة وهو مجرد مرشح في الانتخابات الأمريكية وقبل فوزه بها.

 

‎وتكررت اللقاءات بين الزعيمين .. لكن لقاء الأمس كان مختلفاً.. وكشف كما أشرت عن نجاح سياسة مصر الخارجية  من جهة .. وتغيير منهجها من التبعية إلى استقلالية القرار للدفاع فقط عن مصالح مصر العليا أولاً وأخيرا وإنهاء سياسة التبعية لقوة وحيدة على حساب علاقاتنا بقوى عظمي تاريخية وأخري صاعدة حول العالم .. وهناك أدلة كثيرة على هذا النجاح.. فاللقاء الذي تم بين الرئيسين السيسي وترامب العام الماضي جاء وسط اقتطاع لمبلغ 330 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر لعامي 2016 و2017.. وكانت تنتظر أمريكا تحركا مصريا حتي تعيد هذا المبلغ من خلال تنفيذ بعض المطالب بل والإملاءات الأمريكية.. والتخفيف من حدة التوجه المصري شرقا وتحديدا تجاه الدب الروسي والتنين الصيني لكن مصر مستقلة القرار التي ترفض الإملاءات لم ترضخ وصارت في نهجها الذي تقره وتمليه على قيادتها مصلحة مصر وليس مصلحة الأشخاص فسارت مصر في هذا التوجه بحكمة منعتها من الصدام محافظة على علاقاتها بأهم دولة في العالم واستبقت أمريكا لقاء الزعيمين هذا العام بقرار عودة المبلغ المقتطع من المساعدات دون ثمن تدفعه مصر على حساب استقلالية قرارها.

 


‎وحرص ترامب على أن يطلب لقاء الرئيس وتم اللقاء في أجواء عكستها تغريدة للرئيس ترامب فور انتهاء اللقاء يؤكد فيها " أنه لشرف عظيم لي استقبال الرئيس السيسي في نيويورك بعد الظهيرة .. إنه اجتماع عظيم " ليرد عليه الرئيس السيسي بتغريدة مماثلة مؤكدا فيها " انه شرف لي لقاء شخصية عظيمة مثل الرئيس ترامب ". 

 

‎ويكفي بتلك التغريدات شاهدا على انتهاء عصر الإملاءات والتبعية في العلاقات المصرية الأمريكية وأن مصر 30 يونيو تسير في الاتجاه الصحيح لبناء دولة مستقرة قوية قادرة على زعامة إقليمها والتأثير في القرار الدولي.

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم