لم تكن البوسنة والهرسك مجرد محطة عابرة فى حياة الصحفية والكاتبة حنان سليمان، بل كانت سؤالًا مؤجلًا منذ الطفولة ظل ينمو فى صمت حتى تحوّل إلى مشروع كتاب. ففى التاسعة من عمرها، جلست أمام شاشات الأخبار تتابع مشاهد حرب لم تفهم لغتها، لكنها شعرت بثقلها؛ وجوه مختلفة، وأصوات بعيدة، وألم يتسلل رغم الحواجز الجغرافية واللغوية. وهناك، فى تسعينيات القرن الماضي، بدأت الحكاية.

بعد سنوات، تحوّل ذلك السؤال الطفولى إلى شغف دفعها، فى منتصف عقدها الرابع، إلى شدّ الرحال نحو «بلاد الدم والعسل» فى رحلة استمرت أسبوعين عام 2019، لم تكن سياحية بقدر ما كانت محاولة للفهم والإنصات إلى ذاكرة ما زالت تنبض بالجراح.
وخلال الرحلة التحقت الكاتبة ببرنامج الجامعة الصيفية فى سربرينيتسا، وهو تجربة معرفية تمزج بين التعليم الميدانى والاحتكاك المباشر بشهادات الذاكرة الحية، عبر جولات فى المتاحف والمواقع التاريخية، ولقاءات مع ناجين ونشطاء ومسؤولين حملوا فى أصواتهم سرديات الألم والصمود.
لكن التجربة بلغت ذروتها بمشاركتها فى «مسيرة السلام» السنوية، التى تمتد من الثامن إلى العاشر من يوليو، حيث يسير المشاركون على خطى نحو 15 ألف بوسنى فرّوا عام 1995 عبر ما عُرف بـ«طريق الموت» هربًا من مجزرة سربرينيتسا. وكانت تلك المسيرة، كما تصفها سليمان، عودة رمزية لا خروجًا، ومحاولة لاستعادة الحياة فى طريق شهد الفناء.
وتقول: «تُعد حرب البوسنة والهرسك واحدة من أبشع الحروب التى شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ تعرض البوشناق لعمليات تهجير قسري، واستولى الصرب على ممتلكاتهم، وأُجبر كثيرون على التوقيع على تنازلات رسمية قبل الفرار. وفى قلب تلك الحرب تكشفت صور قاسية من التطهير العرقى والإبادة الجماعية، رافقتها انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والاغتصاب المنهجى ومعسكرات الاعتقال، فضلًا عن تدمير القرى والبنية التحتية والمعالم الثقافية والدينية».
واستطاعت سليمان نقل هذه المشاهد لا بوصفها وقائع تاريخية جامدة، بل كتجربة إنسانية حية تنبض بالألم وتستدعى الذاكرة، فتُشرك القارئ فى معايشة تفاصيلها، لا الاكتفاء بتأملها من مسافة آمنة.
وتعترف الكاتبة بحيرتها فى كيفية تقديم هذا التاريخ الثقيل داخل كتابها، لكنه ظل ضروريًا لفهم ما جرى واستيعاب امتداداته فى الحاضر واستشراف ملامح المستقبل. لذلك اختارت البناء الزمنى للأحداث، إيمانًا بأن تتبع الزمن يكشف ما لا يُرى فى السرد المجتزأ.
وتؤكد المؤلفة أنها بدأت العمل على الكتاب عام 2022، ونالت مخطوطته تنويهًا شرفيًا من لجنة تحكيم جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2024، قبل أن تعيد صياغته فى سياق عالمى يعيد إنتاج المأساة، كما يحدث فى غزة، لتؤكد أن البوسنة ليست بعيدة كما كانت يومًا، وأن التاريخ حين لا يُفهم يظل قابلًا للتكرار.
وهكذا، لا تكتب حنان سليمان رحلتها بوصفها انتقالًا جغرافيًا، بل كعبور عميق فى طبقات الذاكرة؛ حيث يصبح المكان شاهدًا على الألم، وتتحول الرحلة إلى محاولة لفهم جرح إنسانى مفتوح لا يزال حاضرًا فى الوجوه والطرقات والذاكرة.
ويُعد كتاب «رحلة فى ذاكرة الحرب.. البوسنة والهرسك»، الصادر عن دار كتوبيا للنشر والتوزيع عام 2026، توثيقًا سرديًا وثقافيًا لرحلة استمرت أسبوعين داخل البوسنة، يستعرض تاريخًا من الإبادة وتراثًا حضاريًا غنيًا، ويمزج بين التوثيق التاريخى والسرد القصصى والتأملات الشخصية للكاتبة حول الحرب وتداعياتها، متجاوزًا سردية الإبادة إلى استحضار الحضارة والأنهار والذاكرة والتراث.







