رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير : محمد البهنساوى

القاهرة - الخميس، 23 نوفمبر 2017 08:42 م

رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير
محمد البهنساوى

رحلتي ما بين فجر فيروز..وليل أم كلثوم

  • الجمعة، 19 مايو 2017 - 12:51 م

    أم كلثوم وفيروز .. صورة أرشيفية
    أم كلثوم وفيروز .. صورة أرشيفية

     عندما خلوت بنفسي في أحد مستشفيات بيروت قبل فترة بسيطة في رحلة علاجية ، تأملت من شرفة غرفتي شوارع هذه المدينة الجميلة، وأشجارها وجوها ورائحتها التي تشبه المسك..فرائحة بيروت عندما تتسلل الي أنفي أشعر براحة وسكينة كنت في أشد الحاجة إليهما نفسيا ومعنويا وطبعا صحيا بعد إخضاعي لعملية جراحية احمد الله علي مأمن به علي من نعمة الشفاء والعافية، متمنياً للجميع الصحة والعافية وراحة البال والسعادة.

    وأتقدم في هذا المقام بالشكر والتقدير والعرفان لكل من كان بجانبي لحظة بلحظة وتابعني بالسؤال والاطمئنان علي ليل نهار الي عودتي للبحرين الحبيبة وعودة الي بيروت التي أعرفها لم ولن تتغير، مهما طال الزمان عليها، ومهما مرت بمشكلات سياسية واقتصادية، فطيب هواؤها باق كصخور التاريخ، ويكفي أن الشعور بالهدوء يتسلل الي داخلنا ويشعرنا بسعادة غامرة، ولما لا؟..فرغم أني اتحدث عن عملية جراحية ومستشفي وعلاج، إلا أنه من حق لبنان وشعبها أن يفتخران بوجود أمهر الأطباء، ولم يفقد هؤلاء مهارتهم، فالعنصر البشري غني ويمتلك أدوات نجاحه، وهو ما يجعلنا نذهب لبيروت في بعض الأحيان، فالرحلة رغم انها علاجية كان يكفي الاستمتاع بسحر بيروت العتيقة بكل ضواحيها، بها التاريخ والحاضر، تشعر بها بأنك في بلدك، بل في بيتك من كرم الضيافة والترحيب والكلام الطيب، حتي أن لي صديق يتمني يعيش بقية حياته في لبنان حتي يحكي مثل كلامهم كما يقول لي، وقد صدق فعلا، فاللهجة اللبنانية رغم تنوعها ما بين المدن فهي جميعها جميلة ومحببة علي الأذان، لهجة تشعرك بأنس وطيبة.

     ربما كتبت كثيرا عن القاهرة وشوارعها ونيلها وحي الحسين حيث مكاني المفضل ليلا أثناء وجودي هناك، ولكن من يعشق المدن لا يجد اختلافا كبيرا بين القاهرة وبيروت، فالناظر الي النيل يشعر بالآمان والسكينة، خاصة مع لحظات الفجر و شروق الشمس وغروبها، ويتذكر ما كتبه الشعراء المصريين عن النيل وعظمته، مثلما أتحفنا أمير الشعراء في رائعته "النهر الخالد"التي غناها محمد عبد الوهاب وخرج بأسطورة شعرية وموسيقية أمتعتنا حقا.

    جمال النيل وروعة شوارع القاهرة العتيقة والحسين ومقاهيه، يقربنا من بيروت بجمالها وسحرها، فلعل التاريخ هو الذي يربط بين العاصمتين، فالحضارة الفرعونية القديمة لم تكن بعيدة عن حضارة الفينيقيين، وتأثرت كل حضارة بالأخري، سواء بالفن والثقافة أو التجارة وركوب البحار. نعلم جميعا أن القاهرة لا تنام، فالحياة بها موصولة النهار بالليل، لا تعرف متي ينام أهلها ومتي يرتاحون فالكل يسهر، فالمصريون يطبقون باقتدار ما غنته سيدة الغناء العربي أم كلثوم في أغنية رباعيات الخيام " فما أطال النوم عمرا.. ولا قصر في الأعمار طول السهر" ، وكذلك أهل بيروت فهم أيضا يحبون السهر والليل، وتري بعضهم يبدأ يومه ليلا فيمرحون ويغنون ويسيرون علي الكورنيش، وتمتلأ المطاعم بروادها، فالكل سعيد بما يفعل، وما كثرة مطربي ومغني لبنان من الشباب والبنات، حتي وإن لم يكونوا بنفس شهرة مطرباتها ومطربيها المعروفين، فكل مقهي له مطربه ومطربته الخاصة ولا يهم إذا كانت تغني لكبار المطربين الآخرين، ولكن الأهم أن رواد المقهي يستمتعون ويقضوا أوقاتا طيبة وسعيدة مع دبكتهم الشهيرة وأغاني الجبل التي يشتهرون بها.

    يعلم كل أصدقائي أني أعشق ثلاث مدن في هذه الدنيا، مدينتي العريقة وروحي مدينة المحرق عبق التاريخ ، والقاهرة بحكم قضائي فيها أوقاتا طويلة ومعرفتي القوية بناسها وأهلها، ثم بيروت التي أزورها من حين لآخر، ومهما غبت عنها لا تتغير، فأجدها في نفس الزمان ونفس المكان، بشوارعها وحاراتها، وحتي جبال وقري لبنان مهما مر عليها التاريخ، تعيش بذات التفاصيل الصغيرة التي تجعلك تعشق هذه المدينة، ولا أكشف سرا أن صوت فيروز يربط كل مدن وشوارع لبنان صباحا، ولا يستطيع شعب لبنان مهما اختلفت توجهاتهم السياسية والدينية التخلي عن فيروز وهي تصدح بصوتها الملائكي أغاني الصباح، وهي أغنيات متعددة وكثيرة اشتهرت مطربة العرب التي نتمني من المولي عز وجل أن يهبها الصحة والعافية لتغني لنا من الأغنيات ولتظل حارسا علي شعب لبنان من الفتنة. ولا تقف أغاني فيروز علي صباح لبنان فقط، فقد سمعت أغانيها كثيرا في أماكن أخري صباحا، في مصر ودول أخري، وأتذكر مركزا تجاريا كبيرا بالقاهرة يبدأ اليوم بأغنيات وموسيقي فيروز ثم يبث بعدها موسيقي للموسيقار عمر خيرت .

     فصباح العرب يتميز بصوت فيروز الذي يستمع إليه الجميع فيبدأون يومهم مع "طلعت يامحلا نورها شمس الشموسة\يلا بنـــا نمـــــلا ونحلب لبـــن الجاموســــه\قــاعد ع الســـاقية خللى أســــــمر وحليــوة\عـوج الطــــــاقية وقاللى غنى لى غنيــــــوة\قلتلـــو يامحــمد حبـــــك .. شقلــبـلى عــقلى\ميتا النـار تبرد واعرف .. راسى من رجــلى".

    وتدور ساعات النهار بداية من صباح فيروز وأغانيها الكثيرة التي تغنت للصباح والفجر والشمس، حيث يستمتع لها العرب جميعا لروائعها، ليشعروا بالسعادة والمحبة وصفاء الصبح، حتي تأتي ساعات المساء لتبدأ أم كلثوم بالغناء، ليكون الليل ساحرا وجميلا مع "يامسهرني" التي أبدع كاتبها أحمد رامي في وصف حياة العاشق السهران وهو ينتظر حبيببته : "ماخطرتش على بالك يوم تسأل عني \وعينيا مجافيها النوم .. النوم يا مسهرني \أنا قلبي بيسألني .. إيه غير أحواله \ويقولي بقا يعني .. يعني ماخطرتش على باله \آمال غلاوة حبك فين .. وفين حنان قلبه عليا \وفين حلاوه قربك فين .. فين الوداد والحنيه.. يا نسيني وانت على بالي \وخيالك ما يفارق عيني \ريحني وإعطف على حالي \وارحمني من كتر ظنوني \لا عينيا بيهواها النوم \ولا بخطر على بالك يوم \تسأل عني .. يااااااااااا يا مسهرني\ اسأل عن اللي يقضي الليل \بين الأمل وبين الذكرى \يصبر القلب المشغول ويقوله نتقابل بكرا \وبكرا يفوت وبعده يفوت \ولا كلمة ولا مرسال \وهو العمر فيه كم يوم \وأنا بعدك علي طال".

    ويستمر سهر أم كلثوم وتواصل أسئلتها لماذا غاب عن الحبيب، وبينما هي هكذا تعاتبه " أقول لروحي أنا ذنبي إيه يقولي قلبي حلمك عليه \مصيره بكرا يعطف علينا \ونبقى نعرف هجرنا ليه .. ليه ليه هجرنا ليه \ خلي نسيم الليل على جناح الشوق يسري\الهجر طال والصبر قليل والعمر أيامه بتجري\طالت الأيام تعال لي قوام أنا عندي كلام بدي أقوله لك\أنا عندي كلام وف قلبي هيام أوصفهولك\ونعيش أيام ولا في الأحلام"..وإن كانت أم كلثوم تحدثت عن الأحلام، فهي لا تزال ساهرة تشتاق للبعيد أن يأتي وتوصف له حالها ومدي هيام قلبها.

    نعود لبيروت وفيروز - هذه الآيقونة الإنسية – التي استطاعت أن تجمع شعبها قبل العرب ، شعب لبنان، فاتفقوا عليها جميعا أثناء الحرب الأهلية، وهي التي كانت تعبر كل المعابر والآكمنة بحرية وقت الحرب ولم يمنعها أحد من المرور، ففي أوقات الهدوء كانوا جميعا يستمعون إليها والي رائعتها "بحبك يالبنان"، فصوت فيروز زرع في قلوب اللبنانيين حبهم وعشقهم لوطنهم، وسرعان ما انتهت الحرب بكل خسائرها ليعودوا علي قلب واحد يجمعهم في صوت فيروز علي "بحبك يالبنان".

     فصوتها الملائكي زرع في اللبنانين القوة والإصرار والعزم علي إعادة بناء ما مزقته الحروب، ولما لا؟ وهي التي قالت وغنت " بحبك يا لبنان يا وطني بحبك \بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك \و إذا إنتا بتتركني يا أغلى الأحباب \الدنيي بترجع كذبة و تاج الأرض تراب \بفقرك بحبك و بعزك بحبك \أنا قلبي عاإيدي لا ينساني قلبك \و السهرة عا بابك أغلى من سني \و بحبك يا لبنان يا وطني \سألوني شو صاير ببلد العيد \مزروعة عالداير نار و بواريد \قلتلن بلدنا عم يخلق جديد \لبنان الكرامي و الشعب العنيد \كيف ما كنت بحبك بجنونك بحبك \و إذا نحنا إتفرقنا بيجمعنا حبك \و حبة من ترابك بكنوز الدنيي\و بحبك يا لبنان يا وطني".

     إنها بيروت التي أبهرتني من شرفة المستشفي ولكني أحفظ شوارعها عن ظهر قلب، فكم سرت بها منتشيا، لأتنفس عبق التاريخ والحضارة في هذه المدينة الساحلية الجميلة التي مرت عليها سنون وسنون ولم تغيرها، حتي الحرب الأهلية لم تغير بيروت، ربما تكون دمرت بعض ضواحيها، ولكن سكان هذه العاصمة الذين غنت لهم فيروز بنوها وأعادوا تشييدها لتعود كما كانت. وبمجرد انتهاء رحلة علاجي وقد استرجعت عافيتي، اخذت جولة ببيروت وجبلها لاستمتع بجمال أشجارها ووريقاتها المكسوة بالخضرة فبعض الأشجار أشعر بمجرد النظر إليها أني أعانق السماء من قوتها وعلوها، ويتخللها الزهور التي تمنح بيروت رائحتها الزكية وألوانها الزاهية ، وياروعتها لحظة بزوغ الفجر وأشعة الشروق تزيح قطرات الندي عن الورود.. فما أجملها مناظر ومشاهد بيروت، مناظر طبيعية تسر العين، خاصة عندما تكتسي الأرض خضرة بلون وريقات الشجر ويحركها ريح الهواء ونسماته المنعشة.

     فهاهي بيروت، برائحتها الزكية، رائحة تكفي لتعطر الكون. إنها بيروت ببحرها الهائج الذي يعكس أِشعة الشمس في قلبه ليرسم لنا صورة جمالية، صورة ربانية لم يتدخل فيها إنسان، صورة تسر الناظر بأروع منظر تشهده أعيننا، صورة تبعث بجمال الخالق في خلقه.

    ونأتي لسماء بيروت في ليلها الذي ما أن يقبل علي الكون ليضئ الليل بنجومه وكأنه عـرس الحياة، ووتتزين بيروت بكل ما فيها، وكأنها حورية لا تظهر إلا ليلا، حتي يشتاق لها سكان المدينة وهم يرونها في أبهي حلة.

    احمد المرشد
    كاتب ومحلل سياسي بحريني
    [email protected]