شركات «التوظيف» بين تحقيق الأحلام وبيع الأوهام

صورة موضوعية
صورة موضوعية

الشركات: الشباب غير جادين.. والعاطلون: الرواتب قليلة
الخبراء : 50% يرفضون الوظائف فى غير تخصصاتهم
الازدهار الاقتصادى يساهم فى خفض البطالة.. والرقابة على الشركات ضرورة

 

«مطلوب محاسبون  حديثو التخرج.. مطلوب مندوب لشركة أدوية».. إعلانات لوظائف، كثيراً ما تقع عليها أعيننا على جدران الشوارع وداخل محطات المترو متروكا أسفلها أرقام هواتف شركات للتواصل معها.. أصحاب شركات التوظيف يؤكدون أن الوظائف متاحة لمن يرغب فى العمل وأن سوق العمل يطلب يومياً اعدادا كبيرة منهم، موجهين أصابع الاتهام إلى الشباب ويتهمونهم بالتكاسل وعدم الجدية فى الحصول على عمل.


وفى الوقت نفسه يتهم الشباب بعض هذه الشركات بأنها تبيع الوهم لهم ليقعوا ضحايا لها، الأمر الذى يجعلهم يفضلون البقاء دون عمل بدلا من الوقوع فى شراك بعض الشركات.. «الأخبار» التقت مع الطرفين ورصدت آراء كل منهما وتقييم الخبراء لهذه الظاهرة، التى تهزم الشباب فى معركة النجاة من قوائم البطالة.

 بداية يؤكد نجيب محمد على، صاحب إحدى شركات التوظيف، أنه لا توجد بطالة فى مصر، وأن فرص العمل كثيرة ومتاحة ولكن الأزمة تكمن فى الشباب نفسه، وقد تأكدت هذه الفكرة لدى أكثر بعد افتتاحى لشركتي.


وأضاف: أنه يعرض عليه شهرياً العديد من أصحاب الشركات ورجال الأعمال وظائف متعددة تحتاج إلى من يشغلها ويقوم بعرضها على الشباب الذى يبحث عن فرص عمل ولكنه يصدم فى كثير من الأحيان بردود افعال غريبة،فهناك من يضع شروطا للوظيفة وهناك من يحدد راتبا معينا ليبدأ به وعندما أحاول اقناع احدهم بقبول الوظيفة لحين ايجاد الفرصة التى ينتظرها أجد رفضا تاما وبعضهم الذى يفضل البقاء فى المنزل دون عمل على أن يعمل براتب أقل مما يطلب.


وأشار إلى ان الراتب يأتى دائما فى مقدمة المعايير التى يبحث عنها الشباب ثم تأتى بعد ذلك أزمة مكان العمل، فمع الأسف عقلية بعض الشباب وطريقة تفكيرهم أصبحت غريبة بعض الشىء،و انا اتعرض لمثل هذه النماذج كثيرا، وفِى احدي المرات جاءنى شاب يبحث عن وظيفة ولفت انتباهى وجود «موتوسيكل» معه وبالفعل أبلغته أن هناك وظيفة لمندوب مبيعات لإحدى شركات الأدوية براتب شهرى ٣ آلاف جنيه لأجد الشاب بعد يومين فقط من قبول الوظيفة يخبرنى أن الأمر مرهق بالنسبة له وأنه يفضل البقاء فى المنزل حتى يجد عملا آخر يلائمه،و ليست هذه الحالة الوحيدة فالنماذج السلبية كثيرة وأعدادها حدث ولا حرج!.


وأضاف أن الطريف فى الأمر أن أسفل مقر الشركة «كافيه» يجلس عليه الشباب منذ ساعات النهار الأولى حتى آخر النهار ولم أجدأحداً منهم يفكر فى طرق باب الشركة من أجل البحث عن وظيفة وكأنهم اعتادوا على الحصول علي  مصروفهم من والديهم.


السفر للخارج


وتوضح هبة على، موظفة، باحدى شركات التوظيف أن الشركة توفر فرص عمل للشباب داخل وخارج مصر ولكن أغلب الشباب الذى يأتى الينا يكون من أجل السفر إلى الخارج على الرغم من انه فى كثير من الاحيان يكون فرق الراتب عن بعض المهن فى الداخل ليس بالمبلغ الكبير ورغم ذلك يصر الكثير منهم على السفر.


و أضافت أن بعض الشركات داخل مصر تطلب منا توفير محاسبين ومندوبين وعاملين بفنادق فى شرم الشيخ والغردقة ولكن هناك الكثير من الشباب الذين لا يحبذون فكرة السفر الداخلى دون أى مبرر.


وأشارت إلى أن الكثير من الأسئلة يطرحها الشباب أثناء ملء استمارة التوظيف فى مقدمتها المرتب الشهرى،و البعض من الشباب بعد عرض مبلغ الراتب عليه يرفض الوظيفة ويطلب من المكتب البحث عن وظيفة أخرى حتى لو استغرق الأمر وقتا اطول.


شركات وهمية


ويؤكد عدلى توفيق، صاحب احدى الشركات، أنه فى الماضى كانت المقاهى المكان المفضل لأصحاب المعاشات، ولكن الآن المشهد أصبح مختلفا فأغلب رواد المقاهى شباب يجلسون عليها ليلا ونهارا وهو مشهد يحزننى كثيرا،فبدلا من قضاء الساعات فى البحث عن وظائف يقومون بتوظيف وقتهم بشكل خاطىء فى اللعب واهدار الفرص.


وأشار إلى أنه دائما ينصح الشباب بالبقاء فى مصر والعمل فى أى شركة أو مصنع بالداخل وتفضيلها عن فكرة السفر فالأمان الموجود هنا والتواجد بجوار الاهل لا يفوق ثمن الغربة التى تعيشها فى أى بلد آخر وهذا لا يعوّضه اى مال.


وأضاف ان هناك الكثير من أصحاب الشركات والمصانع يطلبون دائما عمالة ويندهشون كثيرا عندما يكون ردى عليهم أنه لا يوجد شباب مقبل على الوظيفة، والأمر المثير للدهشة والتعجب أنه سنويا تخرج النسب بزيادة أعداد العاطلين فى الوقت الذى لا تجد مكانا شاغرا على المقاهى والكافيهات من كثرة عدد الشباب شبه المقيمين عليها.


ويتابع القول:»لا انكر أن هناك بعض الشركات التى ينخدع بها الشباب ويقعون فريسة لها لأنها وهمية خاصة وأنهم يعتمدون فى الترويج لانفسهم على بعض مواقع التواصل الاجتماعى ليستطيعوا الإيقاع بضحاياهم بمنتهى السهولة،لذلك أنصح الشباب بضرورة التحرى الجيد عن اى شركة قبل التعامل معها،واذا تعرضوا لذلك عليهم اتخاذالاجراءات القانونية حتى لا يتعرض غيرهم لعمليات النصب هذه.


ويؤكد أحمد عادل - مندوب مبيعات - أنه قدم أوراقه فى العديد من شركات التوظيف أملا فى ان يجد وظيفة تناسب مؤهله حيث انه حاصل على بكالوريوس تجارة. وأضاف أنه فى كل مرة تفشل تلك الشركات فى ايجاد وظيفة له حتى ولو بعيدة عن المؤهل الذى حصل عليه فى الوقت الذى يدفع فيه ما يقرب من 30 جنيهاً فى كل مرة ليملأ الطلب الخاص بالوظيفة والذى يكتب فيه كل بياناته ليأتى الرد فى النهاية من الشركة: « حظ سعيد فى المرة القادمة «.. وأختتم أحمد حديثه بأنه فى النهاية اضطر لان يعمل مندوب مبيعات فى احدى الشركات وان ينسى مؤهله لفترة كبيرة حتى لا يطلق عليه كلمة « عاطل « وحتى لا يمثل عبئا على والديه.


«بقالى سنة كعب داير على الشركات».. بهذه الجملة بدأ محمد حسن، حديثه مع «الأخبار»، بعد أن فقد الأمل فى ان يحصل على وظيفة تحميه من الاستجداء وعطف الآخرين.. ويؤكد أن كل الشركات التى ذهب اليها لا يهمها سوى دفع ثمن استمارة ملء البيانات بدلا من الوعود الكاذبة التى يعطونها بأنهم سيوفرون فرص عمل فى كل أنحاء العالم.. ويضيف انه حتى هذه اللحظة _ عاطل_ ولم يستطع ان يجد وظيفة مناسبة يستطيع من خلالها أن يوفر متطلباته اليومية واحتياجاته.


وفى ميدان رمسيس وقف مجموعة من موظفى احدى شركات التوظيف يوزعون إعلانات خاصة بالشركة وتؤكد للمارة من الشباب انهم يستطيعون توفير فرص عمل فى اى مكان فى الخارج رافعين شعار «عندنا شغل بجد».. الامر الذى قوبل من الشباب بالغضب بعد علمهم بأن هناك استمارة بيانات بـ 20 جنيهاً للاستمارة الواحدة. وقال مصطفى عاطف، شاب، ان كل ما تفعله هذه الشركات «نصب فى نصب» ولا توجد شركة استطاعت ان توفر فرصة عمل واحدة لاى شاب تعبت قدماه من البحث عن فرصة عمل يستطيع ان يوفى ما يحتاجه من خلالها وحتى لا يكون عبئا على كاهل اسرته.


شركات مستغلة


وتحدثنا إلى خبراء اقتصاد للتعرف على الآثار المجتمعية لعدم توفير فرص عمل مناسبة من قبل شركات التوظيف واستغلال بعضها للظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التى يمر بها الشباب للنصب عليهم ونتيجة عدم عمل نسبة كبيرة من الشباب.


ويؤكد د. رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن الأمر يعود للشباب انفسهم وليس على شركات التوظيف فمثلها مثل اى شركات بعضها فاسد والبعض الآخر يوفر بالفعل وظائف، لكن فى ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة فى المجتمع ينقسم الشباب إلى شقين الأول منهما هو الذى يتخرج فى كليات قمة ولا يجد فرص عمل ويضطر لأن يبقى دون وظيفة، يتعالى على العمل فى مهن أخرى غير تخصصه، فمعظم المجتمع المصرى لديه ثقافة أن المهندس لا يعمل فى وظيفة اقل لحين ان يجد أخرى فى مجاله، فى حين ان الوضع فى اوروبا وامريكا لا حرج فيه من العمل فى اى مهنة، حتى أن الصين لا يوجد لديها بطالة، فكانوا منذ سنوات طويلة يضطرون للعمل فى اى مهنة حتى لو غير التخصص الذى تخرجوا فيه لكن مع مرور الوقت اصبح كل منهم يعمل فى مجاله لذلك هى الآن بلد متطور.


وأضاف أن الشق الثانى من الشباب هو الذى لا يتعالى على اى مهنة فنجد الآن خريج تجارة او هندسة او طب يعمل كسائق تاكسى او فى خدمة العملاء دون حرج، وكذلك الأسر الفقيرة رغم تعبها وحرمانها من قوتها حتى توفر نفقات ابنائها حتى يلتحقوا بكليات جيدة ويتخرجوا ويعملوا فى مجالاتهم ويصطدمون بالواقع ويصبح هذا المهندس «شيال» أو ميكانيكيا أو اى وظيفة اخرى اقل كمكانة اجتماعية بحسب ثقافة المجتمع الحالي.


وأوضح رشاد أن نسبة 40% -50% من الشباب لا يفضلون العمل فى غير تخصصاتهم اما الباقى فيعملون فى الوظائف المتاحة حتى يجد المهنة المناسبة، وأشار إلى انه لا يوجد اى احصاء رسمى بخصوص ذلك.


رقابة ضرورية


من جانبه، يوضح د. شريف الدمرداش، الخبير الاقتصادي، أن شركات التوظيف منظومة موجودة فى العالم كله ولايمكن الحكم عليها بمنأى عن المجتمع ككل فهناك الصالح ويوجد الطالح لكن كل منظومة فى أدائها وانضباطها تحتاج إلى رقابة حتى لا يأكلها الفساد.. وأضاف أنه مثلما يوجد شباب يترفع عن العمل إلا بشروط معينة ورواتب يضعها فى مخيلته توجد أيضًا شركات لا توفر فرص عمل مناسبة او تعلن عن وظائف وهمية، وفى حالة عدم توافر العنصر البشرى لن يزيد الناتج المحلى الذى تطمح اليه مصر كى تحافظ على اقتصادها قويًا ومزدهرًا، فلابد من وجود كوادر بشرية متخصصة فى جميع المجالات حتى يتماسك الاقتصاد وتقل نسبة البطالة فى المجتمع.

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم