حكايات المشهد الحسيني.. قبلة الصائمين وقلب القاهرة النابض في رمضان

الرئيس عبد الفتاح السيسي
الرئيس عبد الفتاح السيسي


حين يحلّ شهر رمضان، تتبدّل ملامح القاهرة، وتنبض شوارعها بروحانية خاصة، تتجلّى بوضوح في رحاب «المشهد الحسيني»، حيث تمتزج نفحات التاريخ بصفاء العبادة، ويتلاقى عبق الماضي مع أجواء الشهر الكريم.

فزيارة مساجد آل البيت، وفي مقدمتها مسجد الإمام الحسين، تظل طقسًا رمضانيًا أصيلاً لدى المصريين، يجمع بين التبرك والتأمل واستحضار صفحات من تاريخ طويل حافل بالعطاء والعمارة والفنون الإسلامية.

يتميّز رمضان في مصر بخصوصية لا تخطئها العين؛ إذ تتجه القلوب إلى مزارات آل البيت والمساجد التاريخية، مثل مسجد الإمام الحسين، ومسجد السيدة زينب، ومسجد السيدة نفيسة، ومسجد الرفاعي، حيث يعيش الزائر أجواء روحانية فريدة بين أروقة عامرة بالذكر وتلاوة القرآن.

- تاريخ «المشهد الحسيني»

يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن مسجد الإمام الحسين أُنشئ في العصر الفاطمي سنة 549هـ/1154م، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع بن رزيك، في عهد الخليفة الفاطمي الظافر بأمر الله، ويُقصد بـ«المشهد» المكان الذي يُدفن فيه الشهيد أو يُنسب إليه.

شهد المسجد توسعات مهمة في العصر الأيوبي، حيث أقام أبو القاسم بن يحيى السكري، المعروف بالزرزور، منارة فوق باب المشهد سنة 634هـ/1236م تعلو «الباب الأخضر»، ولم يبق من هذه المنارة سوى قاعدتها المربعة ولوحتين تأسيسيتين.

وفي عام 640هـ/1242م احترق المشهد في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأعاد القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ترميمه وتوسعته، مضيفًا ساقية وميضأة.

أما في العصر المملوكي، فقد شهد المسجد توسعات في عهد الناصر محمد بن قلاوون، الذي أنشأ إيوانين وبيوتًا للفقهاء، ثم جاء الأمير عبد الرحمن كتخدا، فأعاد بناء المسجد سنة 1175هـ/1761م، وأضاف صهريجًا وإيوانين، وجدد القبة وزيّنها بنقوش ملونة تتخللها زخارف مذهّبة.

واستمرت أعمال التجديد في العصر الحديث، خاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952، حيث تمت توسعة المسجد بين عامي 1959 و1963، لترتفع مساحته من 1500 متر مربع إلى 3340 مترًا مربعًا، مع تجديد الفرش والإضاءة.

- تطوير شامل في العصر الحديث

في 27 أبريل 2022، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي أعمال التطوير الشامل للمسجد، التي شملت المقصورة الجديدة للضريح وتجديدات معمارية دقيقة، بحضور السلطان مفضل سيف الدين، سلطان طائفة البهرة بالهند، وعدد من الأمراء وممثلي الطائفة، وجاء التطوير تنفيذًا لتوجيهات رئاسية في مارس 2022 بضرورة الارتقاء بمساجد وأضرحة آل البيت والساحات المحيطة بها على أعلى مستوى.

- مقتنيات نادرة في «الغرفة الشريفة»

يضم المسجد ما يُعرف بـ«الغرفة الشريفة»، التي تحتوي على مجموعة من المقتنيات المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي انتقلت إلى مصر في القرن السابع الهجري، بعد أن اشتراها أحد وزراء بني حِنّا من المدينة المنورة، وبنى لها رباطًا عُرف بـ«رباط الآثار» على النيل، وهو ما يُعرف اليوم بجامع أثر النبي.

وتشمل المقتنيات:
قطعة من قميص النبي، من نسيج قطني يُقال إن السيدة ماريا القبطية أهدته إليه.
جزء من عصا يُعتقد أنها التي دخل بها مكة.
سيف يُنسب إلى سيف «العضب».
أربع شعرات محفوظة في صندوق من الفضة.
مصحف منسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب، مكتوب بخط كوفي بسيط منقوط بالأحمر.
مكحلة ومرود كان يُستخدم فيهما الأثمد.

مصحف منسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان، مكتوب على جلد غزال بخط مكي قديم، وتفصل بين سوره زخارف نباتية متعددة الألوان.

وقد حُفظت هذه المقتنيات في صناديق من الفضة، ملفوفة في حرير أطلسي أخضر موشّى بخيوط الذهب والفضة، في مشهد يعكس عناية المصريين عبر العصور بتراثهم الديني والتاريخي.

- روحانية لا تنفصل عن التاريخ
يبقى «المشهد الحسيني» شاهدًا على تعاقب العصور الإسلامية، من الفاطميين إلى العصر الحديث، ومرآةً لعلاقة المصريين الوثيقة بآل البيت، وفي رمضان، تتضاعف هذه العلاقة، إذ تتحول ساحاته إلى ملتقى للذاكرين والمصلين، حيث تمتزج الأصوات بالدعاء، وتتناثر أنوار الفوانيس، ليظل مسجد الإمام الحسين أحد أبرز معالم الروح المصرية في الشهر الكريم.

اقرأ أيضا | رحلة إلى الماضي: حكاية المشهد الحسيني والباب الأخضر والغرفة الشريفة