خواطر الشعراوى الاختبار على قدر المهمة

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى

يقول الشيخ الشعراوى فى خواطره حول الآية 249 من سورة البقرة حول قوله تعالى:  «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ». يقول: الفصل هو أن تعزل شيئا عن شيء آخر، ومثل ذلك قوله تعالى: «وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ» «يوسف: 94».

«فَصَلَتِ العير» أى غادرت مصر وخرجت منه. ونحن نستخدم كلمة (فصل) فى تبويب الكتب، ونقصد به قدراً من المعلومات المترابطة التى تكون وحدة واحدة، وعندما تنضم الفصول مع بعضها فى الكتب تصير أبواباً، وعندما تنظم الأبواب الموضوعة فى مجال علم واحد مع بعضها نقول عنها: هذا (كتاب). ونحن نستخدم كلمة (فصل) فى وصف مجموعة من التلاميذ المتقاربين فى العمر والمستوى الدراسى ونقسمهم إلى فصل أول وثانٍ وثالث، على حسب سعة الفصول وعدد التلاميذ. وهكذا نفهم معنى قول الحق: «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود» أى فصلهم عن بقية غير المقاتلين، وقسمهم إلى جماعات مرتبة، وكل جماعة لها مهمة.وكلمة (جنود) هى جمع (جند) وهى مفردة لكنها تدل على جماعة، وأصل الكلمة من (جَنَد) وهى الأرض الغليظة الصلبة القوية، ونظرا لأن الجنود مفروض فيهم الغلظة والقوة فقد أُطلق عليهم لفظ: جُنْد. وبرغم أن كلمة (جند) مفرد؛ إلا أنها تدل على القوم مثل (رهط) و(طائفة) ويسمونها اسم جمع. «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ» أى عندما خرج إلى مكان إقامة الجيش بدأ فى مباشرة أولى مهماته كملك، لقد أراد أن يختبرهم، فهم قوم وقفوا ضد تعيينه ملكاً، لذلك أراد أن يدخل الحكم على أرض صلبة. فقال لهم عن الحق: «إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ منى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ».

لقد أوضح لهم: أنتم مقبلون على مهمة لله فى سبيل الله، وهو سبحانه الذى سيجرى عليكم الاختبار، ولست أنا لأن الاختبار يكون على قدر المهمة؛ أنا مشرف فقط على تنفيذ الأمر، والله مبتليكم بنهر من يشرب منه فليس منا إلا من اغترف غرفة بيده.وساعة تسمع كلمة «مُبْتَلِيكُمْ» فلا تفسرها على أنها مصيبة، ولكن فسرها على أنها اختبار، قد ينجح من يدخل وقد يفشل. والاختبار هنا بنهر. ومادام كان الاختبار بنهر فلابد أن لهذه الكلمة موقعاً وأثراً نفسيا عندهم، لابد أنهم كانوا عِطاشاً، وإلا لو لم يكونوا عطاشاً لما كان النهر ابتلاء. «إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي».إنهم عطاش، وساعة يُرى الماء فسيقبلون عليه بنهم شرباً ورياً، ومع ذلك يختبر الحق صلابتهم فيطالبهم بأن يمتنعوا عن الشرب منه، لقد جاء الاختبار فى منعهم مما تصبو إليه نفوسهم.

اقرأ أيضًا|  خواطر الشعراوى | المقدسات مصدر سكينة

«فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي» لماذا؟ لأنهم ساعة يرون ما يحبونه ويشتهونه فسيندفعون إليه وينسون أمر الله. ومن ينس أمر الله ويفضل نفسه، فهو غير مأمون أن يكون فى جند الله. لكن الذى يرى الماء ويمتنع عنه وهو فى حاجة إليه، فهو صابر قادر على نفسه، وسيكون من جند الله، لأنه آثر مطلوب الله على مطلوب بطنه، وهو أهل لأن يُبتلى. ومع ذلك لم يَقْسُ الله فى الابتلاء، فأباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه نهائياً. «إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ منى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ» لقد سمح لهم بغرفة يد تسد الرمق وتستبقى الحياة، أباح لهم ما تقتضيه الضرورة. لكن ما صلة هذا الابتلاء بالعملية التى سيقبلون عليها؟ .