رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير : محمد البهنساوى

القاهرة - الأحد، 19 نوفمبر 2017 01:34 ص

رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير
محمد البهنساوى

«الأخبار» داخل أكثر القرى تزويجا للأطفال

  • شريف الزهيري - سحر شيبة

  • الإثنين، 30 أكتوبر 2017 - 12:12 ص

    < محررة «الأخبار»  تستمع إلى بنات مدارس يعانين من ظاهرة زواج القاصرات
    < محررة «الأخبار» تستمع إلى بنات مدارس يعانين من ظاهرة زواج القاصرات

    زواج القاصرات جريمة فى حق الطفولة والمجتمع، فحين ترى طفلة لم يتعد عمرها 12 عاما تخوض تجربة الزواج والحمل وتصبح أما مسئولة عن إخراج نبتة صالحة للمجتمع فى الوقت الذى لم تكتمل فيه نبتتها حين قررنا الدخول لعالم زواج القاصرات لم نجد أنسب من قرى سندهور والسلام بمحافظة الشرقية الأعلى صيتا وإعدادا للزواج المبكر«
    الارقام مفزعة وتدعو إلى وقفة جادة من الدولة لمواجهة هذه الظاهرة التى اصبحت خطرا على المجتمع ، حيث اكد اللواء أبوبكر الجندي، رئيس الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، إن نسبة الإناث أقل من 18 عامًا حوالى 39% من الإناث، منهن 6.0% متزوجات، بما يعادل 118 ألف حالة زواج قاصرات ، وأضاف أنه يوجد أكثر من 1200 حالة مطلقة، واكثر من الف أرملة، من زواج القاصرات.


    انتشار الظاهرة 

    والغريب ان كل تلك الزيجات لا يتم توثيقها لأنها تعد مخالفة للقانون، بل يجرى تحريرها فى عقود غير قانونية فيما بات يعرف فى التعبيرات الدارجة بزواج »الكشكول»،حتى تبلغ الزوجة 18 عاما يتم توثيق العقد، وهو ما يعرض الزوجة – قبل توثيق عقد الزواج- إلى ضياع حقوقها وحقوق أطفالها فى حالة الإنجاب.
    وقد قامت وزراة الصحة والسكان بإعداد تقرير مفصل كشف بالارقام انتشار هذه الظاهرة بكل المحافظات ، اكد ان اعلى نسبة للمتزوجات أقل من 20 سنة بمحافظة القاهرة(9.1%) وفى الجيزة (8.1%) وفى الشرقية (7.7%) فى حين كانت أقل المحافظات الحضرية هى محافظات السويس وبورسعيد بنسبة 0.7%، ويرتفع متوسط عدد الأطفال فى حالة الزواج قبل 18 سنة إلى حوالى 3.7 طفل، بينما يكون المتوسط 2.79 فى حالة الزواج بعد عمر22 سنة ، واشارت نتائج المسح الصحى الأخير أن نسبة الإناث المتزوجات فى الفئة العمرية من 15-19 إلى 14.4% وتزداد أعدادهن فى المناطق الريفية، وهن من بين ذوات المستوى التعليمى.. وبلغت نسب زواج القاصرات فى المحافظات القاهرة 9.10%، بنى سويف 3.80%، الجيزة 8.10%، الفيوم 3.60%، الشرقية 37 %، أسوان 1.60%، المنيا 6.90%، الإسماعيلية 1.40%، البحيرة 6.70%، دمياط 1.30%، الدقهلية 6.40%، السويس 0.70%، أسيوط 5.90%، بورسعيد 0.70%، القليوبية 5.80%، الأقصر 0.50%، الغربية 5.00%، مرسى مطروح 0.40%، الإسكندرية 5.00% البحر الأحمر 0.30%، سوهاج 5.00% الوادى الجديد، 0.30% المنوفية 4.80%، شمال سيناء 0.30%، قنا 4.30% جنوب سيناء 0.10%، كفر الشيخ 4.00%.
    ولان هذه الارقام مفزعة وتحتاج إلى الدراسة ، ذهبنا إلى محافظة الشرقية التى يصل فيها نسبة زواج القاصرات إلى 37%.. مع ساعات الصباح الأولى انطلقنا إلى قرى السلام وسندهور وبعد رحلة بحث طويلة ، كان يرافقنا فيها مدير المجلس القومى للسكان بالشرقية وصلنا إلى قرية «سندهور» التابعة لمركز بلبيس بالشرقية والتقينا بالرائدة الريفية وعمدة القرية الذى جمع لنا عددا كبيرا من الاهالى الذين قاموا بتزويج بناتهم فى سن مبكرة ، وبدا الحديث عن زواج القاصرات وخطورته وعند سؤالنا إلى الاهالى من منكم زوج ابنته فى سن مبكرة لم يجب احد وسادت حالة من الصمت.. وبعد فترة طويلة من الحديث قرر ان يتحدث لنا ( م.م) احد الاهالى الذى زوّج بناته فى سن ال15 عاما، وقال ان السبب وراء هذا الزواج هو انه لديه 5 بنات وجميعهن فى المدارس وانه لم يملك من الدنيا سوى قوت يومه، وأضاف: البنت عندما تصل إلى عمر 15 سنة ويتقدم لها «عريس» على طول أوافق علشان اخف من الزحمة والمسئولية وتكمل تعليم فى بيت جوزها.


    تحايل على القانون

    واضاف ان هذا الزواج يتم بورقة يحررها المأذون وتستمر معه الورقة حتى تصل الفتاة إلى سن الزواج وهو 18 عاما ، وبعدها يكتب العريس كتابه مرة اخرى ويتم الزواج بشكل رسمى ولكن غالبا ما ينتهى هذا الزواج بالطلاق وهذا ما ح-دث مع ابنتى فقد عانت الامرين مع زوجها وكان يعاملها معاملة سيئة ويضربها ويطردها فى الشارع ، وبعد هذه المشاكل انتظرنا حتى تتم 18 عاما وقمنا بتطليقها منه والحمد الله انها لم تنجب منه.
    والتقط طرف الحديث (ر.ص) مزارع والذى قال ان ابنته التى زوجها فى سن 16 عاما حملت من زوجها بعد الزواج وتركها وسافر وعندما ولدت حدثت مشاكل ، وتنكر من الطفل ورفض تسجيل الطفل ، وشكك فى نسب الطفل واصبحت ابنته فى نظر الناس سيئة السمعة وبعد محاولات كثيرة وقعدات بين الاهل والجيران وافق ان يسجل الطفل باسمه ، واضاف انه كان «يلف» كعب داير على الوحدات الصحية لتطعيم الطفل ولكن كانوا يرفضون لعدم وجود شهادة ميلاد مما جعله يضرب نفسه ويعنف نفسه على ما فعله بابنته..


    قرية القصر

    قرية بأكملها لا تخلو بيوتها من الزواج المبكر ، وبالرغم من ان كل بيت يحمل مأساة مختلفة تسبب فيها زواج القاصرات ، إلا ان هذه البيوت لم تكف عن تلك العادة المؤذية ، تعددت الحكايات باختلاف تفاصيلها واطرافها من اباء وامهات ومأذيين وفتيات مغلوبات على امرهن حاولنا فى جولتنا للقرية الأكثر زواجا للقاصرات ان نكون ملمين بأغلب حكايات المتزوجات مبكرا سواء من إن سردت الحكاية على لسانهم او على لسان احد آبائهم..
    جلسنا وسط الأمهات نتحدث عن زواج القاصرات وخطورته ونستعرض تجاربهم ليشارك كل منهم فى الحديث ، كانو مترددين فى الحديث فى بداية الأمر تجمع اغلبهن على ان العادة جرت على ان تتزوج الفتاة فور بلوغها ، فليس ما يمنع من زواجها ، بلإضافة إلى ان كل من فى القرية تزوجن بهذه الطريقة ولم تتعرض إحداهن لأى من المشاكل الصحية او الاجتماعية إلا فى حالات قليلة جدا ، ظللن مصرات على هذا الرأى لمدة ليست بقليلة حتى بدأت إحداهن فى عرض قصة ابنتها المتوفية والتى كانت القصة الأصعب والأكثر وجعا حيث تقول
    « كانت ابنتى فى الرابعة عشرة من عمرها وقد وصلت للصف الثانى الإعدادى ، وكانت ترغب فى استكمال تعليمها ، ولكن والدها رفض تماما حيث اراد ان يزوجها منذ ان كانت فى الصف الخامس الابتدائى متحججا بأن عودها قد اكتمل نضجه وكنت ارفض ذلك بشدة لأننى ادرى بابنتى وأعلم جيدا انها مازالت طفلة تحتاج لرعايتى كأخوتها رغم مظهرها الأنثوى ، ووسط ضغط والدها بقرار زواجها من ابن عمها الذى ينتظرها منذ سنوات لم استطع ان اصمد طويلا ، وخضعت لإصرار زوجى رغم توسلات ابنتى ودموعها ورغبتها الملحة فى استكمال طريقها الذى تتمناه ، فحاولت ان أقنعها بأننى سأساعدها فى كل شىء وان كل الفتيات حولها خضن نفس التجربة ونجحن وشيدن بيوتا سعيدة ، ولكن دموعهن كانت لا تتوقف ليل  نهار ، حتى يوم عرسها الذى من المفترض ان يكون أسعد ايامها لم تفرح به فانقبض قلبى لدموعها واصبحت اشعر وكأننى اجنى عليها ، ولكنى ظللت اصبر نفسى بأنه مجرد خوف سيزول بعد بضعة ايام فى بيتها ، وتزوجت ابنتى وتركت مدرستها وصديقاتها ، وعرائسها التى كانت تنسجها بيدها وانتقلت لحياة مختلفة تماما لا تشبه براءتها وهدوءها ، فقد حملت بعد اسابيع قليلة من زواجها ، وكانت دائما متعبة لا تستطيع تحمل اعباء المنزل وزوجها وحملها ، وخاصة ان جسدها هزيل وكانت دائمة « النزيف « وذاقت العذاب فى حملها ، وبعد ان وضعت مولودها واكمل تسعة اشهر ، حدثتنى عبر التليفون واخبرتنى انها متعبة للغاية من اعباء المنزل وخاصة انها تخدم والدى زوجها وإخوته ، ولكنى لم استطع ان افعل لها شيئا سوى ان اخبرها بأن الزواج مسئولية وان كل من تزوجن تحملن كل هذه الأعباء ، فتحشرج صوتها وردت « ولكنى كنت اتمنى ان اكون فى مدرستى الآن امرح مع صديقاتى وأذاكر دروسى « وكانت هذه الكلمات آخر ماسمعته من ابنتى ، ساعات ووجدت زوجها يتصل بنا ويخبرنا انه دخل البيت ووجدت ابنتى ورضيعها جثثا هامدة ،فانتبانى الهلع وصرت اصرخ بكل صوتى كيف حدث ذلك وقد حدثتنى من ساعات قليلة ، وعلمت بعدها ان ابنتى توفت إثر صعقة كهربائية من «غسالة» الملابس وقد طال الماس رضيعها الذى كان يقف وراءها فتوفى الإثنين فى الحال ، انهمرت الوالدة فى البكاء وهى تروى مأساة ابنتها وصار كل من حولها يحاول تهدئتها ، فقد كانت رجفة صوتها تحكى شعورا مميتا بالذنب فى حق ابنتها التى كانت تتمنى ان تعيش حياة سوية وسط اسرتها وتكمل تعليمها، ولكن يبدو أن القدر كان له تخطيط اخر .


    طلاق عرفى!!

    وبعد ان روت نعمة قصة ابنتها وتفاعل جميع الجالسين معها بدأت كل منهن تروى مأساتها مع زواجها المبكر ، بل وزواج بناتها فروت إحداهن « تزوجت ابنتى وهى فى الخامسة عشرة من عمرها ، ونظرا لأنها لم تكمل السن القانونية فقد كتب لها المأذون عقدا عرفيا ولم يمض عليه ، لحين ان تبلغ السن القانونية ، واشهرنا زواجها فى القرية بأكملها ، وبعد عامين من زواجها انجبت فيهما طفلين ، كانت مشاكلها التى لا تنتهى مع اهل زوجها فى تفاقم مستمر ، حتى استحال العيش بينهم ، وبعد محاولات عديدة للصلح بينها وبين زواجها باءت جميعها بالفشل قررا الانفصال ، وهنا كانت المشكلة حيث ان زواج ابنتى لم يقيد رسميا فكيف سيكون الطلاق حينها ، وبعد مباحثات عديدة من مأذون لآخر ومن محام لمحام آخر كانت ابنتى معلقة طوال هذا الوقت ، وأجمعوا أخيرا ان طلاقها غير جائز لحين كتابة العقد رسميا بعد بلوغ السن القانونية ، فبقيت ابنتى نحو عامين آخرين فى بيت والدها بطفليها ليس لها اى حقوق على زوجه الذى لم يخسر شيئا فى زواجه منها ، بل تحملت بمفردها عبئ الزيجة غير المناسبة ، وفى اليوم الذى عقدت فيه ابنتى عقد زواجها الرسمى ، كتب لها المأذون ورقة طلاقها ، فكان مشهدا فى قمة البؤس تعيش ابنتى حتى الآن فى حطامه حيث تزوجت وانجبت طفلين وطُلقت من زوجها وعاشت تتحمل مسؤولية طفليها بمفردها كل هذه التجارب وهى لم تصل إلى العقد الثانى من عمرها.


    سن مبكرة 

    أما منيرة فتشارك بقصة ابنتها قائلة «اعلم ان زواج الفتيات فى سن مبكرة قد يكون مضرا بعض الشىء وخاصة إن لم تكن الفتاة قادرة على تحمل المسؤولية ، ولكن إبنتى كانت لديها 16 عاما حين تزوجت اى لم تكن طفلة للحد الذى يمنعها من الزواج ، بلإضافة إلى انها تزوجت ابن عمها الذى يكبرها بثلاثة اعوام وكانت تريده ، وكان شرطها الوحيد هو ان تكمل تعليمها الثانوى بعد زواجها ووافق زوجها واهله على ذلك ، وبالفعل بعد ان تزوجت وانجبت طفلا ترعاه والدة زوجها ، استكملت تعليمها وهى الآن فى الصف الثالث للثانوية الأزهرية ، وزوجها يتولى ذهابها للدروس وعودتها لا مشاكل فى زواجهما حتى الآن .


    باب الرائدة.. «مخلع»
    يبدو ان المثل «باب النجار مخلع» يصلح ليعبر عن حالة بعض العاملين فى التوعية من مخاطر الزواج المبكر، ومنها الرائدات الريفيات اللاتى تغلبت العادات على الوظيفة، فلجأت الكثيرات منهن إلى تزويج بناتهن فى سن الطفولة، فالرائدة الريفية التى كان يجب ان تكون قدوة ومثالا للحد من زواج القاصرات فعلت ما يفعله الاهالى فقد قامت بتزويج ابنتها فى سن 16 عاما وعندما اردنا التحدث مع ابنتها نهرتها بعنف قائلة: «اسكتى جوزك هيقتلك».. هذا الامر يكشف تفشى هذه الظاهرة حتى على المرشدين والناصحين.


    حملات التوعية بلا فائدة ولابد من قانون يجرم الظاهرة

    يؤكد كثير من الخبراء أن حملات التوعية تساهم بنصيب وافر فى الحد من زواج القاصرات، لكن العمدة الحاج حسين محمد عمدة قرية سندهور له رأى آخر، حيث يؤكد ان هناك حملات توعية كبيرة داخل القرية لتوعية الاهالى بخطر زواج القاصرات ولكن هذه الحملات «لاتسمن ولاتغنى من جوع» فالاهالى يحضرون الندوات وبعد ايام تجدهم يزوجون بناتهم فى سن مبكرة.
    ويضيف ان هذه الزيجات تنتهى بالطلاق على يد مأذون وتحدث خلافات ومشاكل تصل إلى التهديد بالقتل.. ولابد ان تقوم الدولة بتجريم زواج القاصرات للحد من هذه الظاهرة الخطيرة.