في ذكرى رحيله «السادسة»

البابا شنودة..«لمحات وطنية» للجالس على كرسي مارمرقس

البابا شنودة
البابا شنودة

«جعلتك يا مصر في مهجتي..وأهواك يا مصر عمق الهوى..إذا غبت عنك ولو فترة..أذوب حنينا أقاسي النوى».

أبيات شعرية كتبها البابا شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية الراحل، كلمات خرجت من رجل دين أبى أن يكون يوما سلبيا أو خائفا، اختار أن يكون وطنيا صاحب مواقف مشرفة على كافة الأصعدة، فبوطنيته كسب تقدير جميع المصريين، وبحكمته انطفأت نيران أراد بها أعداء الوطن إحراقه.

وبمناسبة الذكرى السادسة لرحيله، تستعرض بوابة أخبار اليوم في هذا التقرير، أبرز وأشهر المواقف الوطنية للبابا شنودة منذ تجليسه على كرسي البطريرك وحتى نياحته.

خلاف مع «السادات» ينتهي بتحديد الإقامة!..القصة من بدايتها

لم يكن البابا شنودة رجل «الرئيس»، فقد اعتاد أن يكون ولائه للوطن أولا وكان مثله مثل أي مصري يعبر عن آراءه السياسية بحرية، لكن تلك الآراء لم تتفق مع سياسات الدولة آنذاك، فكان مصيره سيئا.

«كنا نتبادل الدعابة والمزاح خلال لقاءاتنا وفى النهاية قلبها جد»، بتلك الجملة لخص البابا شنودة علاقته بالرئيس الراحل أنور السادات، فبدايتها كانت في جريدة الجمهورية عام 1953 حيث عملا سويا، أما في بداية عهد الرئيس السادات فقد أثنى وبارك البابا «ثورة التصحيح»، التي أطلقها لحسمه الصراع مع المناوئين له في السلطة عام 1971.

جاء بداية الخلاف في «أحداث الخانكة» عام 1972، حيث كانت الشرارة التي أشعلت الأزمة بين الكنيسة والدولة، حيث أضرم فيه متشددون النيران في الكنيسة ومنازل ومحال الأقباط مما تسبب في مقتل العشرات منهم؛ وهو ما دفع الكهنة للمرة الأولى وبأوامر من البابا إلى تنظيم مسيرة والإصرار على الصلاة في ظل أنقاض الاعتداء كتعبير عن الاحتجاج.

توالت بعد ذلك العديد من الأحداث الطائفية والتحرشات من قبل بعض المتشددين تجاه الأقباط، مما دفع البابا شنودة إلى عقد مؤتمر عام 1977

قال فيه «إن الأقباط يمثلون أقدم وأعرق سلالة في الشعب المصري»، ثم تعرض المؤتمر لحرية العقيدة الدينية، وممارسة الشعائر الدينية، وحماية الأسرة والزواج المسيحي والمساواة وتكافؤ الفرص، وتمثيل المسيحيين في الهيئات النيابية، والتحذير من الاتجاهات المتطرفة.

كما أصدر المؤتمر بيانا طالب فيه بإلغاء مشروع الردة، واستبعاد التفكير في تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، وانتهى المؤتمر بتوصية هامة، حيث طالب الأقباط بالصوم الانقطاعي لثلاثة أيام «من 31 يناير إلى 2 فبراير 1977»، وذلك للفت النظر إلى مطالبهم وعدم الاستهانة بها.

ازدادت الأمور اشتعالا عقب اتفاقية كامب ديفيد، حيث طلب السادات من البابا شنودة بأن يقوم بإرسال وفود قبطية إلى القدس كتفعيل لاتفاقية السلام إلا أن البابا رفض، معللا أسبابة بموقفه السياسي الرافض لتلك الاتفاقية، ليس هذا فحسب بل أصدر أمرا بمنع المسيحيين من دخول القدس مادامت تحت سلطة الاحتلال قائلا جملته الشهيرة «إن الأقباط لن يدخلون القدس إلا مع إخوانهم المسلمين».

أصبح يقينا لدى السادات بأن البابا شنودة يتحداه ويشكل ضده جبهة مضادة، فأصبح الصراع «على المكشوف»، وقامت السلطات آنذاك بوقف عظته الأسبوعية الأمر الذي رفضه البابا، فتم تصعيد الأمر بمنع الاحتفال بالعيد في الكنيسة أو السماح باستقبال المهنئين.

انتهى الصراع في 1981 نهاية سيئة، حيث أصدر السادات قرارا جمهوريا بإلغاء الموافقة على انتخاب البابا شنودة الثالث بطريركا، وعزله وتعيين لجنة خماسية لإدارة الكنيسة بصفة مؤقتة، وحددت إقامته بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون وذلك كذلك حتى اغتيال السادات في شهر أكتوبر من العام ذاته.

مناصرا للقضية الفلسطينية

اتسم البابا شنودة بالثقافة والدراية بالشؤون السياسية وفهمه لطبيعة الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، فهو لم يكن يوما راهبا منعزلا داخل قلايته بل كان مطلعا ومتابعا لما يدور حوله.

كان موقفه واضحا تجاه القضية الفلسطينية، حيث كان مناصرا لها رافضا ما يقوم به العدو الإسرائيلي، كما أنه كان يستقبل الزعيم الراحل ياسر عرفات كلما زار مصر.

وبينما حددت إقامة عرفات، قام البابا شنودة بعقد مؤتمر شعبيا كبيرا في الكاتدرائية المرقسية عام 2002 دعما منه للقضية الفلسطينية.

مساندا للجيش في حربه

«إننا لا نخوض حرباً عدوانية ولا نعتدى على أملاك أحد، بل إننا نحارب داخل أراضينا، دفاعاً عنها، لهذا فإن بلادنا تحارب بضمير مستريح، وبقلب نقى، بل إنها كسبت إلى جوارها ضمير العالم، غير المتحيز، المحب للعدل»، كانت تلك إحدى المنشورات التي وجهها البابا للمحاربين على الجبهة من المسلمين والمسيحيين.

في أعقاب حرب 1973 كان البابا شنودة جالسا على كرسي البطريرك، حيث زار جبهة القتال قبيل حرب أكتوبر، والتقى بقادة القوات المسلحة والضباط مرتين، الأولى يوم 14 أبريل عام 1972، والثانية يوم 4 فبراير عام 1973.

عندما قامت الحرب بين مصر وإسرائيل، قامت الكنيسة بقيادة البابا بدور وطني كبير لا ينسى، حيث عكفت على تقديم الدعم المعنوي والسياسي من خلال توفير الأدوية والمساعدات الإنسانية، ودعم المجهود الحربي.

وفي 10 مارس عام 1989، شارك البابا شنودة أيضا في الاحتفال برفع علم مصر على أرض طابا.

حكيما في معالجة الأزمات الطائفية

عكس ما روي عنه في عهد السادات، لم يكن البابا شنودة يوما «مشعلا» للأزمات، أو محرضا على التمرد ضد الدولة أو قياداتها، بل دوما كانت تصرفاته تتسم بالحكمة وحسن التصرف وظهر ذلك بوضوح في معالجة مسألة الفتن الطائفية والهجمات التي كانت تستهدف الأقباط وكنائسهم.

وفي عهده، بدأت الكنيسة نهجها في إقامة موائد الوحدة الوطنية في شهر رمضان وهو ما سمي «موائد العائلة المصرية»، كما أنه وقف أمام بعض الأقباط رافضاً إنشاء حزب مسيحي سياسي يكون أعضاؤه على أساس ديني «على غرار الأحزاب ذات الهوية الإسلامية».

حملت عظاته رسائل للأقباط في الداخل والخارج بعدم الانصات لدعوات الوقيعة بين أطياف الوطن، كما تحمل الاتهامات «الباطلة» التي كانت توجه له من قبل البعض بكونه مسالما أو مستسلما، لكن تلك الاتهامات لم تؤثر فيه وظل على طبيعته حتى رحل عن عالمنا في الـ17 من مارس عام 2012.

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم