كشفتها وثائق وأبحاث خارجية تل أبيب

وقائع عملية «القهوة» الإسرائيلية للسيطرة على «باب المندب»

 المصالحة التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا
المصالحة التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا

أديس أبابا رفضت إقامة قاعدة بحرية لإسرائيل جنوب إريتريا


السادات كلَّف إمبراطور إثيوبيا بمهمة قبل حرب أكتوبر بأيام

 

بالتزامن مع اعلان المصالحة التاريخية بين اريتريا وإثيوبيا كشفت إسرائيل للمرة الأولى عن دورها فى تأجيج الصراع بين الدولتين الأفريقيتين الجارتين، كما كشفت عن أقدمية الاهتمام بالقيام بهذا الدور وأرجعته إلى أيام جيل الآباء المؤسسين منذ ديڤيد بن جوريون بهدف تطويق النفوذ المصرى فى أفريقيا.

 

اعتبر وزير الدفاع الاسرائيلى الأسبق موشى ديَّان أن مضيق تيران بالنسبة لإسرائيل، هو بمثابة «جبل طارق» أو المنفذ الوحيد لها بعدما تفهَّم أن مضيق باب المندب يحمل نفس الأهمية بالنسبة لمصر.

 

ورغم أن هذا المفهوم جاء على لسان ديَّان فى أعقاب العدوان الثلاثى على مصر، إلا أن إسرائيل سعت إلى وضع أقدامها فى منطقة القرن الإفريقى بداية خمسينيات القرن الماضى، وألقت بأهداب تواجدها على البوابة الإثيوبية، التى تشرف بمساحة عريضة على باب المندب، لتجابه بذلك نفوذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فاتخذت، بحسب وثائق وأبحاث الخارجية الاسرائيلية، النزاع القائم بين إريتريا وإثيوبيا ذريعة لمساعدة أديس أبابا مقابل سماح الأخيرة بتدشين قاعدة بحرية إسرائيلية فى ميناء «عصب» الإريترى.

 

وانطوت المباحثات السرية التى جرت بين الجانبين بهذا الخصوص على مفارقات، أمطرت فيها إسرائيل إثيوبيا بوابل من المساعدات العسكرية واللوچستية وكذلك المادية، إلا أن إمبراطور إثيوبيا فى حينه هيلا سلاسى ماطل فى تلبية الطلب الاسرائيلى، لاسيما إبان حرب أكتوبر 73، التى أحبطت فيها الجهود المصرية والعربية بمنظور استخباراتى تمرير ما أطلقت عليه إسرائيل عملية «القهوة».

 

وتزامناً مع مرور 25 عاماً على الحوار الاستراتيچى بين أديس أبابا وتل أبيب، أزاح الصحفى الاسرائيلى المخضرم أمير أورين الستار عن خفايا عملية «القهوة» بين الجانبين، واستهل تقريره المنشور فى موقع «والاَّ» العبرى بالتأكيد على أن ممثلية إسرائيل لدى أديس أبابا، فاقت فى أهميتها حينئذ الممثلية ذاتها لدى لندن؛ وقال معد التقرير اعتماداً على الوثائق الاسرائيلية أن نجاح ديَّان فى تدشين قاعدة بحرية لبلاده على شفا باب المندب، كان يعادل «احتساء لبن التيس»! .

 

انتهزت إسرائيل خصوبة بيئة النزاع بين إثيوبيا وإريتريا، وإصرار الإمبراطور سلاسى على اعتبار إريتريا إقليماً تابعاً لبلاده فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن خلال هذا المدخل عرضت إسرائيل خدماتها على إثيوبيا، انطلاقاً من تقديرات للموقف يشير مضمونها إلى أن توطيد علاقات متينة مع سلاسى وحاشيته وجيشه، ستؤثر سلباً وبشكل مباشر على علاقاته بالرئيس جمال عبد الناصر.

 

بالإضافة إلى تأثيرها بشكل غير مباشر على علاقات إثيوبيا مع السودان والصومال، لاسيما أن مؤسس الدولة العبرية، وأول رؤساء حكوماتها ديڤيد بن جوريون، كان من مبتكرى نظرية «التحالف المحيطي»، التى تدور فى مضمونها العام حول أهمية الحلقة الإثيوبية فى السلسلة غير العربية، أو العربية غير المسلمة، التى تحيط بالحلقة العربية مثل إيران وتركيا والأكراد وأوغندا.

 

وعد إثيوبى


حتى حرب 67، أولت إسرائيل اهتماماً بالغاً بتأمين الإمبراطور هيلا سلاسى، وعملت على تدريب جيشه، وخصصت لذلك جانباً من نشاط أجهزتها الأمنية والاستخباراتية.

 

فى أعقاب الحرب ذاتها، بحسب وثائق الخارجية الاسرائيلية، آلت إسرائيل على نفسها إغداق الدعم لإثيوبيا، لكنها سعت للحصول على المقابل، وأعدت لتنفيذ الهدف عملية استخباراتية، أطلقت عليها اسماً كودياً هو «القهوة»، ولاحت بنود تلك العملية فى الأول من مارس عام 1968، حينما التقى نائب مدير عام الخارجية الاسرائيلية موشى بيتان إمبراطور إثيوبيا، ورئيس وزرائه، ووزراء كبار فى حكومته، ورئيس أركان جيشه.

 

تمحور الهدف من اللقاء، وفقاً لوثائق الخارجية الاسرائيلية حول الحصول على وعد إثيوبى بتمكين إسرائيل من تدشين قاعدة عسكرية بحرية فى ميناء «عصب» جنوب إريتريا، الذى لا يبعد كثيراً عن باب المندب، وأن تصبح تلك القاعدة تحت إمرة سلاح البحرية الاسرائيلى وقت الحاجة إليها.

 

بالإضافة إلى ترتيب هبوط طائرات الـ«سكاى هوك» الاسرائيلية، أو تزويدها بالوقود فى القاعدة؛ بالإضافة إلى مطالبة إسرائيل الامبراطور الإثيوبى بالتحالف معها وإيران، لوقف ما وصفه رئيس الوفد الاسرائيلى موشى بيتان بالتوغل السوڤييتى فى المنطقة، وإحباط التهديدات المصرية، لاسيما بعد احتلال سيناء اسرائيلياً، وتحول البحر الأحمر إلى جبهة عربية. رداً على ذلك، اكتفى هيلا سيلاسى بهز رأسه فى إشارة إلى إجابة دبلوماسية دون التزام بالتجاوب مع الطلب الاسرائيلى، أو حديث حول مرحلة علاقاته المستقبلية مع إسرائيل.

 

ووفقاً للوثائق الاسرائيلية، لعب الأثيوبيون على أكثر من جواد، وفتحوا خطاً مع الولايات المتحدة وفرنسا، لكن واشنطن وحدها مالت نسبياً إلى دعم المساعى الاسرائيلية حيال إثيوبيا. بعد شهر ونصف الشهر من لقاء أديس أبابا، جرى فى إسرائيل أول لقاء لعملية «القهوة»، ومثَّل إثيوبيا فى حينه وفد متواضع خوفاً من تسريب المعلومات، ورأى الأثيوبيون إرجاء التباحث حول القاعدة البحرية التى تطلب إسرائيل تدشينها جنوب إريتريا؛ وفى المقابل طالبوا بجزء من الأسلحة، التى حصلت عليها إسرائيل غنيمة خلال حرب 67، وأن تصل الدفعة الأولى من تلك الصفقة خلال مدة لا تزيد على شهرين.

 

إريتريا أولاً


أمام المماطلة الإثيوبية فى الالتزام بتدشين القاعدة التى يدور الحديث عنها، لم تيأس إسرائيل، وخلال لقاء آخر فى عملية «القهوة» بتاريخ ديسمبر 1969، جرت مباحثات فى أديس أبابا بين وفدين رفيعى المستوى هذه المرة من الجانبين، وترأس الوفد الاسرائيلى نائب وزير الدفاع موشى ديَّان، الذى وافق على طلب رئيس الأركان الإثيوبى باقتصار الدعم الاسرائيلى على المساعدة فى مجابهة المتمردين فى إريتريا. 

 

اتفق الجانبان بالفعل على حصول إثيوبيا على معدات عسكرية من إسرائيل بما قيمته ثلاثة أرباع مليون دولار، بالإضافة إلى تخصيص ربع مليون دولار لتمويل بناء قاعدة «عصب»، لكن الأثيوبيين صمتوا مجدداً أمام تلك القضية، وحينما حاول الاسرائيليون الضغط على وزير الدفاع الإثيوبى بهذا الخصوص، رد بعبارة مقتضبة: «إريتريا أولاً».

 

أمام اللاءات الإثيوبية، بدأ الحلم الإسرائيلى يتضاءل، بداية من محطة رادار، وصولاً إلى نقطة مراقبة متنقلة، لكن الموقف الإثيوبى لم يتغير، فتفهم الاسرائيليون أن أديس أبابا ترغب إلى جانب الأسلحة فى الاستعانة بوحدة الاستخبارات الاسرائيلية 848، المعروفة حالياً برقم 8200، لفك الشفرات، لكن إسرائيل رفضت الطلب هذه المرة. 

 

فى المقابل تنامى طلب المساعدات الإثيوبية من إسرائيل، تزامناً مع تصاعد المواجهة مع المتمردين فى إريتريا؛ وفى بداية 1970، أقام الوفد العسكرى الاسرائيلى فى إثيوبيا قيادة مشتركة لإدارة المعارك ضد إريتريا، لكن أديس أبابا طلبت من الإسرائيليين إعداد عمليات مسح للحدود؛ وبالفعل أعدت إسرائيل المسح، وتضمن خطة عمل لفرض رقابة على حدود إريتريا، وإغلاق حدود السودان، ومحور ساحل البحر الأحمر.

 

وبحسب وثائق الخارجية الاسرائيلية، لم تتوقف مطالب المساعدات الإثيوبية، لكن طوفان الإحباط بلغ ذروته فى إسرائيل حينما قالت أديس أبابا إنها فى حاجة إلى مليون دولار آخر لمواصلة الحرب ضد إريتريا. وخلال مداولات جرت فى إسرائيل بقيادة وزير الدفاع، رئيس الموساد فى حينه الچنرال احتياط تسيپى زامير، كان هو الوحيد الذى أيد التجاوب مع طلب إثيوبيا، لكن رئيس شعبة التدريب فى قيادة الأركان إسحاق حوفى اختلف معه، ورأى أن الأثيوبيين لا يتجاوبون مع مطالب إسرائيل.

 

10 دقائق للسادات


وخلال حرب أكتوبر 73، بحسب الوثائق الاسرائيلية، استجاب هيلا سيلاسى لمطالب الدول العربية، لاسيما الدول المصدرة للنفط، وقطع علاقاته مع إسرائيل، لكن الإمبراطور فقد نظامه، وأسقطته مجموعة من صغار ضباط جيشه، وظهر الضابط منجستو هيلا مريام، الذى قتل خصومه والإمبراطور المخلوع وحكم إثيوبيا 10 أعوام ونصف العام.

 

وتشير الوثائق الاسرائيلية إلى أنه قبل الانقلاب على هيلاسلاسى، وفى 15 مايو 1973، حضر رئيس الأمن القومى الأمريكى فى حينه هنرى كسينجر ونائبه لقاء للامبراطور الإثيوبى مع الرئيس الأمريكى نيكسون فى البيت الأبيض، واستغرقت المحادثات 70 دقيقة، دارت 60 دقيقة منها حول إثيوبيا وأزماتها الأمنية، لاسيما ما يخص التمرد فى إريتريا، بينما انصبت الـ 10 دقائق المتبقية حول رسالة، كلَّف الرئيس الراحل أنور السادات إمبراطور إثيوبيا بإبلاغها للرئيس نيكسون.

 

إذ قال هيلاسي: «فى طريقى إلى هنا، تحدثت مع السادات، وأبلغنى برسالة قال فيها: إن كل ما يريده من إسرائيل هو إعادة أرضه، وأنه ليس مجنونا ليعتقد إمكانية إنهاء وجود إسرائيل فى المنطقة، وأنه على استعداد للسماح لإسرائيل بالمرور من قناة السويس. وفيما يتعلق بانسحاب إسرائيل من سيناء، قال هيلاسلاسى للأمريكيين: إن السادات تحدث عن خطة أمريكية تتضمن اعترافاً بالسيادة المصرية على سيناء، مقابل الاعتراف بالمصالح الأمنية الاسرائيلية فى شبه الجزيرة، ولهذا السبب أوفد إلى الولايات المتحدة مستشاره حافظ إسماعيل، وأكد أن تلك الخطة لن تكفيه إذا أصرت إسرائيل على البقاء على شبر واحد من سيناء.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم