الخداع الاستراتيجي.. فخ السادات لطمأنة إسرائيل

 

سبقت حرب أكتوبر 1973 مجموعة من إجراءات الخداع الإستراتيجي لتضليل العدو، إذ كان من المستحيل أن تتم كل استعدادات الحرب دون أن يلاحظ العدو ذلك ، خاصة و أن القوات المصرية كانت علي اتصال مباشر بالعدو ولا يفصلهما سوى قناة السويس ، كما أن القوات السورية كانت تحت الملاحظة المستمرة من جانب العدو الذي يحتل مرتفعات الجولان و جبل الشيخ و التي تشرف علي مناطق حشد القوات في المناطق المنخفضة.

وفي ظل تعاون المخابرات الإسرائيلية و الأمريكية ، فلو أن إسرائيل علمت بنية القتال المصرية لبادرت بضربة وقائية عنيفة للقوات المصرية تجعل القتال أشد تعقيداً ، خاصة و أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم علي ضرورة إعلان التعبئة العامة عند ملاحظة أي تحركات لقوات العدو تنطوي علي تهديد محتمل لأمنها ، دون التطرق لنوايا العدو من هذه التحركات ، إذا كانت نية هجوم حقيقي أم مناورة حربية فقط.

و بالتالي فقد كان لزاماً علي القيادة المصرية أن تجري تحركات عسكرية ضخمة علي الجبهة بشكل منتظم ، و لأكثر من مرة قبل الحرب دون شن هجوم حقيقي حتى تفقد القيادة الإسرائيلية ثقتها في صدق التحركات المصرية ، و تعتمد علي تقدير النوايا المصرية ، و تتكاسل عن إعلان التعبئة العامة الذي يكلفها عشرة ملايين دولار في كل مرة ، و هنا تأتي الضربة المصرية الحقيقية. 

ولذلك فقد اتخذت القيادة المصرية أكثر من 65 بندا خداعيا في مرحلة ما يسمى بـ ضباب ما قبل المعركة أو خطة الخداع الإستراتيجي كان أهمها الأتي :

- إعلان الرئيس السادات أن عام 1971 هو عام الحسم دون حدوث أي شيء

- تنفيذ مناورة عسكرية موسعة كمشروع تدريبي في النصف الأول من عام 1973 ، مما إضطر إسرائيل إلي إعلان التعبئة الجزئية تفادياً لأي مفاجآت مصرية ، و لكن الأمر لم يتطور إلي أي نوع من الحرب


- توصيل معلومات مغلوطة إلي العدو الإسرائيلى تفيد بأن القوات المصرية ستقوم بعمل عسكري موسع في شهر مايو 1973 ، و أخري تفيد بأن العملية ستكون في أغسطس 1973 ، مما جعل إسرائيل تعلن التعبئة العامة مرتين في حين كانت القوات المصرية في حالة إسترخاء تام

- الإعلان عن قيام القوات المسلحة المصرية بمناورة عسكرية موسعة بدءاً من أول أكتوبر و حتى 7 أكتوبر 1973 ، و أنه إعتباراً من يوم 9 أكتوبر يمكن للضباط التقدم لتسجيل أسمائهم ضمن الموفدين في رحلة العمرة المصرية التي أعلن عنها في الصحف المصرية و داخل القوات المسلحة المصرية و علمت بها إسرائيل عن طريق مخابراتها.

- إعلان التعبئة العامة للقوات المسلحة المصرية قبل الحرب بأيام قليلة ، بحجة المشاركة في المشروع التدريبي ، ثم تسريح عدة ألاف منهم ممن لن يشاركوا في الحرب ، وحجز المطلوبين للمشاركة فقط ، و بالتالي فقد تأكد لإسرائيل أنه مجرد مشروع تدريبي

-  تحريك القوات إلي جبهة قناة السويس بطريقة سرية ليلاً في فترات الظلام التام ولاسيما العربات التي تحمل أجزاء كباري العبور.

- التعاقد مع إحدي الدول الأسيوية الصديقة لصيانة بعض القطع البحرية المصرية ، و الاتفاق مع السودان و اليمن الجنوبي على أن تستقبل هذه القطع البحرية في مينائي بورسودان و عدن في 5 أكتوبر خلال رحلتها إلي الدولة الآسيوية ، بحيث تصل القطع إلي مضيق باب المندب في صباح 6 أكتوبر 1973 ، مما يكفل لها القيام باعتراض خطوط مواصلات البحرية الإسرائيلية، وبذلك يصبح التأمين الإسرائيلي لشرم الشيخ بهدف تأمين الملاحة في خليج العقبة لا قيمة له.

- التوقف قبيل الحرب عن أعمال التخطيط و الإستطلاع حتى لا يكشف النقاب عن وجود نية لشن الحرب

- تكليف وزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات بعقد لقاء مع نظيره الأمريكي هنري كيسنجر لإبلاغه برغبة مصر في التفاوض لإستعادة أرضها بشكل سلمي.

- توقيع الرئيس السادات في 4 أكتوبر 1973عقداً يسمح لشركتي البترول الأمريكيتين "موبيل و إسو" بإستكشاف البترول في مصر.

- إنشاء إذاعة مصرية الإدارة عبرية اللغة من القاهرة ، تذيع الموسيقي و الأغاني الغربية لجذب أسماع الشعب الإسرائيلي إليها ، ولا تتحدث عن عداء لليهودية أو الصهيونية ، و تؤكد علي أن الشعب المصري ملتزم بوسائل الأمم المتحدة السلمية لإستعادة أراضيه المحتلة ، و أنه يريد السلام و البناء ولا يريد الحرب

- ظل رجال موجة العبور الأولى قابعين في أماكنهم الحصينة و خنادقهم بكامل أسلحتهم و معداتهم لمدة زادت عن 12 ساعة ، دون أن يرفع أحدهم رأسه فيراه العدو بكامل معداته و ملابسه الميدانية ، وقد صرح موشى دايان قبل الحرب ساخراً من الجيش المصري قائلاً : يمكنك أن تعرف أن المصريين سوف يحاربون إذا رأيتهم يلبسون خوذاتهم ، و قد إستفادت القيادة من هذا التصريح بأن أمرت بألا يرتدى الجنود خوذاتهم إلا قبل ساعة الصفر بخمس دقائق فقط ، في حين ظلت باقي القوات حتى أخر لحظة لا تبدى أي إستعداداً أو توتراً ، بل خُصِصَت منهم جماعات للإستحمام في مياه القناة ، و غسل الملابس ، و جماعات أخرى تسترخي تحت أشعة الشمس ، و أفراد يقومون (بمص القصب) ، أو ممارسة الألعاب الرياضية ، و هو ما شاهده دايان بنفسه عند زيارته للجبهة في 6 أكتوبر 1973 قبل إشتعال الحرب بساعات قليلة

- اختيار ميعاد الحرب ليكون يوم السبت 6 أكتوبر ، الذي صادف يوم كيبور أو عيد الغفران لدي اليهود و إختيار ساعة الصفر لتكون 14.05 _ الثانية ظهراً ، و هو ميعاد غير معتاد لبدء القتال ، فالتقليدي أن يبدأ القتال مع أول ضوء أو مع آخر ضوء من اليوم

- حدثت معركة جوية سورية إسرائيلية في 13 سبتمبر 1973 أدت إلي توتر الموقف بين البلدين فاستغلت القيادة السورية الموقف، و حشدت قواتها تحت أعين الإسرائيليين ، و كان ذلك في إطار عمل دفاعي تقليدي في ظل توتر الموقف.