هانى شاكر بين نبوءة حليم ومعارك الترند

أمير الغناء العربي.. 50 سنة إبداعا

هانى شاكر
هانى شاكر


أول مشوارنا ضحكة عاشت فوق الشفايف.. ترسم قلبين وتكتب حرفين فوق الشجر.. آخر مشوارنا دمعة بتقول للحب شايف.. أحلامنا إزاى بتصبح لعبة فى إيد القدرب.. هذه ليست مجرد جملة شاعرية عابرة، لكنها تصلح أن تكون مفتاحًا لقراءة رحلة كاملة، رحلة فنان لم يعش الفن كترف، بل كقدر.. رحلة تبدأ بابتسامة شاب صغير يحلم أن يغنى، وتنتهى بصورة فنان يقف على المسرح حاملًا كل ما مر به من فقد وخسارة وانكسار. هذا الملف لا يهدف لتمجيد أو نقد، بقدر ما يحاول أن يفهم كيف تحول فنان بدأ بالحلم والرومانسية، إلى صوت ارتبط فى أذهان الملايين بالحزن والشجن؟ وهل كان هذا التحول خيارًا فنيًا، أم مسار حياة لم يكن سهلًا؟

كورال العندليب.. واكتشاف الموجى

بدأت رحلة هانى شاكر الفنية من نقطة نادرة، حيث اختاره المخرج أحمد بدرخان 1966 ليجسد دور الفنان الراحل سيد درويش فى صغره فى الفيلم الذى حمل اسمه، كانت تلك المرة الأولى التى يقف فيها أمام الكاميرا تمثيلًا وغناء، لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ظهر طفلًا مع العملاق عبد الحليم حافظ فى أغنية بالأحضان كأحد أعضاء الكورال.. هذه البدايات جعلته يتشبع بالفن والموسيقى منذ صغره، وشارك أيضًا وهو طفل فى أعمال مع إسماعيل ياسين وزهرة العلا، وفى فيلم امن أجل حفنة أولاد مع رشدى أباظة.

فى حياة كل فنان، هناك لحظة فاصلة شخص يراه قبل أن يراه الجميع وفى حالة هانى شاكر، كان هذا الشخص هو الموسيقارمحمد الموجي.فى 1972، من أكثر الحكايات إثارة فى كواليس الغناء العربى، تلك التى تربط بين اكتشاف هانى شاكر ورغبة غير معلنة أو ربما معلنة جدًا فى صناعة صوت يمكنه منافسة عبد الحليم حافظ.

القصة تبدأ من عند الموسيقار محمد الموجى الرجل الذى لم يكن يتحرك فقط بدافع الفن، بل أيضًا بدافع الصراع الإنسانى المعقد، يروى أن الموجى دخل يومًا على الإعلامى سمير صبرى، ممسكًا بيد هانى شاكر، وقال له جملة صادمة بكل المقاييس: أنا جايب لك الصوت اللى هيقعد صاحبك فى البيت.. الجملة لم تكن مجرد مبالغة بل كانت إعلان نية واضحا بتقديم هانى شاكر كبديل أو منافس للعندليب، المفارقة أن هذه الكلمات قيلت أمام هانى نفسه، الشاب الذى كان يُدرك أنه يدخل معركة أكبر منه، لكنه لم يكن يملك رفاهية الرفض لأنها كانت فرصته الوحيدة للظهور.

4 أفلام و600 أغنية

فى بداياته، قدم هانى 4 أفلام بارزة (سيد درويش، عندما يغنى الحب، عايشين للحب، وهذا أحبه وهذا أريده). ورغم نجاحها الجماهيرى، انقطع عن التمثيل. يفسر هانى ابتعاده لاحقاً بأن السينما فى الثمانينيات تغيرت ولم تعد تشبه الفيلم الموسيقى الرومانسى الذى يمثله. ومع ذلك، لا يمانع العودة من بوابة الدراما التلفزيونية أو حتى “الكوميديا”، قائلاً “أقدر أدى كوميدى.. فأنا أحب الهزار والفرفشة”.

بينما قدم هانى حوالى 29 ألبوماً وأكثر من 600 أغنية. منذ ألبومه الأول “كده برضه يا قمر” فى منتصف السبعينيات، وحتى أعماله الحديثة، يُمكن ملاحظة كيف انتقل تدريجيُا من الرومانسية الخفيفة إلى الحزن العميق، ومن الأغنية البسيطة إلى العمل الأكثر تركيبُا فى المعنى والإحساس. 

 

نقيب فى مواجهة المهرجانات

فى عامى 2015 و2019، فاز هانى شاكر بمنصب نقيب الموسيقيين مرتين متتاليتين، فى وقت كانت فيه الساحة الغنائية تعيش حالة من السيولة غير المسبوقة، مع صعود أنماط موسيقية جديدة فرضت نفسها بقوة عبر الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي. لم يكن التحدى بسيطا بل كان صراعا مفتوحًا بين “المدرسة الكلاسيكية” التى ينتمى إليها، وبين موجة جديدة لا تعترف بنفس القواعد.

فى  2019، اتخذ هانى شاكر واحدا من أكثر القرارات إثارة للجدل فى تاريخ النقابة، حين أصدر قرارا بمنع 16 من مؤدى ما يعرف بـالمهرجانات الشعبية من الغناء، لم يكن القرار ارتجاليا، بل استند إلى مادة قانونية تعود إلى 1978، تنص على منع غير الأعضاء بالنقابة من إقامة الحفلات أو مزاولة النشاط الغنائى بشكل رسمى. لكن ما جعل القرار يتحول إلى قضية رأى عام، لم يكن فقط مضمونه بل توقيته وتأثيره، فى لحظة كانت فيها أغانى المهرجانات تسيطر على الشارع بشكل واضح.

القرار فتح الباب لانقسام حاد فى الوسط الفنى والإعلامى. فريق رأى فى ما فعله هانى شاكر محاولة ضرورية لإنقاذ الذوق العام، وإعادة ضبط إيقاع الساحة الغنائية التى خرجت فى رأيهم عن السيطرة، وفريق آخر اعتبر القرار نوعا من الوصاية على الجمهور، ومحاولة لإقصاء لون فنى جديد يعبر عن شريحة واسعة من المجتمع، حتى لو كان مختلفًا أو صادما. 

اقرأ  أيضا: «الموسيقيين» ترد على شائعة وفاة هاني شاكر | خاص

موسيقيون: صوت نادر يصعب تكراره

يتحدث منير الوسيمى عن علاقته بهانى شاكر باعتبارها علاقة صداقة وعِشرة عمر، مؤكدًا أنهما عملا معًا فى مناسبات عديدة، من بينها حفل كبير أقيم على مسرح النافورة بدار الأوبرا المصرية، والذى شهد افتتاح المسرح، وشارك فيه أيضًا شيرين عبد الوهاب، وبدأت فقراته بفرقة “وسط البلد”. ويشير الوسيمى إلى أن الحفل كان مجانيًا، وجاء تقديرًا خاصًا لهانى شاكر، الذى قدّم فقرة غنائية لاقت تفاعلًا كبيرًا، خاصة مع حضور الشباب.

كما يشدد الوسيمى على الجانب الإنسانى فى شخصية هانى شاكر، واصفًا إياه بأنه إنسان طيب ونقى، مرّ بتجارب صعبة فى حياته، خاصة بعد وفاة ابنته، وهو ما زاد من تعاطف الجمهور معه.

من جانبه، يرى الموسيقار هانى شنودة أن لقب “أمير الغناء العربى” الذى أطلقه الجمهور على هانى شاكر كافٍ للتعبير عن مكانته، مؤكدًا أنه لا يحتاج إلى مزيد من التوصيف، وأن الجمهور لا يزال ينتظر منه أعمالًا جديدة تحمل نفس الجمال الذى اعتاد عليه.

أما الموسيقار صلاح الشرنوبى، فيكشف عن محاولته التواصل مع هانى شاكر خلال أزمته الأخيرة، حيث لم يتمكن من الوصول إليه هاتفيًا، فترك له رسالة صوتية يطمئن عليه فيها، داعيًا له بالشفاء.

ويؤكد الشرنوبى أن هانى شاكر يُعد من أبرز نجوم الزمن الجميل، ومن أهم المطربين فى العالم العربى، مشيرًا إلى أنه تعاون معه فى عدة أعمال ناجحة، وأن صوته يُعد من الأصوات النادرة التى يصعب تكرارها.

ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن ما يميز هانى شاكر هو قدرته على التنوع الغنائى، خاصة فى أغانى الرومانسية والهجر، حيث استطاع أن يخلق لنفسه قالبًا خاصًا، جعله قريبًا من قلوب الجمهور، بصوت طربى قادر على التعبير عن مختلف أشكال الأغنية.