ليست مصادفة أن تتجه الدولة المصرية إلى الصحراء فى اللحظة نفسها التى أصبح فيها العالم أكثر اضطراباً وهشاشة.
فالعواصم الكبرى لم تعد تخشى الجيوش وحدها، بل تخشى انقطاع سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الحبوب، وتعطل الموانئ، ونقص الطاقة والغذاء. لقد كشفت السنوات الأخيرة حقيقة غابت طويلاً خلف ضجيج السياسة والاقتصاد . الدول لا تُهزم فقط على حدودها، بل قد تُستنزف أيضاً فى أسواق الغذاء وممرات التجارة ومخازن السلع الاستراتيجية.
من هنا تبدو قراءة جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» باعتباره مشروعاً زراعياً عملاقاً قراءة ناقصة. فالقصة فى جوهرها ليست زراعة الأرض، وإنما زراعة القدرة.
القدرة على الصمود.
والقدرة على مواجهة الصدمات.
والقدرة على اتخاذ القرار الوطنى بعيداً عن ضغوط الأزمات الدولية.
فعلى امتداد عقود طويلة، ظلت معادلة التنمية المصرية تدور داخل نطاق جغرافى محدود حول وادى النيل والدلتا، بينما بقيت مساحات هائلة من أرض مصر خارج معادلة الإنتاج. ومع تزايد السكان وارتفاع الطلب على الغذاء وتكرار الأزمات العالمية، أصبح من الواضح أن استمرار الاعتماد على المساحات التقليدية وحدها لم يعد خياراً كافياً.
هنا يأتى مشروع «مستقبل مصر» بوصفه جزءاً من رؤية أوسع تسعى إلى إعادة اكتشاف الجغرافيا المصرية وتوظيفها فى خدمة الأمن القومى والاقتصادى معاً.
فالهدف لم يعد مجرد إضافة أفدنة جديدة إلى الرقعة الزراعية، بل بناء منظومة متكاملة تبدأ من استصلاح الأرض وإدارة المياه، مروراً بالإنتاج والتخزين والتصنيع والنقل، وصولاً إلى الأسواق المحلية والتصدير الخارجى. إنها محاولة لتحويل الغذاء من نقطة ضعف مُحتملة إلى عنصر قوة واستقرار.
وقد أثبتت التجارب الدولية الحديثة أن الدولة التى تعتمد بصورة مُفرطة على الخارج فى احتياجاتها الأساسية تظل أكثر عرضة للابتزاز الاقتصادى والتقلبات السياسية. أما الدولة التى تنتج وتخزن وتدير احتياطياتها الاستراتيجية بكفاءة، فإنها تمتلك هامشاً أوسع من الحرية فى إدارة سياساتها واتخاذ قراراتها.
وهنا تتجلى الرسالة السياسية الأعمق للمشروع. فالأمن الغذائى لم يعد ملفاً زراعياً أو خدمياً فحسب، بل أصبح أحد أركان السيادة الوطنية. وكل فدان يدخل دائرة الإنتاج، وكل صومعة تُبنى، وكل مجمع للتصنيع الغذائى يُقام، يضيف طبقة جديدة من الحماية للاقتصاد الوطنى فى مواجهة العواصف الخارجية.
كما أن المشروع يعكس تحولاً مهماً فى فلسفة الدولة المصرية من إدارة الندرة إلى صناعة الوفرة، ومن استهلاك الجغرافيا إلى استثمارها، ومن التعامل مع التنمية باعتبارها مشروعاتٍ متفرقة إلى اعتبارها منظومة استراتيجية متكاملة.
فى النهاية، قد يرى البعض فى «مستقبل مصر» مشروعاً زراعياً ضخماً، لكن القراءة الأعمق تقول إنه محاولة لبناء أحد أهم خطوط الدفاع الجديدة للدولة المصرية.






