حكاية سرايا سعد زغلول في مسجد وصيف.. بيت الأمة الذي ابتلعه النسيان

حكاية سرايا سعد زغلول في مسجد وصيف.. بيت الأمة الذي ابتلعه النسيان
حكاية سرايا سعد زغلول في مسجد وصيف.. بيت الأمة الذي ابتلعه النسيان


الغربية . ماجدة شلبي

في الطريق إلى قرية مسجد وصيف يبدو المشهد هادئًا كأي قرية مصرية تحتضنها الحقول ويعانقها النيل لكن خلف هذا الهدوء تختبئ حكاية وطن كاملة. هنا داخل سرايا قديمة أكل الزمن أجزاءً من جدرانها جلس ذات يوم الزعيم سعد زغلول يرسم مع رفاقه ملامح ثورة ستغير وجه مصر إلى الأبد.

لم تكن السرايا مجرد منزل ريفي يقضي فيه الزعيم إجازاته الصيفية بل كانت (بيت الأمة) الحقيقي في قلب الدلتا والمكان الذي شهد اجتماعات الوفد المصري الأولى عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى حين بدأ حلم الاستقلال يكبر داخل العقول والقلوب قبل أن يتحول إلى ثورة اجتاحت شوارع البلاد عام 1919.

وسط الأشجار القديمة الممتدة على أطراف العزبة كان سعد باشا يصل عبر النيل إلى سراياه الشهيرة هاربًا من ضجيج القاهرة وصخب السياسة باحثًا عن لحظات هدوء وسط الطبيعة لكن حتى هذا الهدوء كان يحمل بين جدرانه هموم الوطن كله.

السرايا التي آلت ملكيتها إلى سعد زغلول وزوجته صفية زغلول باعتبارها إرثًا من والدها مصطفى باشا فهمي تحولت مع الوقت إلى ملتقى للسياسيين والوطنيين حيث كانت تُعقد اللقاءات بعيدًا عن أعين الاحتلال البريطاني.

ويحكي أهالي القرية جيلاً بعد جيل أن الزعيم كان يحب الجلوس في شرفة السرايا المطلة على الخضرة والمياه يتحدث مع الفلاحين البسطاء ويستمع إلى شكواهم وكأنه لم يكن رئيس وزراء سابقًا أو زعيمًا للأمة بل واحدًا منهم.

داخل القاعة الكبرى للسرايا المفروشة بالأبسطة الحمراء كانت تدور المناقشات الساخنة حول مستقبل مصر بينما يستقر على مكتب سعد باشا قلمان أحمران ودواتان شهيرتان كان يفضل الكتابة بهما دائمًا وكأن اللون الأحمر كان يرمز منذ البداية إلى الثورة التي ستشتعل لاحقًا في كل أنحاء البلاد.

هنا اجتمع كبار رجال الوفد وهنا دارت النقاشات الأولى حول حق المصريين في تقرير مصيرهم وهنا أيضًا تشكلت ملامح الحراك الشعبي الذي انفجر بعد نفي سعد زغلول لتتحول مصر كلها إلى ساحة غضب عارمة ضد الاحتلال.

ولم تكن سرايا مسجد وصيف مجرد مقر سياسي بل كانت بيتًا دافئًا تمتلئ جدرانه بصور العائلة وذكريات الحياة البسيطة كانت صفية هانم حريصة على أن يبقى المكان نابضًا بالمحبة والدفء رغم ثقل الأحداث السياسية التي تدور داخله.

ومع مرور السنوات بقيت القرية تحمل اسم الزعيم في تفاصيلها اليوميه بداية من محطة القطار التي عُرفت باسم [محطة سعد باشا زغلول] وحتى الشارع الرئيسي الممتد لعدة كيلومترات تخليدًا لذكراه وكأن أهل القرية رفضوا أن يغادرهم الرجل الذي منحهم جزءًا من تاريخ مصر.

لكن المفارقة المؤلمة أن المكان الذي شهد صناعة التاريخ أصبح اليوم يواجه خطر النسيان.

فقبل وفاة صفية زغلول تبرعت بجزء من المنزل والأرض المحيطة به للدولة ليتحول المبنى لاحقًا إلى وحدة صحية تخدم الأهالي بينما تعرضت السرايا الأصلية للإهمال بعد بيعها من قبل الورثة لتبدأ رحلة طويلة من التدهور.

الجدران التي شهدت اجتماعات الزعماء أصبحت متآكلة والغرف التي خرجت منها قرارات مصيرية تحولت أجزاء منها إلى مخازن وحظائر في مشهد يراه كثيرون صادمًا ومؤلمًا خاصة أن المكان يرتبط بواحدة من أهم لحظات التاريخ الوطني المصري.

ويقول الدكتور محمود هلال مديرعام هيئة آثار وسط الدلتا إن منزل سعد زغلول بقرية مسجد وصيف يمثل قيمة تاريخية ومعمارية استثنائية موضحًا أن السرايا لم تكن مجرد مبنى أثري قديم بل (غرفة عمليات)حقيقية لثورة 1919 ومنها انطلقت الكثير من الأفكار والاجتماعات التي مهدت للحراك الوطني ضد الاحتلال البريطاني.

وأضاف أن المبنى يجسد طراز (سرايا الأعيان) في بدايات القرن العشرين وهو طراز معماري نادر يجمع بين الطابع الريفي المصري واللمسات الكلاسيكية الراقية مشيرًا إلى أن استمرار الإهمال يؤدي يومًا بعد يوم إلى فقدان عناصره الأصلية والزخرفية.

وأكد هلال أن الأزمة الأكبر تتمثل في أن السرايا غير مسجلة رسميًا ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية وهو ما يجعلها خارج الحماية القانونية الكاملة ويصعّب تخصيص ميزانيات رسمية لترميمها أو تطويرها كمزار تاريخي.

وأوضح أن انتقال ملكية أجزاء من السرايا إلى ملاك جدد بعد بيعها من الورثة عقد المشهد أكثر لأن أي تدخل حكومي يحتاج إلى إجراءات قانونية معقدة من بينها نزع الملكية للمنفعة العامة إذا تقرر تحويل المكان إلى متحف قومي.

وأشار مدير آثار وسط الدلتا إلى أن ما يحدث حاليًا داخل بعض أجزاء السرايا من استخدامات عشوائية كمخازن أو أماكن لتربية المواشي يمثل إهانة حقيقية لتاريخ الزعيم مؤكدًا أن المكان يستحق أن يتحول إلى مقصد ثقافي وسياحي يليق بقيمته الوطنية.

وأضاف أن كثيرًا من الأثريين يقارنون بين ما حدث لمنزل سعد زغلول في قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ (مسقط رأس الزعيم ) والذي جرى تسجيله وترميمه وبين ما آلت إليه سرايا مسجد وصيف رغم أن الأخيرة شهدت أهم اللقاءات السياسية للوفد المصري قبل الثورة.

وتابع: (نحن لا نتحدث عن مجرد مبنى قديم بل عن جزء من ذاكرة مصر الحديثة وعن مكان خرجت منه شرارة وطن كامل)

ورغم حالة الإهمال لا يزال بعض أهالي القرية يتعاملون مع المكان باعتباره قطعة مقدسة من تاريخهم فيروون لأبنائهم حكايات الزعيم الذي كان يزور الفلاحين ويجلس بينهم ويتذكرون الأيام التي كانت فيها السرايا مضاءة بالحياة والزوار والسياسيين.

ويأمل أبناء الغربية أن يأتي اليوم الذي تستعيد فيه السرايا مكانتها وأن تتحول إلى متحف يروي للأجيال الجديدة كيف بدأت الحكاية وكيف خرج من قلب الريف المصري رجل قاد شعبًا كاملًا نحو الحرية.

ففي زمن تتسابق فيه الدول للحفاظ على ذاكرتها الوطنية تبدو سرايا سعد زغلول في مسجد وصيف وكأنها تصرخ طلبًا للإنقاذ حتى لا تضيع واحدة من أهم الشواهد الحية على تاريخ مصر الحديث.

وربما يبقى السؤال الأكثر إيلامًا: كيف لمكان شهد ميلاد الثورة أن يتحول إلى مبنى مهجور يلتهمه الغبار؟

لكن الإجابة، كما يقول أهالي
(القرية لا تزال معلقة على أمل أن تستيقظ ذاكرة الوطن قبل أن يسقط آخر جدار من جدران السرايا التي عاشت يومًا قصة مصر كلها.)