ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب من مسقط: ٣ أيام فى عاصمة الوصال مع مصر

الكاتب الصحفي ياسر رزق
الكاتب الصحفي ياسر رزق

تفاصيل اللقاء الأول بين السيسى وقابوس

 

الصفاء النفسى، هو الشعور الأبرز الذى يلازم كل من يحط الرحال على أرض مسقط، عاصمة سلطنة عمان، الدولة العربية التى تحتل المرتبة ٥٩ فى المؤشر العالمى للبلدان الأكبر سلمية، والمرتبة ٦٤ بين أكبر اقتصادات العالم، والمرتبة ٢٣ فى احتياطيات النفط العالمى.


كل شيء هاديء فى هذه المدينة العريقة والجميلة المطلة على خليج عمان فى أقصى الجنوب الشرقى من الوطن العربى، اللون الأبيض يكسو المبانى، ومعظمها عدا قلب المدينة لايزيد ارتفاعه على طابقين أو ثلاثة.. بينما الحدائق تمتد فى أرجاء المدينة مزدانة بالنخيل والزهور، وتلتقى زرقة مياه خليج عمان عند ساحل المدينة مع زرقة سماء صافية فى هذا الوقت من الشتاء مع جو صحى معتدل، يميل قليلاً إلى البرودة، عكس الحال فى الصيف الذى تميزه الحرارة مع الجفاف.


٢١٠٠ كيلو متر هى طول ساحل السلطنة العربية على خليج عمان وبحر العرب، وعلى الجانب الآخر من الساحل، تطل إيران وباكستان والهند كأقرب دول جنوب وغرب آسيا إلى العالم العربى عن طريق عمان.


الهدوء الذى يميز الحياة فى سلطنة عمان، انطبع على سياستها الخارجية، وعلى أسلوب الحكم فى البلاد، مثلما ينطبع على وجوه الناس وسلوكياتهم فى الشارع ومع الآخرين.
وكثيرا ما كنت أتساءل عن سر الرابطة التى تجمع المصريين الذين عاشوا فى عمان بهذا البلد وأهله، مهما مضت السنون على عودتهم إلى وطنهم الأم، ولقد لمست السبب سريعاً بعد وصولى إلى مسقط، فى أول زيارة لى إلى سلطنة عمان.


إنه الألفة مع المكان والبشر.
وإنه أيضا المحبة الغامرة لمصر التى تلمسها من أبسط مواطن عمانى إلى السلطان قابوس قائد النهضة العمانية، والتقدير البالغ لدور المصريين فى عمان بالذات فى مجال التعليم، والإكبار لمكانة مصر فى عالمها العربى، فى الثقافة والفنون، قبل السياسة المساندة لقضايا الأمة.
ربما لهذه المحبة وذلك التقدير، بجانب رصانة السياسة الخارجية العمانية، كانت سلطنة عمان هى الدولة العربية الوحيدة التى خالفت مقررات قمة بغداد العربية منذ ٤٠ عاما مضت، ورفضت أن تنصاع للآخرين وتقطع علاقتها بمصر فى أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وظلت تحتفظ بعلاقات المودة والتعاون مع مصر دون انقطاع أو فتور.
ويبقى هذا الموقف على مر الأيام فى ذاكرة المصريين، موضع إعزاز وعرفان، ومحل تقدير واحترام لشعب عمان الشقيق وقائدها الحكيم.
 ***
ثلاثة أيام أمضاها الرئيس عبدالفتاح السيسى بمسقط فى أول زيارة له، وأول زيارة لرئيس مصرى منذ ٩ سنوات إلى السلطنة.
مظاهر الحفاوة والترحاب أحاطت بالرئيس السيسى منذ لحظة وصوله إلى مطار مسقط، وحتى أوان المغادرة ظهر أمس.
استقبال أسطورى بمعنى الكلمة، كان فى انتظار الرئيس السيسى فى مسقط عصر السبت الماضى، لعله غير مسبوق لأى حاكم على أرض أى دولة يحل ضيفاً على أرضها.
على مسافة ٥ كيلو مترات، من بوابة مسقط إلى «قصر العلم» مقر الحكم فى سلطنة عمان، مضى ركب الرئيس السيسى الذى اصطحبه السلطان قابوس فى سيارته، محاطاً بحرس الشرف من الفرسان يستقلون الجياد، فى مشهد مهيب يعكس مكانة مصر وقائدها فى قلوب العمانيين وقائدهم.
ومنذ ساعات العصر، إلى ساعات الليل، استمر لقاء الرئيس السيسى والسلطان قابوس، فى جلسة مباحثات ثنائية، ثم جلسة موسعة، ثم على مأدبة عشاء رسمى أقامها سلطان عمان تكريماً للرئيس والوفد المرافق له، الذى ضم وزير الخارجية سامح شكرى واللواء مصطفى شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية والمهندس طارق قابيل وزير التجارة والصناعة والدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط واللواء عباس كامل مدير مكتب رئيس الجمهورية والقائم بأعمال مدير المخابرات العامة والسفير بسام راضى المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية، بجانب السفير محمد غنيم سفير مصر فى سلطنة عمان.
واستكملت مباحثات القمة المصرية العمانية مساء أمس الأول على عشاء خاص أقامه السلطان قابوس فى منزله بقصر البركة، تعبيراً عن الحفاوة بالرئيس السيسى.
وسبق العشاء، لقاء بين الرئيس السيسى فى مقر إقامته بقصر العلم مع فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء العمانى لشئون مجلس الوزراء الذى يترأسه السلطان قابوس.
***
برغم أن القمة المصرية العمانية، كانت هى اللقاء الأول بين الرئيس السيسى والسلطان قابوس، فقد بدا، على حد قول مسئول عمانى رفيع المستوى، وكأن الزعيمين يعرفان بعضهما البعض من سنين طويلة.
كان التفاهم واضحا، وكان توافق الرؤى ظاهراً.
أبدى السلطان قابوس تقديره الكامل لمصر، قائلاً إنها الدعامة الرئيسية لأمن واستقرار الوطن العربى ودول الخليج، واستفاض فى التعبير عن قدر المكانة التى تحتلها مصر فى قلوب العمانيين، والتاريخ الطويل من المودة التى تجمع الشعبين والتعاون الذى يربط البلدين.
وعبر الرئيس السيسى عن تقدير مصر للمواقف التى اتخذتها سلطنة عمان تجاه مصر وشعبها، منوهاً بالمكانة التى يحتلها السلطان فى قلوب المصريين إزاء هذه المواقف، وأبدى تطلعه نحو تعزيز علاقات التعاون بين البلدين والانطلاق بها إلى آفاق أرحب.
ولأنه كان اللقاء الأول بين الزعيمين، فقد عرض الرئيس تطورات ما جرى على أرض مصر منذ ثورة ٢٥ يناير وحتى الآن، وتناول التحديات التى واجهتها الدولة، وما شهدته البلاد من اضطرابات، حتى قامت ثورة ٣٠ يونيو التى حافظت على هوية الدولة الوطنية المصرية، ثم الانطلاق إلى طريق التنمية الشاملة فى كل ربوع مصر. وقال الرئيس السيسى للسلطان قابوس: إن البطل الحقيقى هو شعب مصر العظيم، فكل ذلك ما كان ليحدث لولا وعى وصبر أبناء الشعب.
لم يكن ما عرضه الرئيس غريباً ولا جديداً على مسامع السلطان قابوس الذى كان يتابع يومياً كل تلك التطورات، بقلب العاشق لمصر، وبعقل المهموم بقضايا الأمة والعارف بالدور المصرى فيها.
ولعل العبارة الموجزة البليغة لعميد الدبلوماسية العربية يوسف بن علوى وزير الشئون الخارجية العمانى تعكس بدقة تقدير عمان لثورة ٣٠ يونيو ونتائجها، حين قال: لولا نجاة مصر من مخطط «الفوضى الخلاقة»، لضاعت الأمة العربية.
***

ملفان رئيسيان كانا على طاولة مباحثات القمة بين الرئيس السيسى والسلطان قابوس على مدى يومين.
- الملف الأول هو علاقات التعاون الاقتصادى بين البلدين، وكان هناك اتفاق بين الزعيمين على أن هذه العلاقات، لا ترقى إلى مستوى العلاقات السياسية بين البلدين، وأن هناك رغبة متبادلة فى تعزيزها لاسيما فى مضاعفة التبادل التجارى الذى لا يتعدى ٣٠٠ مليون دولار طبقاً لمؤشرات العام الماضى، والتوسع فى حجم الاستثمارات العمانية بمصر والتى لا تزيد على ٧٧ مليون دولار، وكذلك الاستثمارات المصرية فى عمان التى تبلغ ٣٠ مليون دولار.
وأبدى السلطان قابوس تشجيعه للمستثمرين العمانيين على الاستثمار فى مصر.
وكان موضوع الاستثمار، أحد الموضوعات الرئيسية فى لقاء الرئيس مع نائب رئيس الوزراء العمانى الذى أشاد بخطوات الإصلاح الاقتصادى التى اتخذتها الحكومة المصرية، واتفق مع الرئيس على دراسة إنشاء صندوق استثمارى مشترك بين الجانبين.
- أما الملف الثانى فهو الأزمات العربية، فى سوريا والعراق وليبيا، وجرى التركيز على الأزمة اليمنية، واستمع الرئيس إلى رؤية السلطان قابوس تجاه الأزمة فى اليمن وسبل العمل على حلها.
كان التوافق تاماً بين الزعيمين على أمرين، أولهما هو الحفاظ على كيانات ومؤسسات تلك الدول بما يحمى وحدتها ويصون مقدرات شعوبها، وثانيهما أن المنطقة فيها ما تنوء به شعوبها من أزمات وصراعات، وينبغى احتواء ما يمكن أن يقودها إلى نزاعات جديدة مريرة.
وبدا خلال المباحثات ما تعلقه سلطنة عمان على الدور المصرى فى ايجاد حلول لهذه الأزمات، خاصة أن البلدين لم يكونا سبباً ولا طرفاً متداخلاً فى حدوثها.
***
وقبيل مغادرته مسقط أمس.. التقى الرئيس السيسى فى مقر إقامته بقصر «العلم»، نحو ٤٠ من كبار المستثمرين العمانيين.
وفى هذا اللقاء.. قدم المهندس طارق قابيل وزير التجارة والصناعة عرضاً مفصلاً للدور الذى يمكن لمجتمع الأعمال فى البلدين القيام به لبدء مرحلة جديدة فى العلاقات الاستراتيجية بين مصر وعمان وتحقيق نقلة نوعية فى مسار التعاون المشترك.
وقال إن مصر تتطلع لأن تكون قاعدة للاستثمارات العمانية فى أفريقيا، لإنتاج عديد من السلع يتم تصديرها لأسواق القارة والأسواق العربية وغيرها، بالاستفادة من الاتفاقات التفضيلية التى وقعتها مصر.
وتناول الوزير مشروعات البنية الأساسية فى مجالات الطرق والطاقة والموانئ والمدن الجديدة، وكذلك انشاء عشرات المناطق الصناعية، بجانب المنطقة الاقتصادية الحرة لقناة السويس، كما قدم الوزير عرضاً لبرنامج الاصلاح الاقتصادى والتشريعات الجديدة التى صدرت لتشجيع الاستثمار، وقال إن ذلك أدى إلى تحسن المؤشرات الاقتصادية، فانخفض عجز الموازنة إلى ٩٫٥٪ ومعدل البطالة إلى ١١٫٩٪، والواردات بنسبة ٢٠٪، وزاد معدل نمو الناتج المحلى إلى ٤٫٩٪.
وأشار الوزير إلى إطلاق خريطة للاستثمار الصناعى تتيح أكثر من ٤٨٠٠ فرصة استثمارية وفق دراسات جدوى مبنية على احتياجات المحافظات.
واستمع المستثمرون العمانيون إلى الرئيس السيسى الذى أبدى استعداده الشخصى لإزالة أى عقبة يواجهها أى مستثمر، مشيرا إلى المزايا الكبيرة التى تتيحها التشريعات الجديدة للاستثمار على أرض مصر.
***
نجاح زيارة الرئيس السيسى لمسقط ومباحثاته مع السلطان قابوس، تظهر نتائجها خلال الأسابيع القادمة، بانعقاد اللجنة المشتركة بين البلدين التى تضم وزيرى الخارجية وعددا من الوزراء لتفعيل الاتفاقات الموقعة بين البلدين وعلى رأسها اتفاقية منع الازدواج الضريبى، ودراسة توقيع اتفاقات جديدة لتعزيز التعاون، وكذلك عقد مؤتمر اقتصادى فى مسقط لرجال الأعمال فى البلدين لتشجيع التعاون فى مجالات التبادل التجارى والاستثمار.
ويبقى التشاور مستمراً والتنسيق السياسى متواصلاً فى الفترة المقبلة بين قائد مصر وحكيم عمان إزاء الملفات العربية الساخنة، وبالأخص القضية الفلسطينية التى يعتبرها الزعيمان مفتاح الحل لإقرار الأمن واستتباب الاستقرار فى هذه المنطقة المضطربة.

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم