كرنفال تاريخي وعروض فنية.. «الإسكندرية» تستعيد أمجادها في ذكرى تأسيسها

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


 تصوير: عصام صبري

 

تستعد مدينة الإسكندرية يوم الجمعة 24 أبريل لاحتفالية كبرى بمناسبة عيد تأسيسها، في مشهد يعيد إلى الأذهان خطى الإسكندر الأكبر ويستحضر حلم المدينة الأول، كيف بدأت وصنعت أسطورتها التي بقيت خالدة عبر العصور، وكيف أسرت قلوب محبيها على مر الزمان لتستفيق من سباتها وتحيي ذكرى أمجادها.

وتأتي هذه الفعالية لتؤكد مكانة الإسكندرية كمدينة كوزموبوليتانية احتضنت الثقافات المتنوعة، حيث تضافرت جهود جمعية الآثار بالإسكندرية، ومحافظة الإسكندرية، ومكتبة الإسكندرية، إلى جانب القنصلية العامة لليونان والمركز الهليني لبحوث حضارة الإسكندرية والجالية اليونانية، لترسم لوحة تكريمية لتاريخ عريق صاغ وجدان العالم على مدار أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً.

وتواكب "بوابة أخبار اليوم" هذه المناسبة التاريخية، لتسلط الضوء على أبرز محطات المدينة وتكشف كيف تحولت الإسكندرية إلى أسطورة عالمية، تجمع بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل.

 

 

اقرأ أيضا|  تأهيل 10 آلاف شاب وفتاة لسوق العمل بمركز التدريب المهني ببشاير الخير

 

برنامج الاحتفالية

 

تنطلق الفعاليات في تمام الساعة 10:30 صباحاً بـ موكب احتفالي يبدأ من ساحة المتحف اليوناني الروماني بشارع فؤاد حيث يتجه الموكب نحو ميدان ساعة الزهور لتقديم الزهور أمام تمثال الإسكندر الأكبر (مؤسس المدينة) ثم يواصل مسيره لينتهي عند مكتبة الإسكندرية.
وفور وصول الموكب في تمام الساعة 12:00 ظهراً تستضيف ساحة مكتبة الإسكندرية عرضاً فولكلورياً مميزاً يجمع بين الرقصات السكندرية اليونانية والفرعونية.
كما تشهد مكتبة الإسكندرية افتتاح معرض أثري بمتحف الآثار بمكتبة الإسكندرية تحت عنوان "عشرون عاماً من الحفائر بحدائق الشلالات" وهو نتاج عمل بعثة المعهد الهليني لأبحاث حضارة الإسكندرية.

ويبدأ الاحتفال الرئيسي  الساعة 02:00 ظهراً بالقاعة الكبرى داخل مكتبة الإسكندرية بافتتاحية تتضمن كلمات للمنظمين وضيوف الشرف.
يليه في الساعة 03:00 عصراً مراسم منح جوائز المسابقة الفنية للفائزين الذين قدموا أعمالاً تجسد تاريخ الإسكندرية ومستقبلها.
ثم تُلقي الدكتورة إليزابيث تسيجاريدا (المدير الفخري بوزارة الثقافة اليونانية) محاضرة بعنوان "الإسكندر – الإسكندرية" يتبعها في الساعة 03:40 عصراً عرض فيلم تسجيلي بعنوان "الإسكندرية: إمبراطورية الأفكار".
وتختتم الاحتفالية فعالياتها في تمام الساعة 05:00 مساءً بـ معرض فني يُقام في مقر جمعية الآثار بالإسكندرية ويحمل عنوان "الإسكندرية: مولد مدينة عالمية" حيث يستعرض الأعمال الفنية التي تعبر عن هوية المدينة وتاريخها الممتد ويستمر المعرض حتى الساعة 07:00 مساءً.
 

 

 

المدينة الذهبية.. قلب العالم القديم

 

قد يتساءل البعض عن سر الزخم الاستثنائي الذي يحيط بمدينة الإسكندرية، ولماذا تبدو في عيون أهلها ومحبيها كبلورة تاريخية كلما صقلها الزمن ازدادت بريقاً وصفاءً. ينظر إليها الكثيرون كأيقونة خالدة، ويفخرون بإنجازات وُلدت قبل أكثر من ألفي عام، وكأنها مدينة مصطفاة تحمل في روحها "إكسير الحضارة الخفي" الذي جعل تاريخها لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُستنشق مع نسيم بحرها ويسري في عروق أبنائها جيلاً بعد جيل.

هذا الاعتزاز بالإسكندرية هو استشعار لعظمة الانتماء إلى "قلب العالم القديم" و"مركز الثقل العالمي"، فهي أول نموذج للإنسان العالمي، المدينة التي احتضنت أعظم مكتبات الأرض، وفتحت ذراعيها لأصحاب العلم والموهبة من كل مكان، وساد أسطولها البحر المتوسط، وقدمت إرثاً تاريخياً لم يمت، لتظل "المدينة الذهبية" التي وإن مرضت فلن يقهرها الزمان.

وتروي الدكتورة منى حجاج، رئيس جمعية الآثار بالإسكندرية، قصة ميلاد المدينة وتطورها التاريخي، فتعود بنا إلى خريف عام 332 قبل الميلاد حين دخل الإسكندر الأكبر مصر فاتحاً ومخلصاً من الاحتلال الفارسي، ثم توجه إلى واحة سيوة ليستمع إلى نبوءة "آمون" التي غيّرت وجه قدره. وفي الخامس والعشرين من طوبة عام 331 قبل الميلاد (7 أبريل)، توقف عند جزيرة "فاروس" وأُعجب بموقعها الاستراتيجي، ليأمر بتشييد مدينة جديدة عبر جسر اصطناعي يربط الجزيرة باليابس، ويحتضن ميناءين عظيمين.

أشرف الإسكندر بنفسه على تخطيط المدينة، موجهاً المعماري دينوكراتيس الرودي بإقامة سوق كبير ومعابد للآلهة، وعلى رأسها معبد لإيزيس المصرية، ثم غادر مصر ولم يعد إليها إلا جثماناً محنطاً ليدفن في المدينة التي حملت اسمه، واتخذها البطالمة عاصمة لحكمهم. وتضيف حجاج أن قبر الإسكندر ظل لغزاً محيراً للعالم.

ومع تولي بطلميوس الأول وابنه بطلميوس الثاني، تحولت الإسكندرية إلى مدينة متفردة، فأصبحت المركز التجاري الأول في البحر المتوسط، وصاحبة أكبر اقتصاد وأساطيل، وتوجها "فنار فاروس" كأقدم منارة عرفها التاريخ وأحد عجائب الدنيا السبع. وبفضل موانئها، أصبحت مصر المُصدِّر الأول للقمح والكتان والبردي في العالم القديم.

ولم تقتصر الأمجاد على التجارة، فقد كانت "الموسيون" والمكتبة الكبرى ركيزتين لنهضة علمية غير مسبوقة وضعت أسس الكثير من العلوم الحديثة، وازدهرت فيها فنون الأدب والعمارة، وابتُكرت أجناس أدبية جديدة. كما جذبت المدينة سكاناً ومهاجرين من مختلف أنحاء العالم القديم، بلغاتهم ودياناتهم وتقاليدهم، لتستوعبهم تحت راية التعايش وقبول الآخر، وتظل سيدة العالم القديم ومدينة الفرص، حيث لا تتوقف أنشطتها العلمية والثقافية والأدبية والرياضية.



فكرة الاحتفال

 

بين أروقة التاريخ وأحلام المستقبل، ولدت فكرة "عيد تأسيس الإسكندرية" لتعيد إلى الذاكرة روح مدينة ملهمة عبرت الزمن وظلت منارة للإبداع والتنوع.

صاحب المبادرة الدكتور صبحي عاشور، أستاذ الآثار اليونانية والرومانية بجامعة حلوان، أكد أن الفكرة لم تكن مجرد مقترح أثري، بل إصرار على استعادة روح مدينة أسطورية.

وقال في تصريحاته لـ"بوابة أخبار اليوم": "الإسكندرية أكبر من مجرد مدينة، فهي نقطة التقاء وتعايش بين ثقافات مختلفة منذ تأسيسها وحتى العصر الحديث، ومازالت تحتفظ بنفس الروح التي أطلقها الإسكندر المؤسس قبل قرابة 23 قرناً. ففيها فُهرست إلياذة هوميروس، وضعت أسس العلوم، درست هيباتيا الفلك والرياضيات، وغنى سيد درويش مواويله الوطنية، ونظم كفافيس قصائده، ونثر محمود سعيد ألوانه الحية، ولذا ستظل تحمل شعلة الإبداع لقرون قادمة."

وأوضح عاشور أن 7 أبريل كان يوماً للاحتفال بتأسيس المدينة لدى القدماء، ومن هنا جاءت فكرة إحيائه التي تقدم بها في سبتمبر 2024 إلى جمعية الآثار بالإسكندرية، حيث لاقت دعماً كبيراً من مكتبة الإسكندرية ومحافظة الإسكندرية، لتتطور على مدار عامين إلى احتفالية كبرى. وأكد أن الهدف الأساسي هو ربط تاريخ الإسكندرية بحاضرها ومستقبلها وإتاحة الفرصة للجمهور للتعرف على تراث مدينتهم العالمية.

وكشف أن الاحتفالية ستتحول إلى عيد سنوي يحتفي بالمدينة، مع فتح باب المشاركة لأبناء الإسكندرية لاقتراح فعاليات جديدة، مشيراً إلى إمكانية إدراجها ضمن برامج السياحة لتصبح حدثاً عالمياً، مشيرا إلى أن برنامج الاحتفال صُمم بعناية ليجسد روح المدينة، متضمناً موكباً احتفالياً يجمع أطفالاً وشباباً مصريين ويونانيين بالزي التقليدي، ينتهي عند رأس الإسكندر الأكبر بوضع إكليل نباتي تكريماً له، إلى جانب رقصات فولكلورية مصرية ويونانية، ومعرض للآثار المكتشفة حديثاً، ومسابقات فنية، وفيلماً وثائقياً بعنوان "الإسكندرية: إمبراطورية الفكر" يلخص مسيرة المدينة كمنارة للتنوع والمعرفة.

 

 

عرض أكثر من 100 قطعة من «مكتشفات الشلالات»

 

تتوج احتفالية ذكرى تأسيس الإسكندرية بمعرض بعنوان: "عشرون عامًا من الحفائر في حدائق الشلالات" يحتضها متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية احتفاء  بحصيلة عقدين من  الحفائر الأثرية التي أجراها المعهد الهليني لدراسات الحضارة السكندرية لاستخراج كنوز منطقة حدائق الشلالات والتي تُعد من أهم المواقع التاريخية بمدينة الإسكندرية

ويكشف د.حسين عبد البصير مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية"لبوابة أخبار اليوم"" أن هذا المعرض يشمل مايزيد عن مائة قطعة أثرية  يعرض  بعضها لأول مرة  لتقدم أدلة جديدة ومهمة تسهم في فك شفرات  تاريخ المدينة القديمة وتخطيطها العمراني"

 ويتصدر المعرض أيقونة اكتشافات البعثة  وهو التمثال الذي تعتقد الدكتورة كاليوبي ليمني باباكوستا رئيسة البعثة أنه يعود لمؤسس المدينة "الإسكندر الأكبر"..كما  تصطف "لقى" أثرية تتنوع بين فخاريات ومصابيح وعملات وفسيفساء تحكي تفاصيل الحياة اليومية للسكندريين الأوائل حيث تُبرز هذه المكتشفات ملامح الحياة في المدينة منذ العصر الهلنستي مرورًا بالعصور الرومانية والبيزنطية وصولًا إلى العصر الإسلامي كما تسهم في إلقاء الضوء على طبوغرافية الحي الملكي البطلمي.

وأكد  مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية أهمية هذا المعرض كمحطة علمية وثقافية بالغة الأهمية حيث يقدّم خلاصة عشرين عامًا من العمل الأثري المنهجي في منطقة حدائق الشلالات إحدى أكثر مناطق الإسكندرية ثراءً وتعقيدًا من الناحية التاريخية. ولا تقتصر قيمة هذه الحفائر على ما كشفته من لقى أثرية متنوعة بل تمتد إلى قدرتها على إعادة تشكيل فهمنا لطبوغرافية المدينة القديمة وخاصة الحي الملكي البطلمي الذي ظل طويلًا في نطاق الفرضيات.

ولفت إلى أن هذا المعرض يربط بين الماضي والحاضر ويعيد إلى الوعي العام صورة الإسكندرية كمدينة حية متعددة الطبقات الحضارية ويعزز من أهمية الحفاظ على تراثها بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة الإنسانية.

وأكد عبد البصير أن الاحتفال بذكرى تأسيس الإسكندرية ليس مجرد استدعاء لحدث تاريخي عابر بل هو ناتج عن وعيٍ عميق بقيمة هذه المدينة ودورها في تشكيل الضمير الإنساني فهو احتفال بفكرة الانفتاح وبقوة المعرفة وبقدرة الإنسان على بناء حضارة مشتركة تتجاوز الحدود والانقسامات.. فالإسكندرية رغم ما مرّت به من تحولات وتحديات لا تزال قادرة على أن تستعيد مكانتها كمركز ثقافي وفكري إذا ما تمسّكنا بروحها الأصلية: روح التعدد والحوار والإيمان بأن الحضارة تُبنى بالعقل والعلم والانفتاح.