من «مرحبا دولة» إلى «مربط الفرس».. الكوميديا السوداء تكشف المأزق اللبناني

المسلسل اللبنانى مرحبا دولة
المسلسل اللبنانى مرحبا دولة


محمد‭ ‬كمال

في ظل التصعيد المتواصل للحرب في منطقة الشرق الأوسط، يبدو المشهد الإقليمي كأنه يعيد تشكيل ذاته على إيقاع التوترات العسكرية والتحالفات المتبدلة، حيث تتشابك الحسابات الجيوسياسية مع الأزمات الإنسانية والاقتصادية لتنتج واقعًا بالغ التعقيد، ينعكس مباشرة على دول مثل لبنان، هذا البلد الذي لم يكد يلتقط أنفاسه من أزماته الداخلية المتراكمة منذ سنوات، يجد نفسه اليوم في قلب عاصفة إقليمية تهدد ما تبقى من استقراره، ذلك أن حدوده تتقاطع مع خطوط النار، وساحته السياسية تتداخل مع صراعات القوى الكبرى والإقليمية، بينما تتصاعد العمليات العسكرية في محيطه، ويعيش الداخل اللبناني حالة من الترقب المُشوّب بالخوف، إذ يخشى المواطنون من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة قد تكون عواقبها كارثية في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق.

هذا التداخل الحاد بين الخارج والداخل يضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية، فمن جهة يبرز ضغط سياسي وشعبي للحفاظ على قدر من الحياد، ومن جهة أخرى يفرض الواقع السياسي والعسكري نفسه، جاعلًا هذا الحياد أقرب إلى المستحيل، نظرًا لارتباط بعض القوى اللبنانية بمحاور إقليمية فاعلة في الصراع، هنا تتجلى أزمة الدولة اللبنانية في أوضح صورها، إذ تبدو المؤسسات الرسمية عاجزةً عن فرض رؤية موحدة أو اتخاذ قرار سيادي مستقل، في ظل انقسامات داخلية عميقة تعكس بدورها الانقسام العربي الأوسع، وكأن الجسد اللبناني يختصر في شروخه ما تعانيه الأمة من تشرذم وتنازع إرادات.

مرآة ناقدة

الحرب في هذا السياق لا تقتصر على جبهات القتال، بل تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في وجدان اللبنانيين، الذين يحملون ذاكرةً جماعيةً مثقلةً بتجارب الحروب السابقة، هذا الخوف المتجدد يعيد إحياء مشاعر القلق وعدم اليقين، ويؤثر في سلوك الأفراد وخياراتهم اليومية، من الهجرة إلى تقليص الإنفاق، وصولًا إلى فقدان الثقة بمستقبل البلاد، ومع تصاعد حدة الخطاب السياسي والإعلامي، تتعمق الانقسامات الطائفية والسياسية، ما يهدد النسيج الاجتماعي، ويجعل أي تسوية داخلية أكثر تعقيدًا وصعوبة.

وسط هذا الواقع المأزوم يبرز الفن بوصفه مرآةً ناقدةً، بل أحيانًا كصرخة وعي في وجه العبث، ويعكس الواقع اللبناني الراهن، بما يحمله من تناقضات وأزمات، صورةً قريبةً من العالم الساخر الذي قدمه مسلسل “مرحبا دولة” في عام 2024، الذي عرض عبر منصة يوتيوب، وقدم من خلاله محمد الدايخ شخصية “الريس” في محاكاة ساخرة للعلاقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية داخل مخفر شرطة متخيل، يعد هذا العمل تجربةً لافتةً في سياق الدراما اللبنانية الحديثة، إذ قدم قراءةً ساخرةً وناقدةً للواقع السياسي والاجتماعي، مستفيدًا من حس الكوميديا السوداء التي تلامس العبث أحيانًا، دون أن تفقد صلتها بالحقيقة.

البطل المأزوم 

نجح محمد الدايخ في نقل روحه الساخرة من فضاء المنصات الرقمية إلى قالب درامي أكثر اتساعًا، محتفظًا بنبرته اللاذعة وجرأته في الطرح، فتتحول الفوضى اليومية وتناقضات السلطة إلى مادة خصبة للكوميديا السوداء، بها انعكاس قد يبدو مبالغًا فيه، لكنه صادق في جوهره، لطبقة سياسية تعجز عن إدارة الأزمات، وتكتفي بإعادة تدويرها ضمن خطاب عبثي، لم يكن المسلسل مجرد مادة ترفيهية، بل مرآةً نقديةً تكشف كيف يمكن للواقع أن يتجاوز الخيال في غرابته، حتى يصبح الضحك ذاته وسيلةً لفهم عمق المأزق اللبناني.

لبنان في هذا السياق ليس مجرد خلفية للأحداث، بل بطل مأزوم يتجلى عبر شخصيات تمثل نماذج مألوفة من الطبقة السياسية والإدارية، تتقاطع مصالحها ضمن شبكة من الفساد واللامبالاة، غير أن قوة “مرحبا دولة” لا تكمن فقط في فكرته، بل في طريقة تفكيكه لهذه الفرضية عبر مشاهد قصيرة مكثفة، تعتمد على إيقاع سريع ونكتة مباشرة، ما يجعله أقرب إلى “اسكتشات” كوميدية مترابطة منه إلى دراما تقليدية ذات حبكة ممتدة، وتنجح الحلقات كخطاب نقدي ساخر يعكس أزمات الواقع اللبناني بجرأة ووضوح، مستندًا إلى شعبية محمد الدايخ وأسلوبه المباشر، لكنه يظل في الوقت ذاته أسيرًا لبعض حدود الكوميديا السريعة التي من الممكن أن تقيده دراميًا، لكنها تمنحه الانتشار، والأهم الوصول إلى المتلقي.

مربط الفرس

وعلى النهج ذاته تأتي التجربة الجديدة لمحمد الدايخ وفريقه من الشباب، من خلال مسلسل “مربط  الفرس”، الذي عُرض مؤخرًا على يوتيوب في ثلاث حلقات قصيرة، هذه التجربة الدرامية الشبابية التي تقوم على جهود ذاتية، تركز على تقديم قراءة مباشرة لواقع الانقسام اللبناني والقضايا الاجتماعية، بأسلوب كوميدي نقدي ساخر يجمع بين بساطة الإنتاج وعمق الطرح، مستهدفًا الشارع اللبناني وتناقضاته اليومية، والمسلسل من تأليف وإخراج محمد الدايخ، الذي يشارك في البطولة أيضًا مع حسين قاووق وحسين دايخ ومحمد عبده.

يجمع مسلسل “مربط الفرس” بين المسار الذي انتهجه فريق محمد الدايخ منذ عام 2024، وبين أسلوب الدراما القصيرة الأقرب إلى “السيت كوم”، بينما يحمل عنوانه دلالةً رمزيةً تشير إلى جوهر القضية أو لبها، وهو ما ينسجم مع طبيعة العمل الساعي إلى الوصول إلى الحقيقة العارية للأزمات السياسية والاجتماعية، دون مواربة.

في هذا العمل لا تبدو الحكاية مجرد سرد درامي، بل حالة معيشة تتسرب إلى وجدان المشاهد بهدوء، هناك حس إنساني حميم يسبق الفكرة، وكأن العمل لا يطرق باب الوعي بقدر ما ينفذ إليه، حاملًا أسئلةً أكثر مما يقدم إجابات، لا يكتفي محمد الدايخ هنا بدور صانع الدراما، بل يتحول إلى شاهد قريب من هشاشة الإنسان العربي في زمن الانكسار، ملتقطًا تلك اللحظة الدقيقة التي ينهار فيها اليقين، ما يميز المسلسل ليس حبكته بقدر ما هو إطاره العام، إذ تسود عذوبة في السرد رغم قسوة التفاصيل، وتبدو الشخصيات وكأنها تبحث عن خلاص مؤجل، في حوارات أقرب إلى اعترافات مكبوتة، حيث يحمل الصمت أحيانًا ثقلًا يفوق الكلام.

يختلف مسلسل “مربط الفرس” عن حلقات “مرحبا دولة” في نقطتين أساسيتين، الأولى أنه يقدم نفسه كدراما قصيرة شديدة التكثيف والتركيز، تنطلق من الواقع اللبناني لكنها تمتد إلى أفق أوسع يتصل بالحرب الدائرة في المنطقة، أما الثانية فتتمثل في وحدة المكان، حيث تدور أحداث الحلقات الثلاث داخل فضاء واحد أشبه بملجأ أو كوخ، يتحول من بيت إلى رمز، في الحلقة الأولى، التي تعد الأطول نسبيًا، نشهد انقلابًا في الأدوار، إذ يصبح صاحب المنزل ضيفًا في بيته بعد وصول نازح جنوبي يقتحم المكان ويتعامل معه كملاذ طبيعي، هذا النازح بلهجته الساخرة يفضح الطائفية ويكشف معاناةً مكتومةً عبر حوار يمتد لعشر دقائق، يضع اليد مباشرةً على جرح النزوح وأزماته، معبرًا عن وجع إنساني يتجاوز التفاصيل الفردية ليعكس مأساةً جماعيةً.

تتقلص مدة الحلقتين الثانية والثالثة إلى خمس دقائق لكل منهما، وكأن الحلقة الأولى تمهد لبناء تصاعدي محسوب، في الحلقة الثانية تبرز فكرة شائكة تتمثل في طرح فكرة السلام مع العدو كخيار يروج له البعض بوصفه مخرجًا للضعف لا استسلامًا، في قراءة تعكس جدلًا لبنانيًا وعربيًا أوسع حول معنى القوة والهزيمة، أما الحلقة الثالثة فتبلغ ذروتها عبر مواجهة مباشرة يغلب عليها الطابع الحواري الساخر بين صاحب المنزل وشخصيتين تمثلان السلطة اللبنانية الهاربة التي احتمت بالملجأ، هنا يتحول المكان إلى فضاء محاكمة رمزية يواجه فيه المواطن السلطة باتهامات صريحة، واصفًا إياهم بالمهابيل، تتمثل في التخلي عن المسؤولية وإضعاف الجيش والانبطاح أمام العدو، بينما يترك المواطنون، وخصوصًا النازحون، لمصيرهم بين نار الحرب والطائفية، وفي مقابل هذا النقد الحاد يبرز خطاب يؤكد أن المقاومة ليست شعارًا عابرًا، بل خيارًا وجوديًا متجذرًا في الوعي الجمعي العربي، ما يضفي على العمل بعدًا عروبيًا يتجاوز الإطار المحلي.

لحظة الحقيقة العارية

يقدم مسلسل “مربط الفرس” تجربةً دراميةً قصيرةً ومباشرةً، تعتمد على التكثيف بدل الإطالة، وهو ما ينسجم مع طبيعته كعمل رقمي محدود الحلقات، يمكن النظر إليه كعمل يسعى إلى طرح فكرة مركزية أكثر من سعيه إلى بناء عالم سردي متشعب، مرتكزًا على محور واحد تتكثف حوله الأحداث، تمنحه هذه المباشرة قوةً في إيصال رسالته، حتى وإن اقترب أحيانًا من الطرح الوعظي الذي يضيق مساحة التأويل، غير أن هذا الخيار يبدو واعيًا ومقصودًا في سياق بلد لم يعد يحتمل ترف التأجيل أو الغموض، “مربط الفرس” عمل قصير واضح وجريء نسبيًا، ينجح في إيصال رسالته بسرعة وعمق، مؤكدًا أن الفن، حتى في أبسط صوره، قادر على أن يكون فعل مقاومة ووعي، وأن الاختزال، في زمن الأزمات، قد يكون أبلغ من الإسهاب.

اختيار محمد الدايخ لعنوان “مربط الفرس” ليس مجرد استعارة لغوية عابرة، بل هو انحياز واعٍ إلى لحظة الحقيقة العارية، تلك النقطة التي تتكثف فيها الحكاية كلها، حيث لا يعود ممكنًا الهروب إلى الهوامش أو الاحتماء بالتفاصيل، في هذا العنوان شيء من الحكمة العربية القديمة، وشيء من وجع الحاضر، إذ يحيل إلى جوهر القضية، إلى العقدة التي إن فكت انكشف كل شيء، وإن بقيت استعصت على الفهم والحل، وفي سياق الواقع اللبناني المثقل بالحرب والانقسام يبدو “مربط الفرس” كأنه دعوة للعودة إلى الأصل، إلى سؤال الدولة، إلى معنى السيادة، إلى كرامة الإنسان في وطنه، إنه عنوان يحمل نبرةً عروبيةً خافتةً لكنها عميقة، كأنه يقول إن ما يعيشه لبنان ليس معزولًا عن وجع أكبر، وأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الأرض، وأن الحقيقة، مهما بدت قاسية، لها مركز واحد، وهناك فقط، عند مربط الفرس، تبدأ الحكاية وتنتهي.

 

اقرأ  أيضا: نيقولا معوض: الدراما اللبنانية قوية لكن الصناعة نفسها ضعيفة

;