شراء مراقبين.. وجروبات لنشر الإجابات| «ثقافة الغش» تخترق امتحانات الثانوية

امتحانات الثانوية العامة
امتحانات الثانوية العامة


عكس تداول بعض أسئلة امتحان مادة اللغة العربية لطلاب الثانوية العامة مطلع هذا الأسبوع عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الغش على منصة «تليجرام» جملة من الممارسات التي قادت في النهاية لاختراق إجراءات تنظيم الامتحانات التي قالت وزارة التربية والتعليم إنها مشددة هذا العام، لكن في الوقت ذاته نجحت في التوصل لمن تورطوا في عملية الغش.

◄ أول خطوة البحث عن مدرسة لتسهيل المهمة

◄ السماعة بـ5000 جنيه.. و4000 للاشتراك بالجروب

◄ تامر شوقي: انتشار الغش يجعله حقًا للطلاب من وجهة نظرهم

◄ التعامل مع المشكلة باستعادة الدور التربوي للأسرة

تُعيدنا وقائع الغش فى الامتحانات والقدرة على اختراق تحصينات التأمين خطوات للوراء لأن عملية الغش تبدأ من قبل الامتحانات بل قبل دخول المرحلة الثانوية حيث تبدأ من سعى بعض أولياء الأمور لإلحاق أبنائهم في مدارس خاصة لضمان خوض الامتحان داخل لجان تُعرف باسم «لجان أولاد الأكابر» ومرورًا بالتوسع فى الاشتراك بمجموعات «واتساب» يتم إجابة الأسئلة عليها وتسهيل عملية وصولها للطلاب عبر «سماعات الغش» التي تأخذ في الانتشار منذ عدة سنوات وزادت هذا العام، ونهاية بوجود ما يسمى بوقائع «شراء اللجان» عبر تقديم إغراءات مالية للملاحظين بهدف تسهيل الغش وهو ما تنبهت إليه وزارة التربية والتعليم التي تتخذ إجراءات لاستبدال المراقبين فى اللجان التى تشهد وقائع غش.

■ سماعات الغش

◄ سماعات الغش

وبحسب أحد المراقبين، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، يعمل مراقبًا بإحدى مدارس سوهاج، التى شهدت وقائع غش فى سنوات ماضية، فإن الغش تحول من سُبة فى جبين الطلاب وأولياء أمورهم إلى حق مكتسب نتيجة أن أقرانهم تتوفر لديهم الفرصة للحصول على مجموع نهائى مرتفع ودخول كليات القمة عبر استخدام أدوات الغش التكنولوجية وهو ما تكرر خلال السنوات الماضية والأمر يأخذ فى التصاعد هذا العام مع انتشار مجموعات بيع سماعات الغش وانتشارها على نطاق واسع فى المحافظة ولم يعد الأمر مقتصرا على طلاب المدارس الخاصة أو من لديهم القدرة المادية.

وأوضح أن الترويج للسماعات بدأ منذ شهر إبريل الماضى والأكثر من ذلك أن البعض استخدمها فى امتحانات الشهادة الإعدادية، ما ينذر بانتشارها على نطاق واسع، بل إن بعض الطلاب اتخذ من بيعها تجارة إذ يتم تهريبها لموزعين فى المحافظة ويبيعونها لأولياء الأمور ويتراوح سعرها بين 2000 و5000 جنيه ويمكن أن يساعد متعهد صفحات الغش على «واتساب» فى تسهيل شرائها.

وأشار إلى أن أسعار الاشتراك في مجموعات «واتساب» التى تقدم إجابات نموذجية للأسئلة أثناء وجود الطلاب داخل الامتحان وصل لـ4000 جنيه هذا العام، وهذه المجموعات يكون مسؤولًا عنها أحد المعلمين أو الإداريين داخل المدارس الخاصة، لافتا إلى أن هذا العام تزايدت وتيرة الضغط على المعلمين من خلال محاولة الوصول إليهم وتقديم إغراءات مالية لهم لتسهيل عملية الغش للطلاب.

وقال طالب يشارك هذا العام فى امتحانات الثانوية العامة بإحدى لجان الشرقية، إن زملاءه يتعاملون مع الغش باعتباره أمرا طبيعيا، وهناك مراقبون يتساهلون مع مسألة الغش أثناء الامتحان وآخرون يتخذون إجراءات صارمة لمنعها، وفى كل الحالات يبقى التوتر حاضرا مع تهديدات بعض الطلاب لزملائهم المتفوقين حال رفض التجاوب معهم.

وأشار إلى أن امتحان اللغة العربية كان بمثابة البداية الحقيقية لمحاولات الغش، إذ تكررت محاولات طلب الدخول لدورات المياه بهدف الغش.

◄ اقرأ أيضًا | ما هي عقوبة الطالب المتلبس بحالة غش فى الامتحان؟.. متحدث التعليم يجيب

◄ مشكلة مزمنة

ومن جانبه يؤكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، أن مشكلة الغش فى الامتحانات مشكلة مزمنة فى التعليم المصري، ورغم الجهود المضنية التى يبليها وزراء التربية لمحاربتها غير أنها تتزايد عاما بعد عام ووصلت إلى شعور ولى الأمر باستحقاق الابن للغش بشتى الطرق وساعد فى تغذية ذلك الشعور رؤية الطالب وولى الأمر الكثير من الطلاب الآخرين يغشون ويحصلون على ما ليس لهم به حق دون محاسبة أو مساءلة فى حين يضيع حق الطالب المجتهد.

وأوضح أن بعض الآباء يشعرون بأنهم أنفقوا آلاف الجنيهات طوال السنة فى الدروس الخصوصية وشراء الكتب والملازم ولا بد من تعويض ذلك بنجاح الابن فى الامتحانات ولو بالغش، وما يغذى شعور الطالب باستحقاقه للغش إحساسه أن الوزارة لم تلتزم بدورها فى تعليم الطالب داخل المدرسة وتركه فريسة لمعلمى الدروس الخصوصية، وفى المقابل لن يلتزم الطالب بما تطلبه الوزارة من التزام أثناء الامتحانات، أيضًا رواج الدعاية للسماعات والأجهزة الذكية التى تستخدم فى الغش على وسائل التواصل الاجتماعى دون رقيب مما يجعل الطالب وولى الأمر يشعران بأن الأمر أصبح عاديا، بالإضافة لضياع القيم الدينية والأخلاقية لدى كثير من الأسر التى حولت الممنوع لمسموح بل وإلى حق.

وشدد على أن التعامل تربويا مع مشكلة الغش يجب أن يكون من خلال استعادة الدور التربوى للأسرة فى تعليم أولادها القيم الأخلاقية والدينية مثل الأمانة والاجتهاد وإتقان العمل، والوضع ذاته بالنسبة للمدرسة وعدم اقتصار دورها على التقييمات والامتحانات فقط، وتعدد فرص دخول الامتحانات فى الشهادات العامة مثل الثانوية العامة وعدم قصرها على فرصة واحدة فقط.

وفى الوقت ذاته، شدد شوقى على أن وزارة التربية والتعليم يمكن أن تكون قد اتخذت بعض الإجراءات التى غذت الظاهرة فى مقدمتها قصر عدد مقررات الثانوية العامة إلى ٥ مقررات فقط ما جعل النجاح فيها بأى وسيلة مصيرى بالنسبة للطلاب، وغلبة أسئلة الاختيار من متعدد سهلت الغش مقارنة بالأسئلة المقالية صعبة الغش، وعدم إعلان الوزارة ما تتخذه من عقوبات صارمة ضد الغشاشين، وقلة الحوافز للملاحظين والمراقبين فضلًا عن عدم توفير الحماية لهم من الأهالي.

◄ مسألة ثقافية

من جانبها، أكدت الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن ثقافة الغش سائدة منذ فترة طويلة ويصاحب انتشارها حالة اللامعيارية الظاهرة حاليًا فى المجتمع وهى تتعلق بالحالة التى عليها الشخص دون أن يسأل أحد نفسه كيف وصل إلى ذلك وهل التزم بالمعايير الأخلاقية أم لا، ويبقى هناك مبررات عديدة أبرزها أن الباحث عن الغش يرى كثيرين مثله يسعى لتقليدهم وهناك رغبة فى غض الطرف عن أى تجاوزات للوصول إلى الهدف أو المصلحة، بالإضافة لعدم المحاسبة المجتمعية والارتكان فقط على المحاسبة القضائية التى تبقى غير كافية لضبط المجتمع بخاصة وأن هناك كثير ممن ارتكبوا جرائم وحصلوا على أحكام قضائية رادعة يتم تقديمهم إلى المجتمع باعتبارهم نجوما ومُثل ناجحة.

ولفتت إلى أن تكرار هذه الوقائع تضرب فى قيم المجتمع وبينها الغش الذى كان منبوذًا فى السابق وأصبح مبررًا الآن مع انتشار الغش الجماعى وتدخل بعض الأشخاص لكى يتم إتاحة الغش داخل لجان أتباعهم، وهو ما يجعل المواطن العادى يطلق شعار «لماذا أنا لا أفعل ذلك أيضًا؟»، كما أن استخدام التكنولوجيا فى الغش يخلق شعورًا بالنشوة ويتعامل الطالب على أنها بطولة كونه وظفها لصالحه.

◄ قضية معقدة

وقال الدكتور محسن فراج، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، إن الغش قضية معقدة ولديها أسباب عديدة رغم اتخاذ وزارة التربية والتعليم إجراءات عديدة للتعامل معها فى مقدمتها استخدام العصا الإلكترونية وتحديد قائمة من المحظورات وتغليظ عقوبات الغش ومتابعة الأجهزة الإلكترونية داخل اللجان لكن ذلك لا يمنع الغش والأمر يرجع لتراجع أدوار البيت والمدرسة على المستوى التربوي.

وأضاف أن هناك أولياء أمور وطلاب يؤمن بالقيم الأخلاقية ويتعاملون مع الغش على أنه من المحرمات لكن مع السباق المحموم فى الثانوية العامة على فرصة الدخول إلى الجامعات الحكومية المجانية يتراجع أثر ذلك وفى حال حدث تسيب داخل لجنة ما فإن السير مع القطيع يبقى سلوكا عاما وقد يخضع بعض المراقبين لضغوطات من خارج اللجان تدفعهم للتخفيف من إجراءات ضبطها، مشيرًا إلى أنه لا يمكن الحديث عن الغش كظاهرة وليس هناك أرقام محددة بأعداد الغشاشين كل عام ولكن من خلال المتابعة العامة يمكن القول بأن الأزمة تأخذ فى الانتشار كل عام على نحو أكبر.

◄ الحل الجذري

وأشار إلى أن تأثيرات الغش لا تتوقف على مسألة الحصول على درجات دون حق ولكن أثرها ينتقل إلى الجامعة مع تراجع المستويات العلمية للطلاب ومنها إلى سوق العمل والمجتمع ككل فى حال لم يكن هؤلاء على قدر المسؤولية والكفاءة والمهنية، لافتا إلى أن الحل يكمن فى إزاحة رهبة الثانوية العامة وأن يبقى المجموع جزءًا من كل للانضمام إلى الجامعة مع إجراء اختبارات قبول بالجامعات فى فكرة مماثلة لما كان يسعى إليها وزير التربية والتعليم هذا العام حينما فكر فى عقد الامتحانات فى مدرجات الجامعة.