حكايات| تصنيع الحناطير بطنطا.. كيف تكون «الركوبة ملوكي»؟

عربة ملكية بورشة تصنيع الحناطير
عربة ملكية بورشة تصنيع الحناطير

مُتعة الصنعة تمسح آلام ساعات العمل المتواصلة بـ«أستيكة» الضحكة الحلوة، وفي رحاب أجواء السيد البدوي بطنطا اتخذت مجموعة من أصحاب الأعمار المتقدمة مستقرًا لها لتصنيع «الحناطير الملكية»، داخل أمتار معدودة، وبخامات بسيطة، وتحت أضواء خافتة، لتصبح ماركة مسجلة مصدرة للخارج.

يجلس الأسطى صلاح عاشور في ورشة صغيرة، تحمل ذكريات تاريخ الملوك، ومع بصيص من النور، يتجمع حوله عباقرة الصنعة، ليواصلوا يومًا بعد الآخر رحلة البحث عن الجنيه، بقطع من الألواح الخشبية وقطع الحديد التي تستجيب لطرق الصانيعية لها فتتشكل حسب طلبهم.  


يتحدث الأسطى صلاح، الرجل الستيني، الذي استقرت بشرته عند اللون الأسمر، عن «الصنايعية الكبار»، الذين حافظت عليهم ورشته بعد انقراض الصنعة وأهلها؛ لكن صمود «صلاح» ورجاله، جعل من عرق النجارة والحدادة والتنجيد «عسلا» يُسر الناظرين.

مع هطول عرق الأُسطى صلاح عاشور كالمطر، اتكأ الرجل لدقائق يتحدث عن سر صنعة الحناطير الملكية: «ورثت الشغلانة عن أبويا، وهو كمان ورثها عن جدي، وخدت منه الخبرة، وجاهدت عشان أورث ولادي الصنعة».

«هافضل في المهنة دي لحد ما أقابل رب كريم لأن ما لناش شغلانة إلا هي ونفسي تفضل ماشية ببركة ربنا».. كلمات حملها لسان الأسطى صلاح وتحمل بين حروفها كل معاني الستر وعشق المهنة.

ولا تخلو كلمات الأسطى صلاح أيضًا من لمحات الفخر بالتصدير للخارج، فيتحدث مُتباهيًا بما حققته ورشته الصغيرة: «صنعنا العديد من عربات الحنطور، وصدرنا لدول عربية زي الكويت، وفي دول أوروبية طلبتنا وسافرنا زي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا».
 

لكن الأحلام ومبيعات  ورشة الأسطى صلاح تأثرت بتبعات ثورة 25 يناير.. «أصبحنا نعاني كثيرًا بسبب تراجع السياحة في مصر، وبعد ما كنا نبيع عشرات العربات لمحافظات الأقصر وأسوان وجنوب سيناء، قل العدد».

وكغيرها من الصناعات اليدوية، لا يكون طريقها سهل المنال، فرغم متعة العاملين بها، إلا أنها مقارنة بأعمارهم تعد مجهدة وتحتاج مجهودًا بدنيًا كبيرًا وصبرًا أيضًا، خصوصًا عند التعامل مع أخشاب من نوع «الزان والسنط والتوت».
 




وتمر صناعة الحنطور بمراحل: «صناعة العربة الخشبية، ثم صناعة الحديد الذي يتم تركيبه على الجسم الخشبي، ثم بعد ذلك يتم تركيب العجلة الخشبية، لتأتي بعد ذلك مرحلة السروجي الذي يتولى تنجيد المقاعد، وبعد ذلك يتم دهانه بألوان مختلفة، ثم بعد ذلك يقوم السمكري بتطعيمها بالنحاس، ليتم خروجها إلى الشكل الجمالي النهائي، الذي يبرز فن الصناعة اليدوية المصرية الأصيلة».


ودورة صناعة الحنطور تستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر حتى يتم تسليمه؛ إذ تصل تكلفة الحناطير وبيعها حوالي 30 ألف جنيه – حسب الأسطى صلاح- مطالبًا الدولة بضرورة الاهتمام بهذه الصنعة المنفردة والمحافظة عليها من الانقراض.

على مدار 25 عامًا، قضاها «إبراهيم عاشور - حداد ورشة تصنيع الحناطير» في تلك الحرفة، لم يتخيل أن يومًا سيأتي ليشهد «الصنعة» يتدهور حالها وتأخذ طريقها إلى الانقراض بعد أن كانت كنز أبيه، الذي «شربه الصنعة».
 
«كارتة السيسي، والعربية المحيرة، والعربات الملكية»، ثلاثة أنواع تنتجها ورش تصنيع الحناطير؛ إلا أن «الملكية» - بحسب الأسطى بلبل سروجي ورشة تصنيع الحناطير - 60 عامًا – تظل الأكثر متعة بالنسبة له، «فشغلها يحتاج لمزاج عالي».

وكي يحصل «الحنطور» على اللمسة الجمالية النهائية، يستند «بلبل» بمشمع ومسامير وجلد طبيعي للعربة، والتي يستطيع الانتهاء من تنجيدها في 15 يومًا، لما لا وقد اكتسب خبرة عمرها 30 عامًا، ويختتم حديثه بقوله: «نفسي تعيش شغلانتنا وتستمر عشان دي أكل عشنا».

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم