ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: انتخابات الرئاسة.. و«الكتالوج» المصري!

ياسر رزق
ياسر رزق
Audi Egypt

يقولون: إن الشعب المصري ليس له «كتالوج».
الكتالوجات تصلح لفهم أسلوب عمل الآلات والأجهزة، وليس الفرد أو الجماعات.
مع ذلك يمكن التنبؤ بسلوك جموع الناس وردود أفعالهم إذا عرفت خصائصهم وطبائعهم وسماتهم، وإذا اطلعت على تاريخهم وتجاربهم وإذا أدركت مكامن ضعفهم ومصادر قوتهم. 
الشعب المصري فخور بنفسه معتز بتاريخه عاشق لبلاده.
واع فطن لما يحقق مصلحة مصر وما يضرها.
صبور إذا أدرك سلامة المسار في مشوار حتى لو كان طويلا.
ملول إذا افتقد الصدق فيما يسمع أو المصداقية فيمن يتحدث.
عنيد إذا حاول أحد أن يثنيه عما يعتقد أنه صحيح.
بركان متفجر إذا مست كرامته، أو أسيء إلى بلاده.
نقطة ضعفه.. الأفراد والشعوب التي تحب مصر.
ومكمن قوته.. إصرار لا ينضب وعزيمة تزيدها المخاطر صلابة فوق صلابة.
أحيانا نسيء فهم أنفسنا، أو نقلل منها.
الانتخابات الرئاسية التي عشناها الأسبوع الماضي، نموذج على هذا
ربما السبب أن القلق تغلب على دقة التوقع، وفرط التحسب فاق حسن التقدير.


< < < 


خلال الأسابيع الماضية، كانت أحاديث المحافل والمنتديات السياسية تدور حول الانتخابات الرئاسية، وتنصب أساسا على النسبة المتوقعة للحضور.
وأذكر أنني في لقاءات مع مسئولين في مواقع مختلفة، ومع محللين سياسيين، وشخصيات عامة كنا نتبادل الرأي والتكهنات حول مستوى الإقبال المنتظر للناخبين.
كل الاجتهادات والتوقعات - بلا استثناء - كانت تجمع على أن انتخابات ٢٠١٨ لن تتشابه مع انتخابات ٢٠١٤ إلا في اسم الفائز وهو الرئيس عبدالفتاح السيسي وفي النسبة التي سيحصل عليها من الأصوات الصحيحة.
وكل الاجتهادات والتوقعات -في مجملها- كانت تجمع على أن عدد الحاضرين سيكون في أفضل الأحوال في حدود ١٢ مليون ناخب أي بنسبة ٢٠٪ من إجمالي الناخبين، قد ينخفض إلى ١٠ ملايين ناخب بنسبة حضور ١٧٪ تقريباً، بينما أشد المتفائلين كان يقول: إنه من الممكن وصول عدد الناخبين إلى ١٥ مليون ناخب أي بنسبة ٢٥٪، شريطة صرف علاوة مالية للعاملين بالدولة، وإجراء تعديل تشريعي لتقديم حوافز لمن يدلي بصوته.


< < <

منطق كل هؤلاء الذين توقعوا انخفاض نسبة الحضور في انتخابات ٢٠١٨ عن انتخابات ٢٠١٤، كان يتمحور حول عدة مقدمات، أولها غلاء الأسعار الذي تعاني منه شرائح الطبقة الوسطى والطبقة محدودة الدخل، والذي أدى في تقديرهم إلى انخفاض شعبية الرئيس، وثانيها غياب المنافسة في الانتخابات مما سيدفع - في تقديرهم أيضا - بأعداد من الناخبين المؤيدين للسيسي إلى الإحجام عن التصويت مادام هو فائزا حتما، وكذلك بأعداد من الناخبين المعارضين إلى المقاطعة، مادام لا يوجد أمامه منافس قوى ينتمي إلى المعارضة، وثالثها انحسار المخاطر الداخلية والخارجية، عما كانت عليه منذ ٤ سنوات، وهو أمر يبعث على شعور بالطمأنينة، ليس من محركات النزول إلى اللجان.
اختلف الأمر بعض الشيء في تقديرات النخبة السياسية والمثقفة بعد مشاهد الإقبال الهائل غير المتوقع على التصويت من جانب المصريين بالخارج. لكن سمعنا أصواتاً تقول: إنه لا يمكن الأخذ بهذه المشاهد كمؤشر على انتخابات الداخل، لسبب رئيسي هو أن المقيمين بالخارج لا يشعرون بالمعاناة من الأسعار التي يكابدها المواطنون في مصر.
وحينما انتهت الأيام الثلاثة للتصويت بما انتهت إليه من مشاهد إقبال غير  متصورة اختار الكثيرون وارتاحوا لتفسير وحيد هو: أن الشعب المصري ليس له كتالوج!


< < <


لعلك تذكر أنني كتبت هنا منذ ٥ أسابيع أقول: «رهاني على كل فئات الشعب وطوائفه وطبقاته التي لا تنسى أين كنا قبل الثلاثين من يونيو، وكيف أصبحنا بعد سنوات الصبر والعمل والإنجاز».
وختمت مقالي: «لست قلقاً على نزول الجماهير المصرية في أيام التصويت الثلاثة، بل أظن إقبالها في اليوم الأول سيكون مفاجئا للكثيرين. الناس نزلت بكثافة في الانتخابات الماضية وهى تتمسك بأهداب أمل وتطارد حلما. هذه المرة، أمسكت بالحلم، وتأبطت واقعا جديدا، وتبصرت ما هو أكثر. لذا الإقبال أوسع في تقديري. والأيام مقبلة».
وكتبت في نفس المعنى منذ أسبوعين أقول: «يقيني أن الإقبال سيفوق كل توقع، وأن حشود الناخبين من الجماهير أمام اللجان من اليوم الأول، ستجدد المفاجآت السارة وستقدم رسالة مصرية جديدة إلى العالم.
وقلت: «لن يحجم الذين لهم حق التصويت عن أداء واجبهم الوطني تجاه بلدهم، وهم يرون الذين ليس لهم حق التصويت يقدمون أرواحهم في سبيل بلدهم».
لكن بكل أمانة مع النفس.. لم أكن أتوقع ولا تصورت أن الإقبال الذي تحدثت عنه، سيكون بكل هذا الإصرار والدأب وأيضا بكل هذه البهجة على الوجوه قبل وبعد التصويت، وبوسائل التعبير المرحة خارج مقار اللجان.
دعوات المقاطعة لم تفلح وأعمال الترهيب والترويع لم تثمر. وحملات التيئيس والإحباط والتشكيك والشائعات لم تنجح.
بل كلها زادت الشعب تصميما على النزول إلى اللجان والمشاركة في التصويت.


< < <

دون استباق لنتائج الانتخابات الرئاسية، التي تعلن اليوم، تقترب أعداد الذين أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات مع انتخابات ٢٠١٤ التي بلغت ٢٥٫٥ مليون ناخب. النسبة المتوقع حصول المرشح الفائز عليها من جملة الأصوات الصحيحة قد تزيد قليلا عن انتخابات ٢٠١٤ والتي بلغت ٩٦٫٩١٪.
عدد الأصوات الباطلة ربما يزيد بنسبة ٥٠٪ عن انتخابات ٢٠١٤ والتي بلغت مليونا و٤٠ ألف صوت، مع الوضع في الاعتبار وجود أعداد لا يستهان بها من مؤيدي الرئيس السيسي أبطلت أصواتهم لقيامهم بتدوين عبارات تدل على التأييد والمحبة في بطاقات التصويت.
وزيادة الأصوات الباطلة ليس عنصرا سلبيا، على النقيض فإنه يعكس إيجابية من جانب من يعارضون الرئيس ولا يقتنعون بالمرشح المنافس، ووجدوا النزول مع إبطال الصوت أجدى وأكرم من المقاطعة.
الفرق بين انتخابات الرئاسة الحالية والماضية هو في نسبة الحضور.
عام ٢٠١٤ بلغت ٤٧٪، وهذه المرة ربما لا تبعد كثيرا عن ٤٠٪.
صحيح أن اليوم الثالث للتصويت أبهر المراقبين لوجود إقبال كبير من الناخبين على التصويت برغم العواصف الترابية غير المسبوقة منذ سنوات التي حلت بالبلاد في هذا اليوم. لكن لا يمكن إغفال أن تلك العواصف الخانقة والحاجبة للرؤية أعاقت كثيرين منهم المرضى وغيرهم عن الذهاب للجان والوقوف في الطوابير ربما لو كانت أجواء اليوم أصفى وأفضل، لكان الإقبال أوسع وأكثر كثافة خاصة أن المعروف عن جانب كبير من الناس هو الاحتشاد في آخر يوم وآخر ساعة، وآخر لحظة، لقضاء مصلحة أو إنجاز شأن أو الحصول على خدمة!


< < <


المطالعة المتأنية لمشاهد انتخابات ٢٠١٨، في اللجان بقرى ومدن مصر، والقراءة السريعة لمؤشرات التصويت ودلالاته تكشفان بعض حقائق تدحض انطباعات صارت رغم ضعف أسانيدها في حكم المسلمات السياسية.
- الشعبية الكاسحة للرئيس السيسي ليست محل شك أو موضع تشكيك. عندما يحصل مرشح على نسبة تزيد على ٩٠٪ من جملة الحضور التي تكاد تقترب من ٤٠٪ من عدد الناخبين، وعندما يحصل على نسبة تزيد على ٩٧٪ من إجمالي الأصوات الصحيحة، في انتخابات لم تشبها شائبة تزوير أو تدليس، وعندما تكون مظاهر البهجة والاحتفاء من مؤيديه خارج اللجان، وبعد التصويت، وفى وسائل التواصل الاجتماعي، على هذا النحو الذي رأيناه، أظن أي حديث عن شعبية أو تأييد شعبي، هو من قبيل الهزل.
- رغم عدم وجود منافسة تقريبا في الانتخابات، وبرغم تكاسل بعض الناس عن الذهاب، اعتقادا بأن الرئيس السيسي فائز فائز، فقد كان الحضور كبيرا، لا يبتعد كثيرا عن أعلى نسبة حضور عرفتها انتخابات أو استفتاءات رئاسية في مصر، ولعلنا نذكر أن انتخابات ٢٠١٤ كانت أعلى في نسبة حضور الناخبين عن انتخابات ٢٠١٢ التي بلغت نسبة الحضور في جولتها الأولى ٤٦٪ بالرغم من وجود ١٣ مرشحا. ولعلنا نذكر أيضا أن نسبة الحضور في انتخابات مجلس النواب الماضية بلغت ٢٦٫٥٪، مع وجود آلاف من المرشحين، كل منهم يسعى لحشد مؤيديه ومعارفه والعائلات والعشائر والقبائل التي ينتمي إليها.
- الشعب المصري لا يحتاج لمن يلقنه دروسا في التوعية السياسية. هو الأقدر على التمييز بين الصالح والطالح وبين الصواب والخطأ، وعلى إدراك الباطل المتستر وراء كلمات حق.
- الشعب المصري رغم معاناته من غلاء الأسعار، فإنه في معظمه لم يجعلها حائلا دون الذهاب إلى الصناديق، لأنه يعرف أن الغلاء ليس أعراض مرض فشل اقتصادي مزمن، وإنما أعراض مؤقتة لاستشفاء اقتصاد يتعافى.
- الشعب المصري أراد أن يبعث للجميع برسالة مؤداها أنه سائر في معركتيه ضد الإرهاب ومن أجل البناء، لا يلوى على شيء.
- مسألة مقاطعة الشباب للانتخابات، تدحضها مشاهد الشبان والفتيات من مختلف الطبقات الذين تقاطروا على اللجان فرادى وجماعات في القرى وفي الأحياء الراقية على السواء. وأظن تصنيف أعمار الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات، ومن واقع كشوف التصويت المثبت بها الرقم القومي لكل مرشح، وإجراء تحليل إحصائي لها وإعلانه للكافة بعد الانتخابات، سوف يؤكد أن الترويج لمسألة مقاطعة الشباب، يستند إلى الفضاء الإلكتروني ولا يرتكز إلى حقائق الأمور في الواقع.
- مشاهد العملية الانتخابية في الخارج وفى أيامها الثلاثة بالداخل، حتى من قبل إعلان النتائج، هى شهادة وفاة وتصريح دفن سياسي لجماعة الإخوان وحلفائها ومن سار على نهجهم من فصائل العدميين بعدما كان هؤلاء في حالة موت سريري سياسي خلال السنوات الأربع الماضية.
- نتائج الانتخابات التي تدل عليها مؤشراتها، هى هزيمة ساحقة لأعداء مصر في الإقليم، ولقوى دولية كانت مع إدراكها أن رئيس مصر سيفوز، تود لو خرج مثخنا بجراح سياسية من الانتخابات، تضعفه داخليا وتلين عريكته خارجيا، لكنه يخرج منها بعد ساعات أقوى شكيمة وأعز تأييدا، على صهوة الحضور الكبير والتصويت الكاسح.


< < <


يبقى أن أهم ما أسفرت عنه العملية الانتخابية، أنها كانت استفتاء على المستقبل، أكثر منها تأييدا لمسيرة ماض قريب وإنجاز حاضر.
ويظل الشعب المصري هو القائد والمعلم.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم