استقالة وزير البيئة الفرنسي تشعل قضية هامة في المجتمع

وزير البيئة الفرنسي نيكولا هولو
وزير البيئة الفرنسي نيكولا هولو

شكّلت استقالة وزير البيئة الفرنسي نيكولا هولو، الثلاثاء الماضي، صدمة للرأي العام نظرا لشعبية هولو العالية جدا خاصة لدى الشباب.


كرّس نيكولا هولو معظم حياته لقضية الحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي فأنشأ منظمةً لهذا الهدف كما قدّم خلال فترة 25 عاماً برنامجا على التلفاز حول الطبيعة والبيئة.


وعلى الرغم من الدعوات المتكررة له لكي يدخل إلى عالم السياسة إلا أن هولو فضّل الابتعاد عن السلطة، الرؤساء السابقون جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند طلبوا منه أن ينضم لحكوماتهم لكنه رفض، لكن الرئيس الشاب إمانويل ماكرون نجح في إقناع هولو بالانضمام لحكومته واعداً إياه بإعطائه صلاحيات واسعة لتغيير القوانين المتعلقة بالبيئة.

وبعد 15 شهراً في الحكم قرر هولو الإعلان عن استقالته حيث عبّر عن خيبة أمله الكبيرة تجاه تجربته في الحكم، وقال هولو إنه كان وحيداً في معركة الدفاع عن البيئة بعد أن أدارت له إدارة ماكرون ظهرها، كما اتهم هولو السلطة السياسية بالرضوخ لضغوطات مجموعات الضغط مثل رابطتي الصيادين والمزارعين معتبراً بأن الحكومة قيضت صلاحياته وطموحه بإجراء تغيير.

وتعدّ استقالة هولو ضربة سياسية موجعة لماكرون إذ أن الوزير السابق يتمتع بشعبية عالية وهو الذي وصفته الصحافة بـ"النزيه" وقد وجّهت إليه دعوات عدة لكي يترشح للرئاسة الفرنسية في أكثر من مناسبة.


وأعادت استقالة هولو للواجهة قضية الخطر الذي يحدق بالتنوع البيئي في فرنسا بعد أن دقت الجمعيات المدافعة عن البيئة ناقوس الخطر بسبب التدهور السريع للتنوع الحيوي النباتي والحيواني، فما هو وضع التنوع الحيوي في فرنسا اليوم؟ وما هي العوائق التي واجهها نيكولا هولو في معركته للحفاظ على التنوع الحيوي والبيئي؟.


منذ عام 1976 أطلقت الحكومات المتعاقبة عدة برامج وخطط للحفاظ على التنوع الحيوي وحماية الطبيعة آخرها كان الخطة التي أطلقها نيكولا هولو والتي سميت بـ"خطة التنوع الحيوي" حيث عوّل هولو على هذه الخطة لإحداث ثورة بيئية في فرنسا إلا أن أمله خاب بعد وضع العراقيل أمام الخطة التي لم يتم اعتمادها بالشكل الذي أراده.


وبحسب آخر الدراسات فإن التنوع الحيوي مهدد في فرنسا بسبب عدة عوامل أهمها: استخدام المبيدات، توسّع الأراضي الزراعية على حساب الغابات، صيد بعض أنواع الطيور، الاحتباس الحراري.


وبحسب دراستين نُشرتا شهر مارس الماضي فإن حوالي 33% من طيور الأرياف في فرنسا اختفت بين عامي 1989 و2017 وذلك بسبب المبيدات والزراعات المكثفة وتدمير أماكن سكن الطيور.


وبحسب تقرير اللجنة الفرنسية للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة فإنّ 18000 نوع من الحيوانات في فرنسا مهدد بالانقراض، ومن بين 125 نوع من الثدييات التي توجد في فرنسا يوجد 17 نوع على اللائحة الحمراء للأصناف المهددة.


أما بما يتعلق بالمساحات الخضراء الطبيعية، نشرت وزارة البيئة الفرنسية عام 2014 تقريرا حول وضع البيئة في فرنسا أظهرت فيه بأن ما يعادل 68 ألف هكتار من الأراضي يزول كل سنة على حساب تعبيد الطرقات وبناء مواقف السيارات ومراكز التسوق.


المياه في فرنسا أيضاً أصابها التلوث نتيجة استخدام المبيدات، فبحسب تقرير قديم نشرته الكوميساريا العامة للتنمية المستدامة في فرنسا عام 2001، فإن 93% من منابع المياه خاصة في المنطقة الباريسية وشمال البلاد تحتوي على بقايا جزيئيات بعض المبيدات.


ومنذ عام 2001 لم يتحسن وضع المياه فقد أظهر تقرير للاتحاد الفيديرالي للمستهلكين عام 2017 بأن نصف الأراضي الفرنسية أصبحت مياهها ملوثة بالمبيدات بكميات تتخطى المعايير المسموح بها.


وخاب أمل وزير البيئة السابق نيكولا هولو عندما أقر البرلمان الفرنسي قانون تمديد استخدام الغليفوسات وهو مبيد أعشاب كيميائي ومضر لمدة خمس سنوات إضافية غاية إيجاد بديل لهذه المادة.


وتعتبر فرنسا من بين أكثر دول العالم اعتمادا على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، فـ77% من الكهرباء في فرنسا تأتي من المفاعلات النووية التي يبلغ عددها 58 موزعة على 19 مركز نووي.


من جهته، وضع نيكولا هولو فور استلامه لحقيبة وزارة البيئة هدفاً وهو تخفيف التعويل على الطاقة النووية لكي تصل النسبة لـ50% بحلول عام 2025 بدل 77% حالياً.


إلا أن هولو سرعان ما اصطدم بالأمر الواقع فاضطر أن يتنازل حيث صرّح بأن النسبة لن تصل لـ50 % إلا بحلول عام 2035 بأحسن الأحوال.
ويذهب بعض المحللين للقول بأن القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت لاستقالة نيكولا هولو كانت خلافه مع الصيادين وانحياز الرئيس ماكرون لرابطة الصيادين.


فقبل يوم من استقالة هولو اجتمع هذا الأخير مع الرئيس ماكرون بحضور ممثلين عن الرابطة ومنهم ممثل الفيديرالية الوطنية للصيادين تياري كوست الذي لم يكن من المفترض أن يكون مدعواً. وخلال إعلانه عن استقالته، عبّر هولو عن غضبه بعد رؤيته لتياري كوست في الاجتماع الذي جمعهم بماكرون.


من جهته انحاز الرئيس ماكرون لقضية الصيادين فوافق على خفض سعر رخصة الصيد لتبلغ نصف قيمتها السابقة كما قرر وبناءا على نصيحة من تياري كوست أن يُعيد عادة "الصيد الرئاسي" الذي يذكر بتاريخ الملوك في فرنسا ورحلات الصيد التي كانوا يقومون بها.


وكانت استقالة نيكولا هولو لها وقعاً كبيراً على الشارع الفرنسي ولكن أيضاً لدى الجمعيات غير الحكومية التي تدافع عن البيئة والتي أطلقت اليوم الخميس نداءا لماكرون لحثه على اتخاذ قرارات لصالح الكوكب الذي بات مهددا، وتستمر الجمعيات في معركتها للحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي في فرنسا على الرغم من الضغوطات التي تمارسها مجموعات الضغط "اللوبيات" على السلطة لمنع اتباع قوانين جديدة لمصلحة البيئة.


وكان وزير البيئة الفرنسي نيكولا هولو قد أعلن استقالته الثلاثاء الماضي، بسبب ما وصفه فشل السياسات الحكومية في حماية البيئة والحفاظ على التنوع البيئي.

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم