المتحف المجهول.. كيف وصلت كنوز "سيد بك خشبة" للمدرسة العتيقة؟

كنوز المتحف المجهول
كنوز المتحف المجهول


بعيدًا عن المسارات السياحية المعتادة، وخلف أسوار مدرسة يزيد عمرها على قرن ونصف القرن، يختبئ واحد من أكثر المتاحف غرابة وإثارة في صعيد مصر.

في قلب مدينة أسيوط، يقبع متحف مدرسة السلام للغات، ذلك المتحف الصغير الذي لا يعرفه كثير من أبناء المحافظة، رغم احتوائه على مئات القطع الأثرية النادرة التي توثق عصوراً متعاقبة من التاريخ المصري، بداية من الحضارة الفرعونية مروراً بالعصرين اليوناني والروماني، ووصولاً إلى الحقبتين القبطية والإسلامية ورغم القيمة التاريخية الكبيرة التي يمثلها المتحف، فإنه لا يزال بعيداً عن دوائر الضوء، وكأن الزمن قد قرر أن يترك هذه الكنوز حبيسة الجدران، في انتظار من يعيد اكتشافها ويمنحها ما تستحقه من اهتمام.

لم تكن أسيوط مجرد محافظة في قلب الصعيد، بل كانت إحدى المناطق المؤثرة في تشكيل ملامح الحضارة المصرية القديمة فقد لعبت دوراً اقتصادياً وإدارياً مهماً عبر العصور وكانت أقاليمها من أبرز مراكز الحكم والنفوذ في مصر العليا.

وتكشف المواقع الأثرية المنتشرة في قرى المحافظة، مثل الهمامية ومير والمعابدة ودير الجبراوي، عن حجم الثقل الحضاري الذي تمتعت به المنطقة، وتضم هذه المواقع مقابر لحكام الأقاليم الثالث عشر ومناظر تعكس تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في مصر القديمة، وفي ظل هذا الإرث الحضاري، يبدو وجود متحف أثري داخل مدرسة أمراً استثنائياً، لكنه في الوقت نفسه يعكس جانباً من تاريخ أسيوط الثقافي والتعليمي الممتد.

 

- مدرسة بدأت بإرسالية أجنبية

 

تعود جذور مدرسة السلام إلى عام 1875 حين بدأت الفكرة داخل منزل أحد التجار السوريين بأسيوط، قبل أن يتبناها "جون هوك"، أحد أعضاء الإرساليات الأجنبية آنذاك، والذي سافر إلى الخارج لجمع التبرعات اللازمة لإنشاء المدرسة، ومع مرور السنوات أصبحت المدرسة واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية الأجنبية في صعيد مصر.

وارتبط اسمها لفترة طويلة بتعليم البنات، قبل أن تتحول في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى "مدرسة العروبة" للبنين، ثم استعادت لاحقاً اسم "السلام"، لتصبح المدرسة الأم لسلسلة مدارس السلام المنتشرة في عدد من المحافظات، لكن ما يميز المدرسة حقاً ليس تاريخها التعليمي فقط، بل ذلك المتحف الصامت الذي يحتل جزءاً من مبانيها القديمة.

 

- سيد بك خشبة.. الرجل الذي جمع التاريخ

 

ترجع معظم مقتنيات المتحف إلى "سيد بك خشبة"، أحد أشهر هواة جمع الآثار والتنقيب عنها في أسيوط خلال أوائل القرن العشرين. ووفقاً للقوانين المعمول بها آنذاك، كان من حق المنقب الاحتفاظ بجزء من الآثار التي يكتشفها وفي عام 1914، نجح سيد بك، بمساعدة المهندس "بلاكمان" إنجليزي في اكتشاف مجموعة كبيرة من القطع الأثرية، فقام بعرضها داخل متحف أقامه في قصره بأسيوط، حضر افتتاحه المندوب السامي البريطاني وبعد سنوات، قرر إهداء مجموعته إلى متحف مدرسة السلام، لتصبح نواة المتحف الحالي.

 

- مومياوات وأسرار العالم الآخر

 

داخل قاعات المتحف الصغيرة، تتجاور عشرات القطع الأثرية التي تحمل ملامح حضارات متعاقبة، إلا أن القسم الفرعوني يظل الأكثر جذباً للانتباه فهناك مومياء كاملة لأميرة من أخميم تُدعى "حاتور مت حتب"، يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، لا تزال تحتفظ بكثير من تفاصيلها، إلى جانب مومياء أخرى لرجل من مقابر مير التابعة لحكام الإقليم الرابع عشر في عصر الدولة الوسطى.

ويضم المتحف أيضاً مجموعة من تماثيل "الأوشابتي"، وهي تماثيل جنائزية صغيرة كان المصري القديم يضعها داخل المقبرة لتقوم بخدمة المتوفى في العالم الآخر ويصل عدد هذه التماثيل إلى 365 تمثالاً، بعدد أيام السنة، في تجسيد واضح لعقيدة المصريين القدماء حول الحياة بعد الموت كما يحتوي المتحف على أدوات تكفين كاملة، تشمل شبكة جنائزية، وأواني حفظ الأحشاء، وأقنعة جنائزية، وجعارين مقدسة، بالإضافة إلى أختام ملكية مكتوبة باللغة الهيروغليفية وتمثال نادر للإله حورس مصنوع من حجر البازلت.

 

- رحلة عبر العصور

 

ولا تتوقف مقتنيات المتحف عند الحضارة الفرعونية، بل تمتد لتشمل آثاراً قبطية ورومانية وإسلامية، في مشهد يبدو وكأنه رحلة مصغرة عبر التاريخ المصري ففي القسم القبطي، توجد قطع من النسيج القبطي ترجع إلى القرن الرابع الميلادي، ونسخ قديمة من الكتاب المقدس وكتب الصلوات، إلى جانب شواهد قبور مكتوبة باللغة القبطية أما القسم الإسلامي.

 

اقرأ ايضا| «المدينة الملعونة».. تل العمارنة شاهدة على أعظم أسرار الفراعنة

 

ويضم نسخة قديمة من المصحف الشريف، وشواهد قبور تعود إلى القرن الثالث الهجري، وقطعة من كسوة الكعبة، فضلاً عن أوانٍ خزفية وقطع فنية ترجع إلى العصر العباسي والعثماني ومن أكثر الأقسام غرابة داخل المتحف، مجموعة المقتنيات السودانية التي حصل عليها سيد بك خشبة عبر علاقاته بتجار السودان، وتشمل أسلحة قديمة ودروعاً مصنوعة من جلود الحيوانات وكراسٍ صغيرة على هيئة حيوانات.

 

- كنز يحتاج إلى إنقاذ

 

ورغم ما يحتويه المتحف من قطع نادرة، فإنه يعاني من ضيق المساحة وضعف الإمكانيات، في ظل غياب قاعات عرض حديثة أو مخازن مجهزة لحفظ القطع الأثرية، ما يجعل كثيراً منها عرضة للتلف أو البقاء حبيسة الأدراج بعيداً عن أعين الزوار والباحثين، ويؤكد الدكتور محمد أبو رحاب أن المتحف يحتاج إلى مشروع متكامل للتطوير والترميم، يشمل إعداد كتالوج علمي يوثق جميع مقتنياته، وتوفير بيئة مناسبة لحفظ الآثار، إضافة إلى فتحه بشكل أوسع أمام الباحثين والمهتمين بالتراث.

ومع اتجاه المحافظة لإنشاء متحف جديد داخل "قصر ألكسان"، تتجدد الآمال في إنقاذ هذه الكنوز المنسية، وإعادة تقديمها للجمهور باعتبارها جزءاً من ذاكرة أسيوط وتاريخها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.