سر مقبرة«الشيخ الأربعين» بالسويس.. شخصية قاومت الظلم وتحولت لأسطورة شعبية

ضريح ينسب الى الشيخ عبد الله الاربعين
ضريح ينسب الى الشيخ عبد الله الاربعين

«ولي عارف بطل شهيد.. رياحين تحيط به وطيبَ .. له الاشراق في نور تجلى .. كشمس في شروق لا تغيب» تتصدر تلك الابيات لوحة تستحوذ على المشهد، وانتباه كل من يزور ضريح ينسب إلى البطل الشهيد الشيخ عبد الله الملقب بالأربعين بحسب تلك اللوحة بالغرفة الكائنة خلف المصلين بمسجد الأربعين.

روحانيات

للمسجد بابين يفصلان بين ضجيج شارع الجيش الرئيس بالمدينة، وسوق شميس، ما ان تنطأ قدميك عتباته حتى تنساب إلى روحك نفحة السكينة والهدوء التي تغطي المصلين، والذاكرين الله بالمسجد.

أصوات قراءه القرآن ظهر كل يوم في العشر الأواخر من رمضان متناغمة، وكأنها مزامير داود تعزف من خلف أعمدة يتكئ عليها الصائمين وأركان تحتضن خلوات الذكر في المسجد.

إن ارتدت بين العصر وحتى الوقت الذي ينتظر فيه الصائمون آذان المغرب، تدخل في حُلة تأسر روحك وتغمرك بأجواء رمضان وتأخذك في عالم تضيئه مشكاة الأجواء الروحانية فتتملكك رغبه في البقاء أطول وقت ممكن، مبعثها راحة سرها الطاعة والعبادة.

قبل عشرات السنين أطلق أسم الأربعين على الحي الشعبي الأكبر في السويس، والذي تتركز فيه أغلب الجمعيات التي تنتمي لأصول الصعايدة والفلاحين الذين توافدوا على السويس عقب حرب أكتوبر، ويضم أكثر من ربع الكتلة السكنية في المحافظة، ويمتلك ثلث القوة التصويتية لدائرة السويس، ويتحكم بقوة في الانتخابات البرلمانية.

لقب الأربعين

بين الروايات الشعبية، التي تستند على القصص المروية دون نسب حقيقي لها، وبين الأدلة المادية تختلط الحقائق حول هوية هذا الشيخ، وما إذا كان هذا " الأربعين" لقبا كان يحمله، أو أكتسبه، أو أنه عدد لأشخاص بعينهم كان هو أحدهم أو آخرهم.

في المولد الذي يُنصب قبل رمضان بأسبوعين كل عام يعتقد مريديه صحة الرواية الشعبية الأشهر والتي تقول إن الشيخ كان واحدا ضمن 40 رجل دين، وفدوا للسويس عقب البدء في حفر قناة السويس القديمة، ليخبروا العمال بأمور دينهم ورفضوا نظام السخرة وإذلال العمال وإجبارهم على العمل بالقوة.

يؤكد تلك الرواية الشيخ محمود زرزور وكيل المشيخة العام للطرق الصوفية في السويس، ويقول إن الشيخ عبد الله الأربعين كان رجلا صالحا وقاوم نظام الصخرة، واستشهد هو ورفاقه الاخرين _وكانوا أربعين_ رجلا في معارك ضد المعتدين على قوافل الحج.

ثائر ضد الظلم

وأضاف الشيخ زرزور إن عبد الله وصل السويس ورفاقه عقب البدء في حفر القناة، وكان يرفض نظام السخرة المتبع في العمل وثار ضده.

ويكشف وكيل الطرق الصوفية في السويس إن عبد الله الأربعين، اسمه الحقيقي عبد الله بن مشهور بن على بن أبي بكر العلوي، مشيرا الى ان أن "عبد الله" كان مشهورا عنه رؤيته لسيدنا الخضر عليه السلام، ويوضح انه حصل على تلك المعلومات عبر استخلاصها من كتب الأثر والتاريخ الإسلامي.

ويروي وكيل الطرق الصوفية في السويس، إن بن مشهور ورفاقه عهدوا على نفسهم التصدي لمن يغيرون على قوافل الحجاج التي كانت تتلاقي تباعا في السويس بعد رمضان وتنطلق عبر خليج السويس، الى أراضي الحجاز، وعاهدوا الله على النصر أو الشهادة في تلك المعارك، ودفنوا على بعد أمتار من المسجد الذي بناه الأهالي عام 1910 وأطلقوا عليه اسم مسجد سيدي عبد الله الأربعين.

أربعين رجلا

ويكشف الشيخ زرزور حسب روايته، إن هؤلاء الرجال كانوا أربعين رجلا صدقوا عهدهم ونالوا الشهادة تباعا، وكان أخرهم عبد الله الذي توفى في عام 1124 هجريًا، وفقا لكتاب (مشايخ بلا أضرحة) للباحث راضي الحلواني، وانشأ الأهالي مسجدا قرب قبره في عام 1910 ميلاديا.

واستطرد أن هناك عدة مساجد تحمل أسم الشيخ الأربعين موجودة في جرجا بسوهاج، وفي بورسعيد وكوبري الجميل بالشرقية وإمبابة بالقاهرة، والبهنسية، وهي مساجد بلا أضرحه، وعن الاحتفال بمولده في ليلة النصف من شعبان، فيقول ان المجلس المحلي في السويس حدد عقب حرب أكتوبر ذلك الوقت من كل عام تبركا بتلك الأيام التي يستعد فيها الناس لاستقبال شهر رمضان.


تضارب بين الرواية والتاريخ

لكن هذه الرواية التي تستند الى الكتب والروايات الشعبية وتنتشر بين الناس، تتضارب مع الثوابت التاريخية، فأعمال الحفر بقناة السويس القديمة بدأ عام 1859، واستمرت 10 سنوات، أي بعد سنه 1712 ميلاديا بأكثر من قرن، وهو التقويم الميلادي المقابل لسنة 1124 هجرية.

رواية أخرى يحدثنا بها الدكتور كمال بربري مدير الدعوة بمدن القناة، ويقول إن الضريح كان به 40 جثمان لرجال وسيدات وأطفال عثروا عليه الرجال الذين تولوا نقل الضريح عام 2001.

ويفسر سبب النقل قائلا إن ضريح الأربعين، كان بالجهة المقابلة للمسجد بشارع الجيش، قرب شريط السكة الحديد، وخلال أعمال التطوير بميدان الأربعين، أُلغيت خطوط القطار من قلب المدينة_ وكان مكان الضريح في الموضع الذي القا فيه الان نافورة بالجزيرة الوسطي بالطريق، وكان النقل بهدف وضع رفات الشيخ داخل المسجد.

سر المعضمة

ويروي انه شارك في نقل الرفات التي كانت تتم بسرية تامة ليلا وبعيدا عن أعين الأهالي، وفوجئ بأن الضريح ليس لرجلا واحدا وانما "معضمة" تضم رفات وعظام مختلفة الأطوال والأحجام.

ويضيف تفصيلا أخر للمشهد داخل المقبرة، قائلا " الرجال الذين تولوا عملية النقل حصروا الجماجم فكانت 40 جمجمة، وبالاستعانة بالأثريين الذين فحصوا هذه الجماجم والرفات، أكدوا أنها ليست لرجال فقط، وإنما لسيدات وأطفال أيضا فهي مختلفة الاحجام والإشكال.

وقال مدير الدعوة إن السويس كانت بوابة العبور إلى الأراضي الحجازية حتى قبل 50 عاما، وكانت كل قوافل الحجاج الوافدين من دول المغرب العربي ومصر تمر من هنا، ويرجح أن تكون هذه الرفات لأربعين شخصا من أسرة واحدة.

واستند بربري في تخمينه الى واقعة مادية وهي "المقبرة" التي ضمت رجالا ونساء وأطفال، وتلك المنطقة التي يقع فيها المسجد لم تكن يوما أرض مقابر، ولم تشهد حربا في القرن التاسع عشر، لكن وجود هذا العدد تحديدا يعنى أن هناك صلة بينهم، لكنها أبعد ما يكون عن رواية الأربعين رجلا الصالحين.

سجلات حفر القناة

رواية أخرى يخبرنا بها أنور فتح الباب، موجه التاريخ، والباحث في تاريخ مدينة السويس، ويقول إن عدة أسر كانت تشارك في حفر القناة، فوفقا لسجلات حفر القناة القديمة فإن هناك عدة أسر وفدت للسويس مع حفر القناة، وكان رب الاسرة يتولى الحفر، أما السيدات والأطفال يتولون المساعدة واعداد الطعام وخدمة العاملين.

ويضيف أنور فتح الباب، انه وفقا للسجلات أيضا، وأثناء عمل عدد من العمال في الحفل ومعاونة السيدات والأبناء لهم انهار عليهم جزء صخري، بالمنطقة القريبة من بورتوفيق والتي تعتبر تربة صخرية، وكان عدد ضحايا 40 شخصا ما بين رجال عاملين ونساء وأطفال يقدمون الخدمات لهم.

رغم ذلك ما زال المسجد حتى اليوم يستقبل مريدي الشيخ، خلال فتح باب الضريح بعد صلاة المغرب، يقرأون الفاتحة على روحة ويضعوا في صندوق النذور ما تجود به أنفسهم، ويعتبرونه وليا من أولياء الله الصالحين، ولا يؤمنون إلا بان تحت البردة الخضراء هو جثمان لرجل واحد اثر في السويس وتأثر بها ودافع عن أهلها.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم